13‏/2‏/2009

مقابلات: محمد جواد خليفة



■ تضخيم الفاتورة الصحية لتبرير تهرّب الدولة
■ 2800 دواء مسجل يُستخدم منها 500 فقط

يقول وزير الصحة محمد جواد خليفة إن منظمة التجارة العالمية تشترط على أعضائها أن يحفظوا حقوق الملكية الفكرية على أي اختراع لمدّة 20 سنة، وبذلك ستصبح جميع أدوية «الجنريك» في العالم بلا قيمة، ويشير إلى أنه شن حملة على وزارة الاقتصاد والتجارة لأنها دعت إلى شراء الدواء الأصلي، ويلفت أيضاً إلى أن المختبر المركزي كان تنفيعة للوزراء السابقين، وأنه أُقفل لأسباب تقنية، ولأنه مجاور لمنزل رئيس مجلس النواب نبيه بري!

رشا أبو زكي
يؤكد وزير الصحة العامة محمد جواد خليفة أن أسعار الدواء المسجلة في لبنان شبيهة بالأردن والسعودية، بعد اتخاذ العديد من الإجراءات التي حدّت من ارتفاع أسعار الأدوية وخفّضت أكلافه، ويلفت إلى أن لتضخيم الفاتورة الدوائية أسباباً تتعلق بتهرب الدولة من واجباتها في الرعاية الاجتماعية، ويشير إلى أن هناك 2800 دواء مسجل يستخدم منها نحو 500 دواء في السوق، لافتاً إلى أزمة يعاني منها لبنان كما دول العالم، تتعلق بالتسويق المفرط للأدوية، ويرى أن المواطن يفضّل شراء الدواء الغالي، لأن الضمان الاجتماعي يغطي 85 في المئة من كلفته، ويشير خليفة في مقابلة مع «الأخبار» إلى مشاريع عديدة تقوم بها الوزارة، تتعلق بتنظيم القطاع الصحي، ومنها إصدار 150 ألف بطاقة للمواطنين الذين يستخدمون أدوية الجنريك...
وهذا نص المقابلة:
ارتفاع كلفة الدواء
■ تعدّ كلفة الدواء في لبنان مرتفعة جداً، فما هو السبب برأيك؟
- في البدء يجب أن نعرف ما الذي يدخل في احتساب كلفة الدواء في لبنان، إذ يدخل في فاتورة لبنان الدوائية حليب الأطفال والبنادول ودواء السعلة والفيتامينات، كما أدوية المستشفيات من الإبر والمصل... وهذه المواد لا تعدّ أدوية في الدول الأخرى، ولا تحتسب ضمن كلفة الدواء، وهذه المواد تمثّل نحو 20 في المئة من كلفة الدواء في لبنان، وعندما استلمت وزارة الصحة كانت كلفة الدواء الإجمالية نحو 520 إلى 530 مليون دولار، وكانت هذه الكلفة محتسبة وفق تسعيرة الدواء المعتمدة حينها، بسبب تركيبة فاتورة الدواء، المكونة من 7،5 في المئة كلفة نقل، 5 في المئة للجمارك، مع العلم أن لا دولة تأخذ جمركاً على الدواء، و30 في المئة ربحاً للصيادلة، ونحو 8 أو 10 في المئة للمستورد... وكانت هذه التسعيرة مركبة وتصاعدية، فإذا كان سعر الدواء 100 دولار، يصل إلى السوق اللبنانية بـ190 دولاراً، ومن ثم أصبح 160 دولاراً بعد أن أعلنّا مشروع الدواء الجديد الذي خفض الأسعار بنسبة 20 في المئة، حيث قسّمنا أسعار الدواء إلى 4 أقسام، فأبقينا جميع الأكلاف كما هي، باستثناء ربح المستورد الذي انخفض 2 في المئة على الدواء الرخيص الذي يصل سعره إلى حدود عشرة دولارات، وخفّضنا كلفة النقل، وربح المستوردين والصيادلة مع ارتفاع سعر الدواء، وأصبحت أكلاف الدواء بسعر 100 دولار موزعة على الشكل التالي: النقل 2 في المئة، وربح المستورد 4 في المئة، وربح الصيدلي أصبح 20 في المئة.

■ ولكن حتى مع هذه الإجراءات بقيت أسعار الدواء مرتفعة نسبة إلى الدول المجاورة؟
- كلا، فقد قاربنا أسعار الدواء المسجل في لبنان مع الدول ذات الاقتصاد المماثل، مثل الأردن والسعودية، نسبة إلى دول الخليج، وأصبح سعر الدواء المسجل في لبنان يوازي السعر المسجل في هاتين الدولتين، ما أدى إلى خفض الأسعار أكثر، وقد تبين أن هناك أدوية مسجلة بأسعار غالية جداً، نسبة إلى السعودية والأردن، بحيث كان بعض المستوردين قبل وصولي إلى الوزارة يرفعون السعر بتواطؤ مع أحد موظفي الوزارة، أو يأتون بفواتير أعلى من السعر الحقيقي، وعندما أردت ملاحقتهم قانونياً، تبين أن معظم الدول كانت تسجل أدويتها في لبنان قبل الأردن والسعودية، فكان مبرر المخالفين أن الفارق الزمني في التسجيل بين لبنان والدول العربية الأخرى يؤثر على سعر الدواء، عندها أصدرت قراراً بأن يعيد المستوردون تسعير الأدوية كل ثلاث سنوات... مما خفّض الأسعار بين 10 إلى 15 في المئة. ولكن المشكلة الأساسية التي عادت وداهمتنا هي ارتفاع أسعار اليورو... أما السبب الأساسي لتضخيم الفاتورة الدوائية والاستشفائية في دراسة قامت بها الدولة مع البنك الدولي، والقول إن 70 في المئة من هذه الفاتورة يدفعها المواطن من جيبه، فهو محاولة من قبل الدولة للتهرب من مسؤوليتها في الرعاية الاجتماعية للمواطنين.
وهنا لا يهم سعر الدواء، بل ترشيد استخدامه، إذ لدينا مشكلة التسويق غير المبرر، حيث تقوم الشركات بحملات إعلانية كبيرة، وتورد التقارير الخاصة بدوائها في المجلات التي يتابعها الأطباء دورياً، ما أنتج مشكلة التسويق المفرط.
عدد الأدوية 2800
■ ولكن هناك أيضاً عدداً كبيراً من الأدوية المسجلة في الوزارة تصل إلى نحو 3 آلاف؟
- كلا هذه ليست مشكلة، وأعتقد أن زيادة عدد الأدوية نعمة في لبنان، بحيث تمنع الاحتكار، فالتاجر عندما يشتري دواءً غالياً يطالب بشطب الدواء الرخيص. ولكن الأدوية المسجلة لا تعكس عدد الأدوية الواقعية في لبنان، إذ إن المستورد يسجل مثلاً 4 أدوية، وهي في الواقع دواء واحد بعياراته المختلفة، وليس هناك 3 آلاف دواء، بل نحو 2800 دواء مسجل، وهي إذا ما وُزّعت على الاختصاص، يصبح لكل اختصاص نحو 50 دواءً، وهي بالفعل 5 أسماء بعيارات مختلفة، إذ هناك دواء واحد له 10 أسماء، وهذه نعمة تساعد على المضاربة بين الشركات، ونحن لا نشطب الأدوية وفق طلب الوكلاء، لأن ذلك يضع المواطن أمام خيار شراء الدواء الغالي فقط، إذ إن الشطب يمنع أي وكيل آخر من شراء الأدوية الرخيصة السعر. وبذلك ليس هناك 3 آلاف دواء في لبنان بل 3 آلاف رقم دواء، في حين أن ما يستخدم في السوق لا يتعدى 400 أو 500 دواء. ومن ينتقد ارتفاع عدد الأدوية لا يعلم عمّاذا يتكلم، إذ هناك جو من «التخبيص» السائد.

■ إن كانت الوزارة تحبذ الأدوية الرخيصة، فلماذا نلحظ ظلماً لاحقاً بأدوية الجنريك؟
- على الأطباء في لبنان أن يصفوا أدوية الجنريك، ولكن ثقافتنا لا تتضمن استخدام هذه الأدوية، وهذه مشكلة عالمية تتعلق بأزمة التسويق المفرط التي تطال جميع دول العالم، كما أن المواطن يفضّل شراء الدواء الغالي، لأن الضمان الاجتماعي يغطي 85 في المئة من كلفته، ففي الخارج طلبت الدول من شركات التأمين تغطية 50 في المئة من كلفة الدواء الغالي أو الأصيل، في حين تغطي 90 في المئة من كلفة الدواء الجنريك، وبذلك أصبح المواطن ملزماً بشراء الجنريك.
150 ألف بطاقة للجنريك

■ هل هناك مشروع تحضّرونه في لبنان يتعلق بتسويق الجنريك؟
- طبعاً، فقد حوّلنا مشروعاً إلى مجلس النواب، بحيث يعطي الصيدلي الخيار للمريض في شراء دواء الجنريك، ولم تعجب هذه الفكرة الشركات، ولكن المشكلة كانت أن الصيدلي طالب بتوحيد أسعار الأدوية، ولكن هذا لا يمكن ضبطه، لأن الشركات تقدم أسعاراً منخفضة للصيدليات التي تطلب كميات كبيرة من الأدوية. ومن ناحية أخرى، يستطيع الطبيب وصف دواء غالٍ، حيث يضع تحت اسم الدواء خطين، وبالتالي لا يحق للصيدلي أن يصف للمريض دواءً مشابهاَ. ولكن في لبنان 150 ألف مريض يستعملون أدوية جنريك، وقد عملت منذ شهر تقريباً مع الجامعة الأميركية على إعداد لائحة بأدوية الجنريك المستخدمة في الأسواق الأوروبية، وتواصلنا مع بعض الجمعيات الأهلية، وأطلعناهم على أننا سنأتي بأدوية الجنريك التي تتعلق بأمراض السكري والضغط والدهن وبعض الأدوية لأمراض النساء الحوامل، وسنصدر 150 ألف بطاقة شهرية من وزارة الصحة لكل مريض يستعمل هذه الأدوية.

■ ألن يلقى هذا المشروع معارضة المستوردين؟
- إن تجار الدواء الأساسيين هم وكلاء الجنريك، وهؤلاء الوكلاء يفضّلون تسويق الأدوية الغالية على حساب الجنريك. ويعمل المستوردون على استيراد أدوية الجنريك بكميات منخفضة لكي لا تسحب منهم الوكالة، وهم يعلمون أنني أوجعهم في هذا الإجراء، ولكن حالياً بدأت بعض الشركات تسويق الجنريك، لأنه أصبح مطلوباً من المواطنين.

■ هل استخدام الجنريك سيخفض من فاتورة الدواء في لبنان؟
- كلا، فلبنان من الدول التي تحاول الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية التي تشترط على أعضائها أن يحددوا الملكية الفكرية على أي اختراع بـ20 سنة، وبذلك تصبح جميع أدوية الجنريك في العالم بلا قيمة، وبعد الحملة التي قمت بها لتسويق الجنريك، تعرّضت في لبنان لضغوط من السفارات، إضافة إلى وزارة الاقتصاد التي أطلقت حملة «اشتروا الدواء الأصلي»، وقمت بحملة مضادة على هذا الموضوع، وهناك مفاوضات تجري حالياً لمنع لبنان من الاندفاع للدخول إلى منظمة التجارة العالمية عبر الموافقة على كل شروطها، إذ إن منظمة الصحة العالمية نصحت الدول بأن تتروى في الدخول إلى منظمة التجارة، لكن المشكلة التي تطرح نفسها، أن هناك حالة تطويق لدواء الجنريك، ليس فقط في لبنان بل في جميع دول العالم، من الشركات المصنعة.

■ ولكن ماذا عن الرقابة على هذه الأدوية، ماذا عن مصير المختبر المركزي؟
- لقد قمت بدراسة عن المختبر المركزي في عهد الرئيس عمر كرامي، وطلبت أن يقدموا لي تقريراً عن الفحوصات التي يقوم بها المختبر وعن رواتب الموظفين فيه، وتبين أن كلفة هذه الفحوصات هي ضعف كلفتها إذا أردنا إرسالها عبر الـ DHL إلى المختبرات الأميركية، ودعوت إلى تغيير دور المختبر المركزي، لأنه يقوم بثلاثة فحوصات فقط، في حين أن هناك مختبرات مهمة في معظم المستشفيات اللبنانية، كما أن المختبر المركزي لا يستطيع إصدار رخص صحية للصناعات الغذائية عن الشوكولا والطحينة، فما كان يحدث هو أن تتم رشوة أحد الموظفين ليصدر رخصاً صحية لتصدير هذه السلع من دون تحليل. الآن هناك مختبر مهم جداً في مستشفى بيروت الحكومي، فهل أسيّر مختبراً مركزياً يديره أشخاص منذ 20 أو 30 سنة، أم أتعاقد مع أهم الأساتذة الجامعيين لتنمية مختبر مستشفى بيروت الحكومي؟ وقد طلبت من وزارة الصناعة أن تنشئ مختبراً للتصنيع بالتعاون مع وزارة الزراعة، وقد عملت مع الإيطاليين والأوروبيين، وطلبت إقامة مختبر للدولة في الكرنتينا للدواء، على أن يُعترف بتحاليله في أوروبا، وقد أنهينا خرائطه، وحصلنا على المعدات الخاصة به كهبة، تمهيداً لافتتاحه...

■ إن كان هذا هو الواقع، فلماذا لم يغلق المختبر سابقاً؟
ـــ لأنه تنفيعة، إذ كل وزير يأتي، يوظّف عدداً من المحسوبين عليه في المختبر، والدليل أنه ليس هناك أكثر من 4 موظفين في المختبر المركزي متخصصين، وما تبقى ملحقات.

■ ألم يُغلق لأنه قرب منزل رئيس مجلس النواب نبيه بري؟
- صحيح، فعندما بدأت الإجراءات الأمنية، أُغلقت مداخل المختبر، وصار لدينا خياران، فإما أن يُنقل منزل بري، أو يُغلق المختبر، بسبب إدخال مواد كيميائية وبيولوجية إلى المختبر وتعرضها للتفتيش الدائم.
يوم الصحة العالمي
■ هل ستصدر منظمة الصحة العالمية اليوم معطيات تتعلق بالصحة في لبنان؟
- كلا، المنظمة لا تصدر معطيات تفصيلية عن الدول، ولدينا جمعية في لبنان يرأسها النائب إسماعيل سكرية، بعثت سابقاً برسالة إلى المنظمة تقول فيها إن 35 في المئة من الأدوية في لبنان «مغشوشة»، في حين أن هذه الأرقام غير صحيحة، وقد أرسلنا كتاباً إلى المنظمة طلبنا فيه الدراسة التي قامت بها في هذا الإطار، فأجابت أنها لم تقم بأي دراسة حول الأدوية المغشوشة في لبنان، بل أوردت على موقعها الإلكتروني أنها حصلت على رسائل من بعض الجمعيات بشأن هذا الموضوع.

(تصوير: مروان طحطح)(تصوير: مروان طحطح)■ ماذا عن المحور الصحي الذي ستطلقه المنظمة هذا العام؟
- سيكون المحور الصحي الذي ستطلقه منظمة الصحة العالمية اليوم، عن مخاطر الانحباس الحراري ومفاعيله على الصحة، وقد بدأت تظهر معالمها بشكل مباشر أو غير مباشر على الشعوب، إذ إن استخدام الطاقة بطريقة غير منظمة يؤدي إلى انبعاث شديد لثاني أوكسيد الكربون الذي لا تستوعبه الكرة الأرضية، إضافة إلى أن موجات الحرارة الكبيرة أدت إلى 30 ألف وفاة مباشرة في العالم.


عدد الاثنين ٧ نيسان ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق