5‏/2‏/2009

الاستثمارات السعودية لم تغادر لبنان!


تشييد الأبنية في وسط بيروت (بلال جاويش)تشييد الأبنية في وسط بيروت (بلال جاويش)رشا أبو زكي

•مجمل التوظيفات 4,2 مليارات دولار... فكيف تهرب كلها من دون ضجة؟
لاءات كثيرة نقضت الادعاءات التي تناقلتها وسائل الإعلام عن خروج 4,8 مليارات دولار من الاستثمارات السعودية من لبنان، إذ كيف يمكن أن تهرب كل الاستثمارات السعودية من دون أن يشعر أحد بذلك؟ جميع المراقبين رأوا أن الحديث عن «الهروب الكبير» شائعات تصب في خانة التهويل السياسي!

ضجت الوسائل الإعلامية بتصريح منسوب إلى رئيس الجانب السعودي في مجلس الأعمال السعودي اللبناني عبد المحسن الحكير، ونشرته صحيفة «الوطن» السعودية، يدّعي فيه انسحاب استثمارات سعودية تجاوزت قيمتها 18 مليار ريال من لبنان خلال العامين الماضيين، أي ما يوازي 4,8 مليارات دولار. هذا التصريح اللافت نقضته مرجعيات عديدة، وإحصاءات أكيدة تبيّن أن مجمل الاستثمارات السعودية في لبنان لم تتجاوز، في أكثر التقديرات مغالاة، عتبة المليارات الخمسة المزعومة، لا بل إن المجال العقاري الذي يستحوذ على حصة الأسد من الاستثمارات السعودية في لبنان لم يشهد أي بيوعات ملحوظة، وخصوصاً أن تسييل حجم بهذه الضخامة من العقارات كان من الظواهر اللافتة التي تؤدي إلى انهيار السوق العقارية في لبنان، والواقع يبين العكس تماماً، إذ تشهد السوق حالياً نمواً كبيراً يتوقع أن يتضاعف خلال السنوات المقبلة، علماً بأن النقض الأبرز لكلام الحكير جاء على لسان رئيس مجلس إدارة الغرف التجارية الصناعية السعودية عبد الرحمن الراشد الذي قال في مقابلة مع الزميلة «الحياة» الخميس الماضي، إن معظم استثمارات السعوديين في لبنان هي في مجال العقارات، وإن أسعار عقارات تضاعفت، ما يصب في مصلحة المستثمر السعودي. ونفى توقف مشاريع ممولة برؤوس أموال سعودية في لبنان، مؤكداً أن مشاريع رجال الأعمال السعوديين لا تزال مستمرة.

بين الحقيقة والتزييف!

ومع هذا التصريح المشبوه برأي الكثيرين، الذي يتزامن مع دعوة السعودية رعاياها إلى عدم القدوم إلى لبنان، ويقترن مع مشاكل سياسية محلية مرتبطة بتناقضات عربية وعالمية، يؤكد المدير العام لشركة رامكو للتسويق والاستشارات العقارية رجا مكارم لـ«الأخبار» أنه لا أحد يستطيع إحصاء حجم الاستثمارات السعودية في لبنان بشكل دقيق، ولا يمكن أن تخرج استثمارات بقيمة 4,8 مليارات دولار من لبنان بصمت ومن دون أن «تضج بها البلد»، مؤكداً أن ما يشاع عن خروج هذا الحجم من الاستثمارات السعودية محط شك أكيد.
وبمعزل عن الشكوك، تبيّن الدراسات القائمة عن حجم الاستثمارات السعودية في لبنان تفاوتاً كبيراً في التقديرات، لكنها لا تخرج عن حدّين، الأدنى هو مليار و699 مليون دولار، والأقصى هو 4,2 مليارات دولار، وهذان الحدان أقل بكثير ممّا أُعلن، أي 4,8 مليارات دولار! إذ يفيد تقرير المؤسسة العربية لضمان الاستثمار بأن قيمة الاستثمارات التراكمية للسعودية داخل لبنان خلال الفترة الواقعة ما بين عام 1985 و2006 لم تتعدَّ ملياراً و 699 مليون دولار، فيما بلغ إجمالي التدفقات التراكمية إلى لبنان من جميع الدول العربية ما مجموعه 6 مليارات و830 مليون دولار، منها 89.88 في المئة من الخليج، في حين أن حصة السعودية من التدفقات الآتية من الخليج بلغت 27.67 في المئة فقط، ومن مجمل التدفقات العربية 24.87 في المئة.
أما مجلس الغرف السعودي فقّدر حجم استثمارات السعوديين في لبنان بنحو 16 مليار ريال، أي حوالى 4,2 مليارات دولار، صنّفها بثلاث فئات: عقارية وتجارية وخدمات. والاستثمار السعودي في المجال العقاري هو الأكبر، حجمه 300 مليون دولار، منها 85 في المئة استثمارات في الأراضي، و15 في المئة مستثمرة في مبان سكنية.

استثمارات ضائعة؟

ويشدد مكارم على أن القطاع العقاري لم يلمس أبداً أي هروب استثماري عربي خلال السنتين الماضيتين، لا بل إن الطلب على العقارات في لبنان يزداد باطِّراد ويرفع الأسعار. ويلفت إلى أن ما أعلن عن خروج 4,8 مليارات دولار كاستثمارات سعودية من لبنان فيه خطأ أكيد، وأن من المرجّح أن يكون من أعلن هذا الرقم احتسب قيمة استثمارات كانت محتملة، أي ما كان يمكن أن يستفيد منه لبنان... مؤكداً أن لبنان لم يشهد بيوعات عقارية بهذا الحجم، كما أنه لم تُعرَض عقارات للبيع في السوق من حركة إعمارية في إحدى المناطق اللبنانيةحركة إعمارية في إحدى المناطق اللبنانيةمستثمرين سعوديين خلال السنوات القليلة الماضية. وتساءل: «من اشترى هذه العقارات؟ ولماذا لم نسمع بها؟». ويشدد مكارم على أنه لا يمكن تسييل عقارات بهذا الحجم بصمت، وأن التوظيفات المالية السعودية في لبنان لا تتعد مليار دولار، ولم يسمع عن بيع أو تنازل عن أسهم في الفترة الأخيرة.
ويشير رئيس مجلس الإدارة، المدير العام للمؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان «ايدال» نبيل عيتاني لـ«الأخبار» إلى أن لبنان خسر فرصاً استثمارية خلال السنتين الماضيتين بسبب عدم إفادته من الطفرة النفطية الخليجية، مؤكداً أن الأرقام التي أعلنت انسحاب استثمارات أو هروبها ليست سوى احتساب لفرص ضائعة، مشدداً على عدم وجود أي انسحابات استثمارية من لبنان، بل تطور في الاستثمارات، وخصوصاً في المجال العقاري الذي يشهد نمواً كبيراً خلال هذه الفترة.

تغيير الخريطة الاستثمارية

وإن كان القطاع العقاري الذي يمثِّل قاعدة الاستثمارات السعودية في لبنان لم يشهد أية انسحابات ضخمة خلال السنوات الماضية، فإن القطاع السياحي الذي يحتل المرتبة الثانية في جذب المستثمرين السعوديين لم يمر بأزمة هروب استثماري كذلك، إذ يؤكد الأمين العام لاتحاد المؤسسات السياحية العربية والمدير العام لمؤسسة كونتوار الأمانة العقارية وديع كنعان، أنه «لا هروب استثمارياً سياحياً أو عقارياً من لبنان»، لافتاً إلى أن تغييرات تشهدها الخريطة العقارية في لبنان، حيث تنتقل الاستثمارات من مناطق إلى أخرى، ويوضح أن المناطق الجاذبة للاستثمار تقليدياً مثل عاليه وبحمدون وصوفر وسوليدير تشهد انحصاراً استثمارياً وانخفاضاً في الأسعار لحساب مناطق أخرى مثل ضبية و«المثلث الذهبي» وهو الرابية ـــــ المطيلب ـــــ البياضة، حيث ارتفع سعر المتر المربع فيها من 900 إلى 1200 دولار.
وأشار إلى أن قراءة موضوع تراجع الاستثمارات في المناطق التقليدية على أنه تراجع في حجم الاستثمار العقاري بشكل عام غير واقعي، إذ يوجد تحوّل كبير في الوجهات السياحية في لبنان، من بيروت والأشرفية وسوليدير إلى ساحل المتن وكسروان والبترون، مشيراً إلى أن سعر المتر المربع في منطقة كسروان ارتفع 5 أضعاف من 100 إلى 600 دولار، وأحياناً ألف دولار. وشدد على أن لبنان يفيد كثيراً من الطفرة النفطية الخليجية، حيث إن المغتربين اللبنانيين يوظفون أموالهم في الاستثمارات العقارية. ولفت إلى أن ساحل علما كفرحباب يحتضن حالياً 90 مشروعاً عقارياً جديداً، وقد ارتفعت فيه أسعار متر البناء من 600 إلى 1200 دولار.
ويؤكد كنعان عدم وجود أي هروب استثماري في لبنان، بل عمليات انتقال مناطقي، ويؤكد أن الاستثمارات العربية لم تصل إلى 4,8 مليارات دولار في لبنان، وأن العرب يملكون نحو 3 ملايين و600 ألف متر مربع فقط. مشيراً إلى أن أكبر مشروع عقاري عربي لا يتعدى سعره مليوني دولار أميركي، متسائلاً: «من أين أتت استثمارات الـ 4,8 مليارات دولار؟ وكيف خرجت من دون أن نشعر بها؟».


لا سحب استثمارات سعودية

شكك الخبير المالي والمصرفي الدكتور غازي وزني في المعلومات التي تناولت موضوع سحب استثمارات سعودية من لبنان بقيمة 5 مليارات دولار. وقال إنه لم يسجل سحب استثمارات سعودية من لبنان، لكن لبنان خسر استثمارات عربية كانت مرتقبة بما يعادل الرقم المشار إليه، وذلك بسبب الأوضاع السياسية والأمنية الراهنة. وتوقع وزني أن يخسر لبنان استثمارات خلال عام 2008 بقيمة 3 مليارات دولار.
وتابع: «في هذا السياق يمكن أن نلحظ أن الاستثمارات العربية في عام 2007 كانت في حال تريث وترقب، ومن ناحية أخرى في حال تأجيل، وبلغت حصة لبنان من الاستثمارات العربية البينية في عام 2007 نحو 2.5 مليار دولار، واحتلت الكويت المرتبة الأولى في هذا المجال، تلتها دولة الإمارات، ثم المملكة العربية السعودية.
وأوضح أن الاستثمارات العربية تركزت في خلال عامي 2006 و2007 في شكل أساسي على القطاع العقاري السكني الذي سجل طلباً كثيفاً تجاوز 30 في المئة سنوياً، فيما خسر لبنان استثمارات في القطاعات السياحية والتجارية والمالية.


عدد الثلاثاء ٢٦ شباط ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق