13‏/2‏/2009

مقابلات: كمال حمدان



■ الحكومة الجديدة غير معفاة من وضع رؤية إصلاحية 
■ هناك صعوبات كبيرة تواجه تطبيق باريس 3

يبدو رئيس القسم الاقتصادي في مؤسسة البحوث والاستشارات، كمال حمدان، متشائماً في نظرته إلى الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، ولا يفصل بين المعارضة والموالاة لجهة عدم تقديمهما أي جديد تغييري، وعلى الرغم من ذلك يتمسك بخيط أمل رفيع من الممكن أن يحوّل تشاؤمه إلى تشاؤل في حال «وضع الحكومة الجديدة يدها على نحو 130 مشروع قانون موجودة في مجلس النواب وتعمل على إقرارها بما يخلق مناخاً مؤاتياً لإطلاق الإصلاح»

رشا أبو زكي
«إن استمرار فرض المسكّنات عن طريق الراعي الخارجي والإقليمي ومؤتمرات الدول المانحة وحلول الطبقة الوسطى في الهجرة هو أحد الأسباب الأساسية لاستمرار الأزمة منذ عام 1975 وتجديدها إلى ما لا نهاية»... هذا ما يشير إليه رئيس القسم الاقتصادي في مؤسسة البحوث والاستشارات كمال حمدان في مقابلة مع جريدة «الأخبار»، ويقول أن الحكومة المقبلة غير معفاة من تقديم إصلاحات على شكل رزم مترابطة لتكوين أرضية صالحة للإصلاح.
وهذا نص المقابلة:

■ بداية، هل تكرس واقع خروج الشأنين الاقتصادي والاجتماعي، إثر اتفاق الدوحة، عن إطار التفاوض بين الموالاة والمعارضة؟
- في الواقع، وفي ظل المعركة المستفحلة منذ اغتيال رئيس مجلس الوزراء السابق رفيق الحريري، نادراً ما تركز الاشتباك السياسي على تباينات في الأجندة الاقتصادية بين الأكثرية والأقلية. ولكن هذه الأجندة بقيت على الدوام، وإن بصورة ضمنية، أداة من الأدوات التي يمكن استخدامها لتحسين شروط التفاوض السياسي. لذلك، لا أستبعد أن تكون قد حصلت مقايضات غير مباشرة في اتفاق الدوحة، أو في الجانب غير المعلن منه، حول تنازل المعارضة عن مآخذ معينة على برنامج الحكومة الاقتصادي، في مقابل تنازلات قدمتها الموالاة في المجال السياسي. وربما أمكن القول إن معالم المسافة الحقيقية بين الموالاة والمعارضة في الشأن الاقتصادي ـــ الاجتماعي ليست محددة بصورة واضحة.

■ إذاً، نستطيع القول إنه لا موالاة ومعارضة في الشأنين الاقتصادي والاجتماعي؟
- نعم، يمكننا قول ذلك مبدئياً، لكون الأجندة الاقتصادية لدى الفريقين لم تصل إلى مستوى البرامج المحددة الأهداف والمهل والتكاليف، كما إن القوى الاجتماعية التي سوف تتحمل هذه التكاليف أو تستفيد منها ليست محددة هي الأخرى، ما يعني أن «البازار» مفتوح بين الفريقين والمقايضات ممكنة وغسل دماغ الناس، وإبقاءهم أسرى التطييف والتمذهب والانقسام العمودي هو الطاغي.

صعوبات تنفيذ باريس 3

■ ولكن، لدى الموالاة مشروع يتمثل بـ«إصلاحات» مؤتمر باريس 3؟
- بنود مؤتمر باريس 3 أقرّت في ذروة الانقسام السياسي في لبنان، وتزامن مع اعتصام المعارضة في وسط بيروت. وفي ظل انقسام سياسي كهذا، سقطت الإمكانية الموضوعية لوضع التزامات الحكومة في باريس 3 موضع التنفيذ. في المقابل، كما كان متوقعاً عشية باريس 3، وعلى الرغم من محاولة الحكومة تسطير وثيقة أشمل من برنامجي باريس 1 و2، لجهة تضمينها بعض الأهداف الماكرو ـــ اقتصادية والإصلاحات المؤسسية، وحيث بذل جهد أكبر في النص يتعلق بالجانب الاجتماعي وشبكات الأمان... فإن معظم المراقبين والباحثين المستقلّين ارتأوا، انطلاقاً من خبرتهم في نسق تعاطي الطبقة السياسية مع الشأن العام الاقتصادي، أن الهمّ السياسي من الوثيقة يتعلق أساساً بالمسائل المتصلة بإدارة الدين العام. وهنا يجب أن نذكر، كما أن الطبقة السياسية بكل أطرافها الطائفية تستجرّ الرعايات السياسية الخارجية، كذلك بالنسبة إلى الاقتصاد، فإن هذه الطبقة درجت على استجرار حلول للأزمات من الخارج، وليس عبر الإصلاحات الداخلية. فالانهيار النقدي الوشيك في عام 2001 استبق بمؤتمر باريس 1، واتجاه البلاد نحو سيناريو انهيار مالي ونقدي كارثي في عام 2002 استبق بمؤتمر باريس 2. ويكاد ينطبق هذا النسق على مؤتمر باريس 3 بعدما أدى عدوان تموز 2006 وانقسام الطبقة السياسية إلى تفاقم المؤشرات المالية والنقدية على نحو خطير. إن ميل الطبقة السياسية نحو استجرار حلول مسكّنة من الخارج هو تعبير عن عدم رغبتها، أو قدرتها، على ولوج هذا الطريق.

■ إلى أيّ مدى يمكن القول إذاً إن بنود باريس 3 لا تزال صالحة؟ وهل يمكن المتابعة بها بعد الإخفاقات المتعلقة بعدم تنفيذ «الإصلاحات» الأساسية من جهة، وعدم حصول لبنان على ما وُعد به من مساعدات من جهة أخرى؟

(تصوير: مروان طحطح ــ أرشيف)(تصوير: مروان طحطح ــ أرشيف)- إن القليل الذي نفذ من مقررات باريس 3 يقتصر إلى حد كبير على الشق المتعلق بإدارة الدين العام، فقد وقِّعت حتى الآن اتفاقات تغطي نحو 60 في المئة من التعهدات، ولكن الأموال التي وصلت فعلاً بحسب آخر تقرير لصندوق النقد الدولي لا تتجاوز الـ600 مليون دولار، ما يعني أنه حتى هذا الشق المتعلق بالحد من أزمة المديونية العامة لم يكن كافياً بعكس ما تصرح به الحكومة، هذا مع العلم بأن الإصلاحات المالية الأساسية متوقفة وكذلك الإصلاحات المتعلقة بالشأن الضريبي وبتصحيح أسعار بعض السلع والخدمات العامة. ثم إن التغييرات التي حصلت في البيئة الداخلية والدولية حالت وتحول دون تطبيق جزء كبير من الشق الذي تعتبره الأكثرية إصلاحياً في ما يتعلق بالوضع المالي والضريبي ولا سيما ما يتعلق بزيادة معدل الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على ربح الفوائد وتعديل أسعار بعض الخدمات والسلع العامة ولا سيما المحروقات. وهناك صعوبة كبيرة في أن تتمكن الطبقة السياسية من الإيفاء بالتزاماتها، وأن تقدم على تنفيذ الالتزامات الواردة في مؤتمر باريس 3، وهي حتى لو قامت بذلك فالتعديلات الأخيرة لم تعد تفي بالغرض بسبب المتغيرات الإقليمية والدولية المتعلقة بارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية وارتفاع معدلات التضخم في أوروبا وأميركا، وخصوصاً أننا نستورد جزءاً مهماً من هذا التضخم الذي يتضاعف مرات عدة في السوق الداخلية بفعل «العامل المضاعف» كنتيجة لضعف الرقابة وللبنية الاحتكارية للأسواق المحلية. وهذا ما يفسر كيف أن التضخم السائد راهناً في أوروبا وأميركا الذي يراوح ما بين 3،5 إلى 4 في المئة سرعان ما يترجم في السوق اللبنانية إلى تضخم تتراوح معدلاته ما بين 10 إلى 12 في المئة.

الشأن الاجتماعي خارج البوصلة

■ هل تراجعت في المقابل أسهم تنفيذ الإصلاحات الاجتماعية في باريس 3؟
- إن فلسفة الشق الاجتماعي في باريس 3 كانت قائمة على واقع أن الوضع الاجتماعي والمعيشي عشية المؤتمر متدهور، وهو مرشح للمزيد من الانحدار في حال تنفيذ التزامات الحكومة التي تترتب عليها كلفة اجتماعية كبيرة بسبب زيادة معدل القيمة المضافة وتصحيح أسعار بعض السلع العامة الأساسية، وزيادة الاقتطاع من الفوائد المصرفية. لذلك، فإن الشق الاجتماعي كان بمثابة محاولة استباقية لإدخال بعض المسكّنات للحدّ من الانعكاسات السلبية الإضافية للإصلاحات على الوضع الاجتماعي. ولكن ما ساهم في تعقيد إمكانية تطبيق هذا الشق هو التغيرات الإقليمية والدولية التي استجدّت أخيراً، ولا سيما ما يتعلق منها بارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم عموماً. وبرزت الطامّة الكبرى في أيار المنصرم عندما تسرّعت الحكومة في اقتراح نسق هجين في زيادة الحد الأدنى للأجور. وقد تجاهلت الحكومة أن الأثر الفعلي للزيادة المقطوعة (200 ألف ليرة) لا يشكل أكثر من 15 في المئة من الأجر الوسطي في لبنان، بينما التضخم المتراكم منذ آخر تصحيح للأجور عام 1996 قدّر بحسب مؤسسة البحوث والاستشارات بنحو 57 في المئة. وإذا كانت الزيادة تعتبر شديدة الارتفاع بالنسبة إلى الحد الأدنى (66 في المئة) إلا أن الحكومة تعرف تماماً أن نسبة العاملين بالحد الأدنى للأجور متدنية جداً، ما يجعل المفعول الفعلي للزيادة قليل الفاعلية بالنسبة إلى شرائح واسعة من الأجراء الذين تتراوح أجورهم ما بين مليون ومليوني ليرة.

بين الأجور والعقارات

■ كم من المفترض أن تكون الزيادة على الشطور لتكون مقاربة للواقع التضخمي الحاصل؟
- من المهم أن تتوافق الأطراف المعنية بتصحيح الأجور على قيمة الحد الأدنى للزيادة، ولكن الأهم في بلد مثل لبنان حيث تميل شرائح واسعة من الطبقة الوسطى نحو التساقط أن يصار إلى التوافق على الحد الأقصى للزيادة، وهذا ما تجاهلته الحكومة بالكامل، وكان في الإمكان إيصال النقابات العمالية والمهنية المختلفة المعنية بتصحيح الأجور إلى التوافق على حد أقصى للزيادة يراوح ما بين 300 أو 350 ألف ليرة، بحيث يمكن ردم الهوّة نسبياً بين تطور كلفة المعيشة وتطور قيمة الأجر ولا سيما الأجر الوسطي. ومن المؤسف أن نرى الخفة التي تعاطت بها الحكومة مع هذا الموضوع، مقارنة بالسكوت المطبق من جانبها عن ارتفاع أسعار الشقق في بيروت بنسبة تزيد على 50 في المئة، وأحياناً 75 في المئة، خلال السنتين الماضيتين، من دون أن يكون للمجتمع أو الدولة أي نصيب من هذا الارتفاع عبر استحداث ضريبة على التحسين العقاري مثلاً، ولا يخفى أن ارتفاع أسعار العقارات المعزّز بالمضاربات المنفلتة، من شأنه تقليص قدرة الآلاف من الشباب على استئجار بيت في بيروت.

■ هل تعتقد أن السياسات الاقتصادية للتركيبة السياسية بما فيها المعارضة أو الموالاة تعتمد على استراتيجيا تفقير المواطن لضمان البقاء؟
- هذا صحيح نسبياً، ولكن ينبغي الإقرار كذلك بأن الشعب لا يعمل على إسقاط هذه السياسات. فتشرذمه الطائفي والمذهبي هو عامل تكريس لها، ومن جهة أخرى يحاول هذا الشعب توليد حلول على طريقته الخاصة أحياناً عبر الاستظلال بالانتفاع بصيغ شتى من الطبقة الحاكمة، وأحياناً أخرى عبر الهجرة إلى الخارج. وكما في السياسة يعمد زعماء الطوائف إلى استجرار الرعايات الأجنبية، وتعمد الطبقة السياسية والمتموّلون عشية كل تفجّر اقتصادي إلى استنفار المؤتمرات الدولية، كذلك نجد الطبقة الوسطى تبحث عن حلول خارجية لأزماتها فتعمد إلى الهجرة بحثاً عن بدائل تقيها من الواقع الاقتصادي والاجتماعي المريع. إن هذه الحلقات تكاد تكون مترابطة مع بعضها، وهذا ما يجعلنا نخرج باستنتاج أن استمرار فرض هذه المسكنات عن طريق الراعي الخارجي والإقليمي ومؤتمرات الدول المانحة وحلول الطبقة الوسطى في الهجرة هو أحد الأسباب الأساسية لاستمرار الأزمة منذ عام 1975 وتجديدها إلى ما لا نهاية.

■ نتكلم عن أزمات وتجديد أزمات، ألا توجد حلول سريعة لهذه الأزمات من الممكن أن تباشر الحكومة المقبلة بتنفيذها؟
- يوجد العديد من الحلول التي من الممكن الشروع بتنفيذها، ولكن الانتخابات النيابية المقبلة على الأبواب، والوقت المتاح لا يسمح بإنجازات كبيرة وذات أبعاد هيكلية. ومع ذلك، فإن الحكومة ليست معفاة من وضع رؤية إصلاحية لفترة ما بعد الانتخابات النيابية، تتصدرها معالجة التشوهات الماكرو ـــ اقتصادية، وبلورة سياسات قطاعية مشجعة لخلق فرص عمل حقيقية، وإعادة صياغة الإصلاحات المتعلقة بالنظام الضريبي. وأعتقد أنه من الممكن أن تضع هذه الحكومة يدها على الأقل على نحو 130 مشروع قانون موجودة في مجلس النواب وأن تعمل على ترتيب هذه المشاريع وفق أولويات محددة، فتنتقي رزماً مترابطة وتعمل على إقرارها بما يخلق مناخاً مؤاتياً لإطلاق وتنفيذ إصلاح حقيقي، ومن ضمن هذه المشاريع يبرز موضوع ضمان الشيخوخة، واستبدال نظم التأمينات العامة وشبه العامة الصحية بنظام للتغطية الموحدة والشاملة في الخدمات الصحية وخاصة الاستشفاء، كما توجد مشاريع متعلقة بقضايا مجالية وعقارية صدرت بشأنها توصيات في إطار دراسة المخطط التوجيهي لترتيب استخدام الأراضي اللبنانية و«ماتت» في مجلسي الوزراء والنواب، وهذا موضوع أساسي وله علاقة باللامركزية الإدارية وغيرها. إن بلورة هذه المشاريع ودفعها كرزمة للنقاش والإقرار، يجب أن يحظى باهتمام أساسي من جانب الحكومة الجديدة. وتنبغي الإشارة إلى أن معظم مشاريع القوانين هذه لا تنطوي على تكاليف مالية مباشرة، بل الهدف منها تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز الحوافز القطاعية والمناطقية والعمل على إعادة هيكلة البناء الاقتصادي والاجتماعي.


عدد الاثنين ٢ حزيران ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق