13‏/2‏/2009

100 مصنع كبير مهدّد بالإقفال أو الهجرة!



كلفة المحروقات تجعل المنافسة «ضرب جنون» وتضع 30 ألف عامل على شفير البطالة

ناراجو ــ المكسيكناراجو ــ المكسيكلم تعد أسعار المازوت المرتفعة في لبنان «مزحة»، ولا أزمة مرحلية، إذ إن هذه الأسعار أصبحت تهدد قطاعات إنتاجية ضخمة بالإقفال أو الهجرة إلى خارج لبنان، وخصوصاً المصانع الكبرى التي تعتمد على الطاقة المكثفة، والتي لم تعد قادرة على منافسة الدول التي تدعم إنتاجها!

رشا أبو زكي

تُعدّ الصناعة قطاعاً إنتاجياً يمكن أن يعوّل عليه كجزء من سلسلة تدابير قادرة على تنمية الاقتصاد اللبناني، إذ يستطيع هذا القطاع تحريك عدد من القطاعات المرتبطة، من الزراعة إلى التجارة، وصولاً إلى المطار والمرفأ والحدود البرية، كما أن هذا القطاع يشغّل الآلاف من اليد العاملة اللبنانية، وعلى الرغم من أهمية التركيز على دعمه، إلا أن السياسات الاقتصادية اللبنانية لم تلحظ اهتماماً جدياً بهذا القطاع ولو من الناحية النظرية، إلا في حالات محددة كمشروع الوزير الشهيد بيار الجميل الذي تضمن العديد من النقاط التنموية التي تعرضت للاغتيال الفوري، بعد استشهاد الجميل، من الفريق السياسي الذي ينتمي إليه الجميل نفسه... وفي القطاع الصناعي عدد من القطاعات المتفرّعة التي تشهد نمواً وانتشاراً يتعدّى السوق المحلية إلى السوق الإقليمية والعالمية، ومعظم هذه الصناعات تُعدّ ثقيلة، أي بمعنى آخر توصف بالصناعات التي تعتمد على الطاقة المكثفة، وفي التعريف العالمي لهذه الصناعات هي حين تكون كلفة الطاقة في صناعة معينة تفوق الـ10 في المئة من مجمل الكلفة، وبسبب أزمة الكهرباء القائمة منذ مدة طويلة في لبنان، أصبحت هذه المصانع التي يفوق عددها مئة مصنع، تولّد الكهرباء ذاتياً، أي عبر مولّدات خاصة، ما يضاعف كلفة الإنتاج لديها من حيث الإنفاق على فواتير الكهرباء العامة من جهة، والإنفاق على المولّدات الخاصة من جهة أخرى. وقبل أن تشهد أسعار المحروقات الارتفاع الضخم الحالي، كانت المصانع التي تعتمد على الطاقة المكثفة تحاول التأقلم مع واقع الأكلاف الزائدة... أما اليوم، ومع وصول سعر صفيحة المازوت إلى 36 ألف ليرة لبنانية، فقد أصبحت هذه الصناعات مهددة بالزوال أو الانتقال إلى خارج لبنان.

■ واقع المصانع الكبرى

ويشير رئيس جمعية الصناعيين فادي عبود إلى أن عدد المصانع التي تعتمد على الطاقة المكثفة المسجلة في جمعية الصناعيين حوالى 100 مصنع من أصل 1000 مصنع، وتصنف هذه المصانع من الفئة الأولى، ويقدر حجم استهلاكها من المازوت بحوالى 100 ألف طن سنوياً، أما إنتاجها فيفوق اليوم الـ600 مليون دولار. وتمتلك هذه المصانع خطوط إنتاج كبيرة، ويعمل فيها أكثر من 30 ألف عامل، إذ تشغل هذه المصانع من 50 إلى 1200 عامل. ويوضح عبود أنه إذا «أردنا ترجمة الـ36 ألف ليرة سعر صفيحة المازوت إلى كيلوواط كهرباء، يمكننا الاستنتاج أن كلفة الكيلوواط ساعة من الكهرباء التي تستخدمها المصانع يفوق الـ35 سنتاً أميركياً، وهذه الكلفة هي الأغلى عالمياً. والفرق بين لبنان والسعودية في كلفة الكهرباء يفوق الثلاثين ضعفاً، في حين أن المعدل الأميركي لكلفة كيلوواط/ ساعة من الكهرباء هو ما دون الـ10 سنتات للصناعات العادية، و7 سنتات للصناعات الثقيلة، أما معدل الكلفة المعتمد في أوروبا فهو حوالى 15 سنتاً للصناعات العادية، و10 سنتات للثقيلة. ويشير عبود إلى أنه ضمن الـ17 بلداً من البلدان الموقّعة على اتفاق الـ«تافتا» (منطقة التجارة الحرة ما وراء الأطلسي)، ترتفع أسعار المحروقات فقط في لبنان، إذ إن الدول العربية الأخرى لديها سياسة مختلفة، فهي تدعم كلفة المحروقات للمصانع بنسبة 50 إلى 95 في المئة، وبالتالي معظم الدول في منظمة التافتا قادرة على منافسة لبنان بشكل غير عادل، مما سيؤدي حتماً إلى إغلاق المصانع المعتمدة على الطاقة المكثفة في لبنان.
وتأتي مصانع الإسمنت على رأس قائمة الصناعات المعتمدة على الطاقة المكثفة، إلا أن هذه الصناعة قادرة مرحلياً على التكيّف مع ارتفاع أسعار المحروقات بسبب الحماية التي تتمتع بها، لأن استيراد الإسمنت يخضع لإجازة خاصة، ومن ثم تأتي الصناعات المتضررة جداً من أسعار المحروقات، وهي السيراميك والبورسلان التي تُعدّ من المواد الأولية الأساسية لصناعة الأدوات الصحية، إضافة إلى صناعة القرميد للسطوح والقرميد الحراري، والصناعات البلاستيكية بكل أصنافها وأنواعها، من قساطل البناء، إلى رغيف الخبز، وهناك أيضاً صناعة تدوير الورق والبلاستيك والمعادن وغيرها، وصناعة الألمنيوم التي تدخل في تصنيع الشبابيك والواجهات وغيرها، وصناعات التوضيب من توضيب البلاستيك أو الزجاج أو المعادن، وصناعة الأواني الزجاجية. ونظراً لأسعار المحروقات الحالية، أصبح عدد من الصناعات الغذائية والمشروبات الغازية تصنف أيضاً من الصناعات المعتمدة على الطاقة المكثفة...

■ استمرار «باللحم الحي»

وتُعدّ مهمة البحث عن المصانع المتضررة من ارتفاع المحروقات سهلة في لبنان، بسبب اتساع قاعدة الضرر لتطال الغالبية العظمى من الصناعات الثقيلة، ويشير مدير شركة ملر اندسترز لصناعة القرميد الناري وقرميد السطوح شارل ميلر، إلى أن خسائر مصانعه باتت تطال كل شيء، ما سيضطرهم إلى التوقف عن العمل إذا استمرت أسعار المحروقات بالارتفاع.
ويقول «لدينا مخزون من المحروقات اشتريناه بأسعار مخفضة نسبة إلى الأسعار الحالية، وبعد انتهاء هذا المخزون سنقع بأزمة، إذ ستتعدى كلفة الإنتاج حجم المبيعات، مما سيضطرنا للتوقف عن العمل، وخصوصاً أننا نتعرض لمنافسة شرسة من الدول التي تدعم المحروقات لمصانعها، وخاصة السعودية ومصر». ويلفت إلى أن لديه حوالى 15 في المئة من السوق المحلية التي يرتكز عليها في مبيعاته، لأنه يصعب تصدير القرميد المحلي لأن كلفة التصدير أغلى من الخارج، وكلفة الشحن تشمل 70 في المئة من كلفة البضاعة. ويوضح أن المازوت يمثّل حوالى 30 في المئة من كلفة الإنتاج في مصنعه، ومن المستحيل في ظل أسعار المحروقات المعتمدة في لبنان منافسة الصناعات العربية في الأسواق الخارجية كما المحلية، إذ إن «الدول العربية تطرح أسعاراً أقل من أسعارنا، وتشجع تصدير سلعها الصناعية عبر إعفائها من الرسوم والمعاملات الجمركية، كما تقدّم حوافز ضريبية في استيراد المواد الأولية، هذا إضافة إلى انخفاض كلفة المحروقات لديها».
ويشير ميلر إلى أن شركته تصنع القرميد الحراري منذ 80 عاماً، أما قرميد السطوح فمنذ 35 عاماً، ويخشى أن ينتهي تاريخ صناعاته في هذه الأيام. ولفت إلى أنه لا يرى من الحكومات المتعاقبة أي مواقف لدعم القطاع الصناعي، مع أن اتفاقيات التبادل التجاري الموقعة مع السوق الأوروبية والعربية تعطي الحق للبنان بأخذ إجراءات وقائية من حالة الإغراق التي لا تعترف بها الدولة اللبنانية!

■ نحو الانتقال إلى الخارج

مدير مصنع دهانات يونيفرسال جمال حاطوم، يلفت إلى أن كلفة المحروقات التي تشغل المولدات وكلفة النقل تأكل نسبة كبيرة من كلفة الإنتاج، ويشير إلى أنه كان يدفع 500 ألف دولار شهرياً ثمن محروقات، أما هذا العام فهذا الإنفاق ارتفع كثيراً. ويقول حاطوم إنه يحاول التأقلم مع واقع الأسعار الجديد عبر رفع سعر السلع المنتجة نحو 10 في المئة، إلا أن ذلك لا يوازي الارتفاع الحاصل في كلفة الإنتاج، ويلفت إلى أن أسعار المحروقات تتضافر مع ارتفاع أسعار المواد الأولية بحوالى 30 في المئة، لتخفض الأرباح بشكل دراماتيكي، ويشير حاطوم إلى أنه في حالة من الترقب، وأن شركته في صدد دراسة الاحتمالات المتوافرة، مع ارتفاع أسهم الانتقال إلى خارج لبنان. ويشير إلى أن عدد العمال لديه انخفض كثيراً مقارنة مع عام 2000، وحالياً يحاول الاعتماد على العمال المياومين لخفض النفقات.
ويشير أحد المسؤولين في شركة ميدل إيست غرانيت، إلى أن ارتفاع كلفة المحروقات أصبح يضرب ميزانية الشركة، وخصوصاً أن مصانعها تعتمد بشكل كامل على المولدات الخاصة. ويشير إلى أن الشركة تستحوذ على نسبة كبيرة من حجم السوق، ولكنها تبحث جدياً في الانتقال إلى خارج لبنان، والأرجح إلى أبو ظبي، لافتاً إلى إنفاق نحو 5000 ليتر من المازوت كل 15 يوماً، ومع ارتفاع أسعار المازوت، ارتفعت كلفة الإنتاج 2000 دولار شهرياً.



مجرد إشارة
صعوبة المنافسة

يلفت فادي عبود إلى أن واقع إهمال القطاع الصناعي والامتناع عن دعمه، أديا إلى هجرة واسعة في صفوف المصانع الكبرى، وكان آخرها انتقال مصنع عبوات المياه المعدنية «PET» إلى خارج لبنان، كما أن غالبية المصانع البلاستيكية هي في طور الانتقال من لبنان لصعوبة المضاربة، إذ إنه إذا جرت مراقبة استيراد أصناف مماثلة للصناعات المحلية الثقيلة، يتبين أن حجم الاستيراد هذا ارتفع بنسب تصل إلى أكثر من 20 في المئة سنوياً كمعدل وسطي، في حين أن حجم بلاط السيراميك المستورد ارتفع بشكل تدريجي ليصل اليوم إلى نسبة 80 في المئة.


عدد السبت ٣١ أيار ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق