13‏/2‏/2009

5 آلاف مصنع مقفل منذ 1996!



«خدعة» الرسوم الجمركية تقضي على معظم الصناعات

داخل أحد مصانع الثياب (أرشيف)داخل أحد مصانع الثياب (أرشيف)«فليهاجر الصناعيون إلى الخليج»... هكذا ردّ وزير الاقتصاد السابق سامي حداد على مطالب خفض أكلاف الإنتاج وحماية الصناعة اللبنانية. انزعج المواطنون منها. وغضب الصناعيون... لكنّ هذا الوزير كان يختصر بعبارة واحدة سياسة اقتصادية بدأت منذ 16 عاماً ولا تزال مستمرة حتى اللحظة... وإغلاق آلاف المصانع اللبنانية خير دليل

رشا أبو زكي
في عام 2000 أقر مجلس الوزراء خفض الرسوم الجمركية والضرائب على العديد من السلع المستوردة بنسب متفاوتة تتعدى الـ 70 في المئة. ومع دخول اتفاقية تيسير التجارة العربية حيّز التنفيذ وصلت الرسوم الجمركية على غالبية المواد المستوردة عام 2002 إلى صفر في المئة... هنا تكوّنت قبضة الضربة القاضية للقطاع الصناعي في لبنان، فتورّمت أكلاف الإنتاج مع التغيّرات الاقتصادية العالمية، ووصلت المنافسة إلى حد الخنق والإغراق للصناعة المحلية، وخصوصاً مع استمرار معظم الدول العربية المصدّرة إلى لبنان في دعم أكلاف إنتاجها... وبدأ شعار «صنع في لبنان» يتراجع تدريجياً عن وسم السلع المحلية، لتحل مكانه كلمات مكتوبة بلغات العالم أجمع!
5 آلاف مصنع لبناني أقفلت أبوابها بين أعوام 1996 و2008، ما عدا مئات المصانع التي هجرت «بلد التدمير الإنتاجي المبرمج» إلى الدول العربية والأوروبية التي تدلل قطاعاتها الإنتاجية تحفيزاً ومساعدة وتطويراً. ويقول كاتب «القطاع الصناعي في لبنان: الواقع والسياسات المستقبلية» الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي لـ«الأخبار»، إن التراجع الضخم الذي شهده عدد المصانع في لبنان، والذي وصل إلى 5 آلاف مصنع، كان سببه الأساسي عملية «توريط» للمصانع، فبعد الإهمال الكبير الذي كان يصوّب رصاصاته نحو القطاع الصناعي منذ ما بعد الطائف، «أعلن عام 1999 عن عملية إقراض واسعة للمصانع اللبنانية من صناديق مالية دولية، فهجمت المصانع طالبة التمويل، وبدأت الاستعداد لتطوير أعمالها وتمويل رأسمالها التشغيلي، وإذا بالحكومة تعلن عام 2000 قرار خفض الرسوم الجمركية على المواد المستوردة بنسب كبيرة جداً». وهنا رزحت المصانع تحت ديونها للمصارف، وشهد حجم إنتاجها تراجعاً كبيراً بسبب المنافسة الشديدة الناتجة من رفع الحماية عن عدد كبير من السلع المنتجة محلياً!
مصنع وحيد للحديد كان في منطقة عمشيت. أقفل عام 2003 أبوابه بسبب المنافسة وارتفاع أكلاف الإنتاج بنسب مضاعفة عن تلك الموجودة في الدول العربية المحيطة... فبيعت الآلات إلى الأردن. وهاجر أصحاب المصنع إلى الولايات المتحدة الأميركية. الحالة ليست فريدة، فقصة صناعة الألبسة والغزل والنسيج فاجعة حقيقية، إذ لم يبقَ من أصل 1000 مصنع في أوائل التسعينات إلّا 80 مصنعاً حالياً، ويقول عضو نقابة عمال الغزل والنسيج هاني ابو جودة، إن البدء بخفض الرسوم الجمركية عن هذه الصناعات المستوردة من ضمن التحضيرات للدخول إلى منظمة التجارة العالمية، إضافة إلى اتفاقية تيسير التجارة العربية أدت إلى توقف معامل الخيوط، فبين عامي 1999 و2000، لم يبقَ من 19 معملاً ناشطاً سوى مصنع واحد هو «مغازل جبل لبنان»، الذي يعمل بـ 15 في المئة فقط من إمكاناته الإنتاجية. أما معامل الأقمشة، فقد كان عددها 150 مصنعاً، لم يبقَ منها سوى 20 مصنعاً! مصانع الحياكة والتريكو، أُصيبت بضربة قاضية، فقد كان عددها 400 معمل، هاجر منها نحو 15 معملاً إلى مصر، و5 معامل إلى كندا وأميركا، و5 إلى أوستراليا، ونيوزلندا، و15 إلى أفريقيا، فيما تعرّض المئات للإقفال والإفلاس ولم يبقَ في لبنان سوى 15 مصنعاً. وشهدت صناعة المناشف تدهوراً كبيراً إذ أقفل نحو 7 مصانع، ولم يبقَ سوى مصنع واحد كبير. ويؤكد النقيب سلمان خطار لـ «الأخبار» أن النقابة رفعت ملفاتها ومطالبها إلى جميع الحكومات المتعاقبة، طلبت الحماية وخفض الأكلاف، وخفض فوائد القروض على صناعيي هذا القطاع... ولم تفلح!
أما مصانع الأحذية اللبنانية، فتعاني سكرات الموت، إذ لم ينجُ من سياسات القهر الصناعي سوى نحو 60 معمل أحذية من أصل 450 معملاً كانت تمدّ السوق المحلية بإنتاجها، ويصدّر جزء منه إلى بلدان العالم. ويقول مستشار نقابة أصحاب مصانع الأحذية
مرتضى شاهين، إن تراجع القطاع الصناعي للأحذية وتناقص عدد المصانع والمعامل يعودان إلى عوامل عدة، أهمها التنافس غير المتكافئ من السلع المستوردة، ارتفاع أكلاف الإنتاج، إضافة إلى عدم وضع خطة إنقاذية من جانب الحكومات لاستنهاض قطاع الصناعة. فقد كانت الضاحية الجنوبية وحدها تحوي نحو 200 مصنع أحذية، لم يبقَ منها سوى 32 مصنعاً!
وبين الجوارب والحذاء علاقة متينة، حتى في الخسائر! فمن أصل 45 مصنعاً للجوارب النسائية والرجالية، لم يستمرّ سوى 4 معامل للجوارب النسائية، ونحو 12 معملاً للجوارب الرجالية، والعوامل الأساسية التي أدت إلى هذا التراجع هي المفاجأة التي أعلنتها الحكومة عام 2000 بشأن خفض الرسوم الجمركية بطريقة ضخمة ومستغربة، وذلك بحسب رئيس «نقابة أصحاب معامل الجوارب في لبنان» نقولا أبي نصر، الذي يشير إلى أنه بعد تعثر المصانع نتيجة الخطوة الحكومية المفاجئة، هاجرت بعض المصانع إلى مصر وسوريا، أما ما بقي في لبنان فعمله موسمي... ومتقلّب.
ويتحسّر رئيس نقابة مصنعي الدهانات وجيه البزري، على «أيام العز»، حيث كان يعمل في لبنان نحو 200 مصنع للدهانات عام 1997، لينخفض العدد بعد عام 2000 إلى 50 مصنعاً فقط لا غير، فيما هاجر نحو 75 مصنعاً إلى السعودية ومصر وسوريا، وما بقي منها أُقفلت أبوابه، وانتقل أصحانها إلى أعمال أخرى! والمصانع الخمسون الموجودة حالياً تعمل فقط بربع طاقاتها، الأسباب متعددة، منها كلفة الإنتاج المرتفعة نسبة إلى الدول المحيطة، من ناحية اليد العاملة، وكلفة الطاقة التي تصل في لبنان إلى 13 سنتاً للكيلوواط، وتنخفض في سوريا إلى 3 سنتات، وإلى 2،5 سنتاً في مصر...
وعلى الرغم من تربّعها على عرش أكثر الصناعات نمواً في لبنان، فإن الصناعات الغذائية تأثرت هي الأخرى بالعديد من المشكلات في لبنان، إذ يقول رئيس نقابة المواد الغذائية جورج نصراوي، إن مصانع المواد الغذائية، تعاني كغيرها من القطاعات كلفة الإنتاج المرتفعة، ما أدى إلى إفلاس عدد كبير من المصانع، فيما حرب تموز أدت إلى تضرر عدد من المصانع، التي لم يجرِ التعويض عليها حتى الآن، فأُقفلت أكبر المصانع، وتحولت مصانع أخرى من الإنتاج إلى التسويق، كمصنع ليبان ليه، أما الهجرة في قطاع الغذاء، فقليلة.



88.6 في المئة

هي نسبة المؤسسات الصناعية التي تنتمي إلى 8 قطاعات هي: المأكولات والمشروبات. المنتجات المعدنية. المنتجات غير المعدنية. المفروشات. الألبسة والفرو. المنتجات الخشبية ــ باستثناء المفروشات. الصناعات الجلدية ودبغ الجلود. صناعة النسيج



العكس صحيح

يقول وزير الصناعة غازي زعيتر لـ«الأخبار» إن ارتفاع كلفة الإنتاج في لبنان، إضافة إلى وجود بلدان تدعم أكلاف إنتاجها، هما المشكلتان الأساسيّتان اللتان يعانيهما القطاع، أما المطلوب، فهو تسريع تحفيز القطاع، وتطبيق قانون حماية الإنتاج الوطني. فيما يضيف رئيس جمعية الصناعيين، فادي عبود، إلى هذه المشاكل، ارتفاع الحد الأدنى للأجور في لبنان... أمّا يشوعي، فيختصر المشكلة: كلفة اقتراض عالية. نقص في السيولة. غياب الحماية الجمركية... ويقول «يجب اعتماد عكس هذه الإجراءات، لإعادة النمو إلى القطاع»


عدد الخميس ٣٠ تشرين أول ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق