3‏/2‏/2009

يوم الصحّة العالمي: اللبنانيون تحت وطأة الفساد [2]


بوليغان ــ المكسيكبوليغان ــ المكسيكأطباء يسوّقون الأدوية ليفوزوا بسيارة... و44 مخالفة لصيدليات تبيع أدوية مهربة!

تعدّ الصحة حقاً أساسياً من حقوق المواطنين، ويشير دستور منظمة الصحة العالمية إلى «أن التمتع بأعلى مستوى صحي ممكن هو أحد الحقوق الأساسية لكل إنسان بلا تمييز، سواء على أساس العنصر، أو العرق، أو الدين، أو العقيدة، أو المعتقد السياسي، أو الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية... ولكن أين هذا الحق من المواطن اللبناني؟

رشا أبو زكي
«كيف صحتك؟» ... «ماشي الحال»، سؤال وجواب أصبحا ضمن السلوكيات الكلامية الترحيبية في لبنان، إلا أن الواقع الصحي القائم، ودخول عدد كبير من الأطباء والمستوردين والصيادلة، وتواطؤ موظفين في وزارة الصحة والصناديق الضامنة في حلقات الفساد، يلزم اللبنانيين بالتفكير ملياً قبل الإجابة عن أي سؤال ترد فيه عبارة «صحة»، إذ يؤكد المعنيون في القطاع الصحي أن المخالفات التي تقوم بها القطاعات الصحية موجودة، وتشير التقارير والدراسات إلى فوضى تتحكم بقطاع الصحة في لبنان، بدءاً برأس الهرم الصحي أي وزارة الصحة، إذ يشير وزير الصحة العامة محمد جواد خليفة لـ«الأخبار» إلى أنه لا يريد توظيف أشخاص في الوزارة لإطلاق مشروع البطاقة الصحية، لأسباب عدة، منها أن الموظف يدخل إلى الوزارة وفق محاصصات سياسية وطائفية، وبعد فترة يبدأ بالتلكؤ في القدوم إلى وظيفته، ومن ثم يصبح مرافقاً لأحد النواب أو الوزراء، ويشير إلى أن موظفي الوزارة هم أطباء كانوا يعملون في المستشفيات الحكومية التي تتبع النظام الروسي القديم، إلا أنهم لا يملكون الاختصاصات المطلوبة للقيام بعدد من الأعمال المطلوبة منهم!... فكيف بقطاعات الصحة الأخرى؟
دبيبو: المخالفات موجودة
يشير التقرير التنموي 2006 ـــ 2009 إلى أن نسبة الإنفاق على مواد الصيدلة مرتفعة، وتصل إلى 26.8 في المئة من إجمالي إنفاق الأسر على الرعاية الصحية. في حين أن حوالى 98 في المئة من المواد الصيدلانية المبيعة في لبنان تخضع لعلامات تجارية مسجلة، في حين تمثّل الأدوية «الجنريك» ما يوازي 2 في المئة فقط، كما أن الأدوية المستوردة تمثّل نحو 94 في المئة من الاستهلاك المحلّي، في حين لا تغطي الأدوية المصنعة محليّاً إلا 6 في المئة فقط. ويلفت إلى تضخّم عدد الصيدليات في السوق اللبنانية، ويشير إلى أن بعض الصيادلة يؤجّرون تراخيصهم إلى مالكي الصيدليات من دون أن يكونوا فعلياً عاملين فيها.
ويقول نقيب الصيادلة صالح دبيبو لـ«الأخبار» أن هناك 4500 صيدلي في لبنان، في حين هناك 2000 صيدلية، لافتاً إلى أن ذلك ليس له دلالات على مخالفات في القطاع، إذ إن عدد الصيادلة العاطلين عن العمل قليل جداً، لأن هذه المهنة تدخل في مجالات عدة غير إدارة الصيدلية، ويلفت إلى ضرورة تنظيم وضع التوظيف الصيدلي للقيام بدراسة دقيقة عن حاجات السوق، لمعرفة إن كان العدد يفيض على حاجة لبنان أم لا. ويشدد على أن المخالفات موجودة في القطاع أسوة بالقطاعات الأخرى، وأن الفوضى القائمة في لبنان تنعكس على مهنة الصيدلة، إلا أن للنقابة مجلساً تأديبياً، وقد لاحظت أن نسبة المخالفات لم ترتفع كثيراً عن النسب التي كانت موجودة في السنوات السابقة، لافتاً إلى أن الرقم التقريبي للمخالفات هو 10 أو أقل سنوياً.
إلا أن التقرير السنوي لوزارة الصحة عن عام 2007، يورد 44 مخالفة لصيدليات موجودة في لبنان، منها 14 مخالفة في عام 2006، و30 مخالفة في عام 2007، وتتراوح هذه المخالفات بين اقتناء أدوية وبيعها بصورة غير شرعية، مروراً بوجود أدوية مهربة ممنوع تداولها داخل صيدلية، وصولاً إلى بيع أدوية مزورة وخاضعة لقانون المخدرات والمؤثرات العقلية...
وبسبب تراجع الرقابة على سوق الأدوية، وخصوصاً في ما يتعلق بعملية الاستيراد، يلاحظ المتابعون للملف زيادة حجم الأدوية المهربة إلى لبنان، وانتشارها من دون أن تُسجّل في وزارة الصحة، وفي هذا الإطار، يشير دبيبو إلى أن لبنان يحوي أدوية مهربة، وأن كل ما هو مزوّر ومهرّب لا يمكن أن يكون جيداً، ويشدد على أن الرقابة على الدواء تنعدم في المستوصفات التي يعمل بعضها على تدمير الأمن الصحي في لبنان.
أياد «مافيوية»
وتشير مصادر لـ«الأخبار» إلى أنه «تتغلغل في قطاع الصحة خلايا مافيوية موزعة بين بعض المستوردين والأطباء والصيادلة، بالتواطؤ مع أركان سلطوية، وأن المخالفات في هذا القطاع عديدة ومتفاوتة، وقد تزايدت بعد إلغاء المادة 80 سنة 2002 التي تحدد سعر الدواء الذي من المفترض أن يُعمل به في جميع الصيدليات». ويقول دبيبو «إن إلغاء هذه المادة أتاح الفرصة للمضاربة غير المشروعة، إذ يلجأ الصيدلي إلى خفض سعر الدواء عن التسعيرة الأساسية التي وضعتها الدولة، بهدف استقطاب الزبائن، ويلفت الى أن هذا الموضوع حوّل الصيدلي إلى تاجر، في حين أن المهنة إنسانية وبعيدة عن المفاهيم التجارية، مشيراً إلى أن إلغاء المادة 80 جعل الوضع شاذاً، وأن معارضة النقابة لإلغاء هذه المادة أقنعت المسؤولين بضرورة إعادة العمل بها.
ويشير التقرير التنموي إلى وجود هوامش كبيرة في أرباح الصيادلة، وأن ارتفاع نسب الأدوية من فئتي العلامات التجارية المسجّلة والمستوردة، يتسبب بارتفاع الفاتورة الصحية في البلد. فأسعار الأدوية المستوردة تفوق إلى حدّ كبير أسعار تلك المصنّعة محلياً. وبحسب نظم التسعير السائدة، فإن أسعار مبيع الأدوية المستوردة توازي 1.69 أضعاف سعر المصنع في بلد المنشأ، نظراً إلى زيادة مجموعة من الهوامش على السعر الأصلي، ضمنها الشحن والتخليص الجمركي وهامش الوكيل والصيدلي، علماً بأن وزير الصحة محمد جواد خليفة خفض هذه الهوامش، إلا أن التقرير التنموي يشير إلى أن المنحى التفاضلي للخفوضات التي طالت هوامش الربح حسب فئات التعرفة، أدّى إلى سحب بعض الأدوية من الأسواق أو إيقاف استيرادها، خاصة تلك المصنفة في الفئة التي طبقت عليها أعلى نسب الخفض، نظراً إلى أن استيرادها لم يعد مدرّاً للأرباح. وبالنتيجة، أدّى ذلك إمّا إلى فقدان بعض أصناف الأدوية الأساسية والضرورية من الأسواق، أو إلى عودة النشاط إلى السوق السوداء.
والأطباء كذلك!
أما مساهمة الأطباء في انحدار الأمن الصحي في لبنان فهي كبيرة ومنظورة، إذ أصبح عدد كبير من الأطباء في دائرة التسويق لأدوية الشركات، ويشير التقرير العالمي للصحة 2006 إلى أن عدد الأطباء في لبنان هو 11,505 أطباء، وهو أعلى رقم في المنطقة بالنسبة إلى عدد السكان، ويتوزع هؤلاء على حوالى 70 اختصاصاً طبياً، من التجميل إلى عمليات القلب المفتوح. إلا أن خليفة يقول لـ«الأخبار» إن لدينا عرضاً كبيراً من الأطباء، وهذا يفيد منه المواطن، ويلفت إلى وجود مشكلة التسويق غير المبرر، حيث تقوم الشركات بحملة إعلانية كبيرة، وتورد التقارير الخاصة بدوائها في المجلات التي يتابعها الأطباء دورياً، ما يؤدي إلى التسويق المفرط، وصحيح أن هناك أدوية جيدة، ولكن هناك أدوية مثلاً تسوّق لتسييل الدماء وهي تفيد 10 في المئة فقط من المرضى، في حين أن الـ90 في المئة يمكن أن يعالجوا بأدوية أرخص وأكثر شيوعاً.
ويظهر تقرير «حسابات الصحة الوطنية في لبنان» أنه يجري التحكّم بسوق الأدوية المستوردة من مجموعة من المستوردين والموزعين الذين يعملون بشكل مستقل، ويهيمنون على السوق، ويستخدمون أساليب عمل تضعهم في مصاف المجموعة الاحتكارية. فمن ضمن الاستراتيجية المتبعة من قبل هؤلاء، يندرج التسويق الشرس الذي يؤدي إلى ارتفاع استهلاك الأدوية المستوردة، وتجاهل المنتجات المحلية، خاصة في غياب حملات التوعية التي تشجع الناس على استخدام الأدوية المحلية. كما أن العديد من الأطباء باتوا منخرطين في دائرة هذا الاحتكار، عبر سعيهم إلى تأمين أرباح إضافية من خلال إبرام صفقات خاصة مع موزعي
الأدوية.
وتشير مصادر طبية لـ«الأخبار» إلى أن بعض الأطباء يسوّقون الأدوية التي من الممكن أن تكون غير فاعلة، أو غير مضمونة النتائج، لقاء مبالغ مالية تدفعها الشركات، أو مغريات أخرى، منها الرحلات إلى الخارج، وتأمين بعض الآلات الطبية، وصولاً إلى الحصول على هدايا ثمينة، منها سيارات أو شقق سكنية!



مجرد إشارة
البطاقة الصحية

كشف وزير الصحة العامة محمد جواد خليفة لـ«الأخبار» عن مشروع للبطاقة الصحية يعدّه، ليعرضه على مجلس الوزراء، ولفت إلى أنه يعدّ دراسة شاملة يطرح فيها نوعين من البطاقات الصحية، الأولى هي لمحدودي الدخل، سعرها 40 دولاراً سنوياً، حيث يذهب المريض مباشرة إلى المستشفى الحكومي في منطقته ويبرزها، وإن لم تكن الخدمة المطلوبة متوافرة في المستشفى الحكومي، يُحوّل المريض إلى مستشفى خاص متعاقد مع الوزارة. أما البطاقة الثانية فسعرها 100 دولار، وميزة هذه البطاقة أن المريض الذي لديه قدرة مادية، يختار المستشفى الذي يريده، فهو إما أن يدفع 5 في المئة من فرق الفاتورة في المستشفى الحكومي، أو 15 في المئة في الخاص. ويحصل المواطن مع كل بطاقة صحية على بطاقة أخرى لإجراء الفحوصات الطبية الكاملة مجاناً، مرة واحدة كل سنة.
ويشير خليفة إلى أنه يبحث مع شركات التأمين الخاص لكي يؤلّفوا إدارة لإصدار البطاقات من خلال المصارف، إضافة إلى التدقيق في السجل الطبي للمريض، فيحصّلوا على كل بطاقة 4 أو 5 دولارات. ويتابع «سأقوم بتجربة على 400 ألف مواطن، وأجري تقييماً آخر السنة لمعرفة إن كانت الخطة جيدة أو تريد التعديلات، وإن نجحت نوسع هذه الخطة لتشمل جميع المواطنين غير المضمونين».


عدد الاربعاء ٩ نيسان ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق