5‏/2‏/2009

تظاهرات واعتصامات في لبنان: فلتسقط غارات الصمت العربي


رشا أبو زكي 
لم تكن بيروت كعادتها أمس، فقد صحا أبناؤها على دويّ أخبار «مجزرة غزة». المشاهد التي نقلتها محطات التلفزة جسّدت الوحشية الصهيونية، وآلام شعب لا يزال يعاني من الاحتلال والعنف والمجازر من دون أن يستسلم... وقد لفّت الاعتصامات مبنى الاسكوا والسفارة المصرية، «الأولى بسبب انحيازها للجانب الصهيوني»، والثانية بسبب «مساهمتها في تضييق الحصار على قطاع غزة، والتواطؤ مع الجانب الصهيوني للقضاء على المقاومة الفلسطينية»... المشاهد كانت نفسها في الاعتصامين، ولو اختلفت الشعارات قليلاً، والانفعال والنقمة كانا في أوجهما، والغضب الأكبر كان على «أنظمة عربية عميلة لا تساند المقاومة الفلسطينية في وجه المحتل الصهيوني».

■ اعتصام الإسكوا

«فلتسقط غارات الصمت العربي!» هكذا اختصر المعتصمون أمام مبنى الاسكوا واقع الأنظمة العربية الخانعة والصامتة في ظل مجزرة أودت بحياة أكثر من 200 غزاوي صباح أمس. والاعتصام الذي دعا إليه اتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني إضافة الى قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي اللبناني، لمّ شمل القطاعات الشبابية في جهات يسارية متعددة، من التجمع اليساري من أجل التغيير وجبهة التحرير والحزب الديموقراطي الشعبي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديموقراطية وحركة الشعب... إضافة الى عدد من الذين لم يستطيعوا الجلوس في منازلهم ومشاهد المجزرة تجتاح عيونهم...
وبعد توافد ممثلي المنظمات الشبابية في الأحزاب، أوضح رئيس المجلس الوطني في اتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني، عربي العنداري، أن الدعوة الى الحضور أمام الإسكوا هي لتحديد نوع التحركات التي سيجري تنفيذها خلال الأيام المقبلة.
وعقد اجتماع بين المنظمات المشاركة وتم الاتفاق على الدعوة إلى اعتصام اليوم عند الساعة الثانية بعد الظهر أمام السفارة المصرية، إضافة الى إقامة اعتصام مفتوح في مقابل مبنى الاسكوا في وسط بيروت تحت عنوان «دعماً للمقاومة في غزة معاً ضد أنظمة القمع والصمت العربية».
وبدأ الاعتصام العفوي من الساعة العاشرة من صباح أمس، يتخذ الصفة الرسمية، وشعارات التنديد بالعمالة العربية لم تتوقف حتى الساعة السادسة من بعد الظهر. «لست قادرة على تخيّل فكرة أنني أقف أمام مبنى، وفي المقلب الآخر من لبنان شعب يتعرّض للإبادة» تقول سارة دغمان، وتتابع «سننام هنا، لن نبيت في منازلنا»... الانفعال أصبح سيد الموقف، وكلما خفتت الشعارات عادت صورة المجزرة لتُعلي الصوت أكثر... القوى الأمنية بدأت تتكاثر شيئاً فشيئاً... أصبحت تحاصر المعتصمين.
الأمين العام للحزب الشيوعي خالد حدادة وصل الى الاعتصام. ألقى كلمة تندّد «بالعمالة والانصياع العربي»، ودعا الى اتخاذ مواقف حازمة ضد الاعتداءات الصهيونية على قطاع غزة... أُحرق العلم الصهيوني...
ثم ألقى باسم شيت كلمة باسم المنظمات المشاركة في الاعتصام قال فيها «منذ الصباح، تقوم الطائرات الحربية الإسرائيلية بضرب وقصف قطاع غزّة. الاستراتيجية ذاتها كما في حرب تمّوز 2006، حصار ودعم رسمي عربي للحصار، ومن ثَمّ التصفية، في ظلّ صمت الأنظمة العربية على اختلافها. العدوان اليومي على غزة وكل فلسطين ليس عدواناً إسرائيلياً فقط، إنها حرب شنّتها الدولة الصهيونية متحالفة مع أنظمة القمع العربية. أعلنت ليفني (وزيرة الخارجية الاسرائيلية) الأربعاء الماضي أن «إسرائيل سوف تغيّر واقع قطاع غزة»، ثمّ، يوم الخميس و«من القاهرة»، أعلنت أن «الوضع سوف يتغيّر». وها نحن، بعد أقل من 48 ساعة من زيارة ليفني للقاهرة، نرى الغارات الإسرائيلية تفتك بالقطاع. والموقف الرسمي المصري لا يزال كما هو، يطالب «الطرفين بضبط النفس» ويجاهر ويقول «نحن قلنا لحماس بإيقاف الصواريخ وقلنا لإسرائيل بوقف ردود الفعل»... والحصار؟ والاحتلال؟ والتهجير؟ والمجازر؟ واللاجئون؟ كل هذا ردة فعل؟».
ويتابع «لقد وصل النظام العربي إلى مرحلة من التواطؤ يصبح فيها من يصف النظام هذا بالتواطؤ، متواطئاً معه. لأن ما نشهده اليوم هو تحالف ودعم للعدوان. إن من ينظر إلى فلسطين اليوم وينادي بضبط النفس، هو كمن يريد فعلاً وضع ختم الصمت عن المجزرة التي تقوم بها هذه الأنظمة مجتمعة».
لم يكتف المعتصمون بالبيان، أصبحت الصرخات ترتفع من أكثر من جهة «إنهم يقتلون أبناء شعبنا»، «الطفل اليوناني ليس أغلى من أطفال غزة»، «علينا طرد سفراء الدول العميلة من لبنان»... حل الليل والبرد أصبح لا يطاق، عدد المعتصمين بدأ ينخفض، وبقي عدد من الشبان والشابات يبحثون عن طريقة يؤمنون بها الكهرباء لتشغيل التلفزيون حتى الصباح...
وعند الساعة السادسة، توافدت أعداد من أنصار الحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل للاعتصام أمام مبنى الاسكوا، رافعين شعارات تدعو الى الدفاع عن غزة ووقف المجازر التي ترتكب بحق أهلها.

■ أمام السفارة المصرية

في المقلب الآخر، اعتصام دعت إليه حركة الشعب أمام السفارة المصرية في الكولا. الوضع هنا لا يختلف كثيراً. الأجهزة الأمنية تلتف حول السفارة، وصرخات التنديد بإقفال معبر رفح من الجانب المصري لا تتوقف...
وقد منع عشرات من عناصر قوة مكافحة الشغب المتظاهرين والصحافيين والمصورين من الاقتراب وأقفلوا الطرقات المؤدية الى السفارة، فيما كان المعتصمون يردّدون عبارات تدعو الشعب المصري للانتفاض على نظامه، ومساعدة أبناء غزة، إضافة الى شعارات ندّدت بالتطبيع المصري ـــ الاسرائيلي.

■ صيدا والنبطية والمخيّمات الفلسطينيّة

وفي صيدا نزل المئات من الشبان في مسيرات سيّارة حاملين أعلاماً فلسطينية وأعلام الجماعة الاسلاميّة ورافعين شعارات التنديد بالاعتداءات الاسرائيليّة. وانتقد عضو قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، علي شميساني، في اعتصام نظمه «اتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني» في النبطية «الصمت الدولي والعربي إزاء مأساة الشعب الفلسطيني في غزة جراء الحصار الغاشم»، معلناً «تضامن الحزب واتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني ومحافظة النبطية وبلداتها مع غزة».
كذلك عمّت التظاهرات مخيّمي البارد والبداوي استنكاراً للعدوان الإسرائيلي على غزة، إذ خرج آلاف الفلسطينيين في مسيرات غضب على وقع الأناشيد الثورية والهتافات المنددة بالصمت العربي وخصوصاً الموقف المصري الأخير، متوعدين بالانتقام من الأنظمة الرسمية العربية.
وقد أغلقت مداخل المخيّمين بالإطارات المحترقة فيما اتشحت النسوة بالسواد، مناشدات العالم العربي والإسلامي فك الحصار ووقف العدوان وإعانة الجرحى.
وردّد المتظاهرون الشعارات وألقيت كلمات دعت المجتمع العربي والدولي والمؤتمر الإسلامي والأزهر الشريف وكل الهيئات الاسلامية والمراجع الدينية والاسلامية والمسيحية في العالم للتحرك الفوري من أجل وقف العدوان والمحاسبة الفورية، ودعت «الفلسطينيين في الداخل والخارج الى الوحدة والتضامن والتنسيق في تفعيل عمل المقاومة لإحباط المخططات العربية في الدرجة الاولى والاميركية والدولية في الدرجة الثانية لإنهاء القضية الفلسطينية».
كذلك تظاهر مئات الفلسطينيين في مخيّم عين الحلوة ضد الغارات الاسرئيلية على قطاع غزة، وأحرق المتظاهرون الإطارات والنفايات وأغلقوا الطريق الرئيسي في المخيّم. وهتف المتظاهرون «حسني مبارك يا عميل يا خائن الأمانة» و«بالروح بالدم نفديك يا غزة» فيما رفعت المساجد المحلية الصلوات، كما هتفوا «يا عباس يا هنية وحدة وحدة وطنية» بالإشارة الى الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس وزراء حكومة حماس المقالة إسماعيل هنيّة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق