16‏/2‏/2009

مصر تشتري القمح بـ 250 دولاراً ولبنان بـ 458 دولاراً!



أحد المواطنين يموّن الخبز (أرشيف هيثم الموسوي)أحد المواطنين يموّن الخبز (أرشيف هيثم الموسوي)رشا أبو زكي

انتقل هدر المال العام في ما يتعلق باستيراد القمح لزوم الخبز العربي من «الكارتيل الطحيني» إلى «كارتيل شركات الاستيراد»، فقد أجرت وزارة الاقتصاد مناقصتين سلّمت بموجبهما شركتين محليتين هذه المهمة. وبعدما كان من المتوقع أن يوقف هذا الإجراء هدر المال العام على «الكارتيل الطحيني»، تبيّن أن إحدى الشركتين اشترت طن القمح بـ458 دولاراً من كازاخستان فيما اشترت مصر طن القمح من الدولة نفسها وفي الوقت نفسه بـ 250 دولاراً!

ماذا بعد جشع كارتيل المطاحن؟ وماذا بعد التلاعب بأسعار القمح المستورد وبالتالي زيادة قيمة الدعم بملايين الليرات من خزينة الشعب اللبناني؟ وماذا بعد تلاعب الكارتيل بكمية القمح المدعوم لزوم الخبز العربي، واستخدام هذا القمح لصناعة حلويات الأغنياء؟ ماذا بعد رضوخ وزير الاقتصاد سامي حداد لوصايا المطاحن المنزلة من الأوصياء السياسيين للكارتيل؟ وماذا بعد الإعلان أكثر من مرة أن هدر المال العام قائم باسم «البحبحة» الحدّادية؟... أمّا بعد، فهو تسلم وزارة الاقتصاد مسؤولية استيراد القمح إلى لبنان، وتوزيعه على المطاحن بقيمة 225 دولاراً لطن القمح، على أنها تدعم فارق السعر بين الاستيراد وسعر التسليم للمطاحن. وما بعد «البعد» هو أن الوزارة «المتبحبحة» أنجزت مناقصتين منفصلتين لشراء 50 ألف طن من القمح، وفازت شركة سامي قصير ممثلة شركة بونغي بشراء 25 ألف طن بنحو 439.77 دولاراً من القمح الروسي، وفي المناقصة الثانية فازت شركة طباعي ممثلة شركة غلنكور بشراء 25 ألفاً بسعر 457.90 دولاراً من القمح الكازاخستاني. إلا أن الشركتين تخطّتا السعر الذي كان كارتيل المطاحن يقول إنه يستورد على أساسه، أي ما يوازي 420 دولاراً، فدفعت ثمن 50 ألف طن من القمح الكازاخستاني والروسي نحو 24 مليون دولار أميركي! أي ما يوازي 8 ملايين دولار شهرياً، على أساس أن حاجة السوق المحلية للقمح لزوم الرغيف شهرياً 15 ألف طن. تدفع منها المطاحن 3 ملايين و750 ألف دولار على أساس سعر طن القمح المسلّم إليها من الدولة 225 دولاراً، فتكون النتيجة أن الدولة تدعم المطاحن شهرياً بقيمة 4 ملايين و625 ألف دولار، أي بقيمة 13 مليوناً و875 ألف طوال الأشهر الثلاثة المقبلة!

في تفاصيل الهدر

كانت الدولة تدعم كارتيل المطاحن من شهر آب إلى تشرين الأول 2007 بقيمة 50 دولاراً على كل طن من القمح المستورد أي ما يوازي 750 ألف دولار أميركي على 15 ألف طن مستوردة شهرياً، واستمر هذا الدعم إلى تشرين الأول 2007، لتصل القيمة الإجمالية للدعم خلال ثلاثة أشهر إلى مليونين و250 ألف دولار أميركي.
في تشرين الثاني من عام 2007، زادت الدولة قيمة الدعم 25 دولاراً، ليصبح 75 دولاراً على كل طن من القمح المستورد، وبذلك تكون قيمة الدعم على 15 ألف طن هي نحو 112 ألفاً و500 دولار أميركي، واستمرت هذه القيمة إلى أواخر كانون الثاني لتصل قيمة الدعم الإجمالية خلال ثلاثة أشهر إلى 3 ملايين و375 ألف دولار أميركي، وبذلك تكون قيمة الدعم الكاملة بين آب 2007 وكانون الثاني 2008، أي في 5 أشهر نحو 5 ملايين و625 ألف دولار أميركي. وقد كانت لوزير الاقتصاد سامي حداد خلال فترة الدعم تصريحات متعددة يؤكد فيها أن قيمة الدعم «مبحبحة» مشككاً بالكميات المستخدمة في صناعة الرغيف الأبيض من أصل إجمالي كميات القمح المستوردة، لافتاً أكثر من مرة إلى أن حجم القمح المدعوم يجب ألّا يتعدى 20 إلى 30 في المئة من نسبة القمح المستورد، فيما شمل الدعم نصف الكميات المستوردة، إذا ما جرى الإقرار بالأسعار التي تعلنها المطاحن لطن القمح.

ماذا ارتكبت الوزارة؟

يذكر أن السعر الأخير الذي أعلنته المطاحن لطن القمح هو 425 دولاراً في كانون الثاني الماضي، أي منذ شهر واحد فقط. وقررت وزارة الاقتصاد حسب ما قال حداد أن تتسلم بنفسها استيراد القمح وتوزعه على المطاحن. تنفس المواطن الصعداء، فالهدر الذي شرّعه حداد «بالبحبحة» ستغلق أبوابه. إلا أن ما كشفته مقررات جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، كان عكس التوقعات، فقد استوردت الشركتان اللتان سلّمتهما الوزارة «المهمة الصعبة» 50 ألف طن قمح من روسيا وكازاخستان على دفعتين بقيمة 440 دولاراً و458 دولاراً للطن، ووصلت القيمة الإجمالية للصفقتين إلى 35 ملياراً و534 مليوناً و267 ألف ليرة لبنانية، أي نحو 24 مليون دولار أميركي، علماً بأن 50 ألف طن من القمح موزعة على 15 ألف طن حاجة السوق المحلية شهرياً، تغطي 3 أشهر فقط من طلبات المطاحن. ومن هذه الأرقام يُستنتج أن الدولة تدفع من خزينة الشعب 8 ملايين دولار شهرياً لاستيراد القمح، وهي ستبيع طن القمح للمطاحن بقيمة 225 دولاراً، أي ستبيع شهرياً 15 ألف طن بقيمة 3 ملايين و750 ألف دولار، والفارق أي 4 ملايين و625 ألف دولار هي قيمة الدعم الشهرية للمطاحن على مدى ثلاثة أشهر مقبلة، أي ما ينقص قليلاً عن الدعم الذي قدمته الدولة للمطاحن طوال خمسة أشهر في الماضي!
وإذا كان لا بد من العودة إلى أسعار المطاحن المشكوك بها، والتي أعلنت أن سعر طن القمح وصل في كانون الثاني 2008 إلى 445 دولاراً، ففي قسمة هذا المبلغ على 210 دولارات وهو سعر طن القمح الأولي الذي ينتج طن طحين بقيمة 480 ألف ليرة، للمحافظة على سعر ربطة الخبز بسعر 1500 ليرة، يكون الفارق 235 دولاراً لكل طن، وعلى افتراض أن الدولة ستدعم هذا الفارق فهي ستدفع شهرياً 3 ملايين و525 ألف دولار، أي أقل من قيمة الدعم التي تقدمها الوزارة اليوم. يذكر أنه ليس من المطلوب إعادة سدة الجشع الى كارتيل المطاحن وتسليمه دفّة استيراد القمح، بل ألا يستبدل هذا الجشع بتلاعب آخر من الوزارة بأسعار القمح المستورد، مأخوذ كذلك من خزينة الشعب.
علماً بأن سعر طن القمح الأحمر اللين في 12/2/2008 وصل إلى 371.8 دولاراً بحسب بورصة شيكاغو وبورصة لندن وبورصة نيويورك. كذلك ذكرت جريدة الأهرام المصرية أن مصر ستستورد مليون طن قمح من كازاخستان، بسعر 250 دولاراً للطن، وقد وصلت الدفعة الأولى من هذا القمح في الأول من شباط الجاري، وسيستمر إمداد مصر بكميات القمح الكازخستاني طوال عام 2008، وذلك لتجنب زيادة متوقعة في أسعار القمح العالمية وضمان احتياطي استراتيجي من القمح في مصر... فلماذا تسعى مصر إلى إجراء صفقات طويلة الأمد، ومتى ستنظر الحكومة اللبنانية ما وراء أنفها القصير لتضمن استقرار الوضع الاجتماعي لمواطنيها؟ وهل السعر المعلن من الشركتين اللتين تولّتا استيراد القمح دقيق فعلاً، وخصوصاً أن الفارق في سعر الاستيراد من كازاخستان بين لبنان ومصر يصل إلى 208 دولارات أميركية؟!


تطور أسعار القمح

قبل آب 2007، كان سعر القمح الذي تعلنه المطاحن 210 دولارات، وكانت المطاحن تسلم الأفران طن الطحين بسعر 480 ألف ليرة، لربطة خبز زنتها 1120 غراماً، بسعر 1500 ليرة. في آب أعلنت المطاحن بدء ارتفاع أسعار القمح من 260 دولاراً إلى 410 دولارات، وطالبت الدولة بدعم كل طن من القمح المستورد بقيمة 50 دولاراً، ومن ثم بقيمة 75 دولاراً، وأذعنت وزارة الاقتصاد للطلب. ثم طالبت المطاحن بزيادة الدعم 30 دولاراً إضافياً، ولم توافق وزارة الاقتصاد على هذا الطلب. وفي 30 كانون الأول من عام 2007 قال أحد أصحاب المطاحن وهو أحمد حطيط، إن «مجلس الوزراء قرر الاستمرار بنفس قيمة الدعم، وهذا يرتب علينا خسائر لأن سعر طن القمح ارتفع إلى 420 دولاراً في الشهرين الأخيرين، وكنا قد أبلغنا الوزير في أول شهر كانون الأول أن الأسعار مرشحة للارتفاع لكنه لم يتصرف». وعلق مستشار وزير الاقتصاد مروان مخايل على زعم أصحاب المطاحن بأن سعر طن القمح ارتفع عالمياً فلفت إلى أن هامش الارتفاع لم يزد على 20 إلى 30 دولاراً للطن، ورأى أن الزيادة التي يطالب بها أصحاب المطاحن غير مبررة، إضافة إلى أن قيمة الدعم الحالية كافية بنسبة كبيرة. (راجع «الأخبار» 31 كانون الأول 2007). وقد أشارت المطاحن خلال كانون الثاني من عام 2008 أي منذ شهر فقط إلى أن قيمة الدعم قليلة، وأن سعر طن القمح تجاوز 425 دولاراً....


عدد الجمعة ١٥ شباط ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق