5‏/2‏/2009

نعم... نحن نتقاضى الحدّ الأدنى للأجور



رشا أبو زكي
يزرع رجالات الحكومة والسياسة المنابر بعبارة واحدة ردّدها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ووزير المال جهاد أزعور ووزير الاقتصاد والتجارة سامي حداد عشرات المرات «تصحيح الأجور إجراء إسميّ... إذ لا يوجد عامل في لبنان يتقاضى الحد الأدنى للأجور»! واقع العمالة يثبت العكس، والإثبات هنا ليس للمناكفة، بل لإظهار مأساة معيشية حقيقية يغرق فيها عدد كبير جداً من العمال... «الأخبار» ستعرض ثلاث حالات تنتظر بفارغ الصبر تصحيح الأجور، وهذه الحالات ليست استثنائية، إذ وجدت «الأخبار» عشرات الحالات في بيروت، وجميع هؤلاء تعرضوا لضغط من أصحاب العمل لمنعهم من الكلام... حتى إن صاحب مطبعة يعمل لديه عدد كبير من الذين يتقاضون الحد الأدنى، قال بحدّة: «إن أقل عامل يتقاضى 700 دولار شهرياً»... يا ليت كلامه حقيقة!



بدري مرشد
راتبي لا يسد حاجات عائلتي... والغلاء ينهشنا

بدري مرشد عمره 46 عاماً ويسكن في منطقة بعلشميه، هو موظف في شركة منذ ثلاث سنوات ويتقاضى الحد الأدنى للأجور وهو 300 ألف ليرة و125 ألف ليرة بدل نقل، بدري منتسب إلى الضمان الاجتماعي، وأجره الضئيل لا يكفي لتأمين أدنى الحاجات الأساسية لعائلته المكوّنة من ثلاثة أولاد، أصغرهم عمره 17 عاماً وأكبرهم 22 عاماً، وخصوصاً أن أولاده الثلاثة يتابعون دراستهم في الجامعة اللبنانية، والثانوية الرسمية في رأس المتن، ويشير بدري إلى أنه لا يستطيع تأمين مصاريف أولاده التي تتزايد مع انتقالهم إلى الجامعة، وأنه اضطر إلى الاستدانة من مصرفين مبلغاً قدره مليون و900 ألف ليرة لكي يدفع ثمن المازوت الذي استهلكه للتدفئة خلال فصل الشتاء من العام الجاري، وبذلك ازدادت مصاريفه الشهرية بشكل مضاعف، إذ إنه يدفع 300 ألف ليرة شهرياً أقساطاً للمصرفين، إضافة إلى 35 ألف ليرة كمتوسط فاتورة الكهرباء، و30 ألف ليرة للمياه... يضع بدري يده على رأسه ويقول إن إيجار المنزل، وبدل الانتقال من منزله إلى عمله في بيروت «عبر الأوتوبيس مع أنه يؤخرني على العمل»، أصبحا عبئاً عليه.
يضحك بدري بسخرية ويقول «إن ثمن الطعام لأسرة مكوّنة من خمسة أفراد يتزايد مع ارتفاع نسبة الغلاء الغريب الذي ينهشنا، ولكنها طبعاً دين من محل السمانة». يملّ بدري من الكلام والأرقام.
ويشير إلى أن «الشركة التي أعمل بها تشترط عليّ اقتناء هاتف خلوي، وكوني لا أستطيع دفع كلفة البطاقة المدفوعة سلفاً لذلك أقوم بتشريج أيام من دون وحدات، بكلفة 20 دولاراً شهرياً.
ويشير بدري إلى أنه يتمنى أن يحصل على أجر بقيمة مليون ليرة، لافتاً إلى أن زيادة 75 أو 100 ألف ليرة على الحد الأدنى لن يساعد العمال وإنما سيزيد بعض الأكلاف ومنها أكلاف التنقل».
ويشدد على أنه لن ينصح ابنه للعمل في لبنان إذا استمرت الأوضاع القائمة في السنوات المقبلة...



محمد عبهر
مضطر للاستدانة... وأحلم بالهجرة

محمد عبهر، شاب عمره 20 عاماً، كان يعمل مصفّفاً للشعر، إلا أنه لم يستطع تحمل كلفة افتتاح محل، فانتقل إلى عمل مختلف كلياً، إذ يعمل منذ عام وشهرين في توصيل الطلبيات إلى منازل من أحد المطاعم الأجنبية، وهو يتقاضى الحد الأدنى للأجور، إضافة إلى بدل نقل بقيمة 150 ألف ليرة، كما إنه منتسب إلى الضمان الاجتماعي، ويلفت إلى أنه ينفق شهرياً 200 ألف ليرة بين تعبئة هاتفه الخلوي الذي لا يمكن الاستغناء عنه في عمله، إضافة إلى مساعدة عائلته ببعض المصاريف. كما ينفق نحو 5 آلاف ليرة يومياً على الطعام، أي ما يوازي 150 ألف ليرة شهرياً، ويشير عبهر إلى أن أخاه ووالده يعملان، الأول يتقاضى 200 دولار شهرياً والثاني يعمل في محل للميكانيك وينتج بحسب الطلب، ويشير إلى مشكلة جديدة ستطرأ العام المقبل على العائلة، إذ إن أخاه سيدخل إلى الجامعة اللبنانية أو العربية لكي يتخصص ويجد عملاً يساعد العائلة، ما يعني زيادة في المصاريف التي تتزايد شهرياً بفعل الغلاء الكبير الذي يطال جميع السلع الأساسية.
ويقول عبهر إنه يستدين من عائلته في غالبية الأحيان، فراتبه لا يكفي سد حاجاته الأساسية، وخصوصاً إذا طرأ عطل على دراجته النارية التي يستخدمها في التنقل وفي العمل، إذ إن قطع الدراجة باهظة الثمن نسبة إلى راتبه، وأحياناً تقتطع نسبة كبير من أجره، إلا أنه لا يستطيع الاستغناء عنها، لأنها الضمانة الوحيدة له لكي يبقى في عمله.
ويلفت عبهر إلى أنه حصل أمس على راتبه الشهري، وأمس لم يبق معه «أي فلس». ويقول إن الراتب الذي يجعله قادراً على تأمين الحد الأدنى من حاجاته ومساعدة أهله هو مليون ليرة أو 900 ألف ليرة، مشيراً إلى أنه يحلم بالسفر إلى دولة أوروبية «فهذا البلد لا يمكّن الشباب من التطور أو أن يحلم بمستقبل أفضل»، ويقول عبهر إن الدول الأوروبية تجذبه، وخصوصاً لمتابعة العمل في مهنته المفضّلة وهي تصفيف الشعر. ويلفت عبهر الى أنه يحب أن يتحسن وضع البلد وأن ترتفع الأجور لأن العيش يزداد صعوبة.



عمر علي خان
أستمر بأموال إخوتي في ألمانيا... فهذا البلد مرهق

عائلة عمر علي خان البالغ من العمر 27 عاماً تعدّ صغيرة، فهي تضمّ، إضافة إليه، زوجته وطفلته البالغة من العمر ثمانية أشهر. يسكن عمر في الناعمة ويعمل في صيدلية في بيروت، ويتقاضى 300 ألف ليرة، إضافة إلى 150 ألف ليرة بدل نقل، وهو يفيد من كونه منتسباً إلى الضمان الاجتماعي، لافتاً إلى أن الأطفال يحتاجون إلى أدوية ومستلزمات طبية كثيرة وهو قادر على تأمينها بسهولة ويسترد ثمنها من الضمان. ويشير عمر إلى أن مصاريفه كثيرة جداً، إذ يدفع 150 دولاراً إيجار منزل، ونحو 30 ألف ليرة يومياً ثمن طعام وحاجيات أساسية لطفلته، و30 ألف ليرة شهرياً للمياه المعبّأة، و28 ألف ليرة فاتورة كهرباء، إضافة إلى 5 آلاف ليرة يومياً أجرة سرفيس من بيته إلى عمله، ويقول عمر إن زوجته لا تعمل، وراتبه ينتهي في مطلع كل شهر بسبب سداده الديون المتراكمة عليه، لذلك يعتمد على الأموال التي يحوّلها له إخوته من ألمانيا وهي تصل إلى 200 يورو شهرياً، ويشدد عمر على أنه حتى مع مساعدة إخوته يضطر إلى الاستدانة من أصدقائه ومن محل السمانة ومن الصيدلية، ويلفت إلى أنه أحياناً يضطر إلى مضاعفة قيمة الديون لمساعدة أهله.
ويقول عمر إن الراتب الذي من الممكن أن يؤمن حاجاته الأساسية لا يجب أن يقل عن 800 دولار شهرياً، ويلفت إلى أن حالاته ليست استثنائية إذ إن معظم أصدقائه يتقاضون رواتب ضئيلة، تصل أحياناً إلى 200 ألف ليرة شهرياً، ويشدد على أنه ينتظر أن يتم إقرار زيادة الحد الأدنى للأجور لكي يرتفع راتبه، ويأسف أن عدداً كبيراً من أصدقائه غير منتسبين إلى الضمان، وبالتالي لن يفيدوا من أي تصحيح قد يطرأ على الأجور. ويرى عمر أن الغلاء يؤثر كثيراً على ضعف القدرة الشرائية للمواطنين بالتزامن مع انخفاض الحدّ الأدنى، إذ إنه يدفع ضعف ما كان يدفعه العام الماضي ثمناً للمواد الغذائية الأساسية، ويلفت إلى أن الشاب اللبناني عليه أن يتحمل مسؤولية كبيرة وأعباء لا يتحملها أي شاب في العالم، فإذا كان يحمل شهادة فسيبقى عاطلاً عن العمل، وإن لم يكن كذلك فهو سيعاني من غياب الحماية الاجتماعية ويقول: «هذا البلد مرهق».


عدد الخميس ١ أيار ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق