16‏/2‏/2009

الجشع يلهب الأسعار بتغطية حكومية فاقعة



في أحد محلات بيع المواد الغذائية في الحمراء (مروان طحطح)في أحد محلات بيع المواد الغذائية في الحمراء (مروان طحطح)جمعية تجار عاليه تطالب بلائحة أسعار رسمية تكبح موجة الغلاء المصطنعة

رشا ابو زكي
أصدرت جمعية تجار عاليه بياناً لافتاً، أمس، إذ دعت الحكومة، ووزارة الاقتصاد تحديداً، إلى العمل على ضبط الأسعار باعتماد الوسائل التالية:
1ــــ الاستعلام عن أسعار المواد الاستهلاكية المستوردة في بلد المنشأ.
2ــــ إصدار لائحة أسعار رسمية يومياً للمواد الاستهلاكية.
3ــــ تفعيل دور مصلحة حماية المستهلك.
4ــــ العمل على تشجيع الإنتاج المحلّي على أنواعه وحمايته.
5ــــ ضمان تأمين تسهيلات مصرفية بفوائد مدروسة لصغار التجار.
هذا البيان مثّل مفاجأة «سارة». إذ إن هذا النوع من المطالب، غالباً ما تتقدم به جمعيات أهلية ونقابات عمالية وتيارات يسارية، وغالباً ما يأتي الرد من الحكومة وجمعيات التجّار «أن تطبيق هذه المطالب يتنافى مع أسس الاقتصاد الحر والأسواق الحرّة والمفتوحة»... ولعل أبرز ما في بيان جمعية تجار عاليه إقراره بوجود عوامل محلية «مصطنعة» لارتفاع الأسعار، تضاف إلى عوامل التضخّم المستورد، والعوامل السياسية التي تمرّ بها البلاد... ولا بد من التسجيل أن هذه الجمعية قد تكون الأولى في القطاع التجاري، التي تطالب بأوسع تدخّل للحكومة في الأسواق، وصولاً إلى تحديد الأسعار، بعد مقارنتها بأسعار المنشأ، وبالتالي فإن هذه المطالبة تؤدي تلقائياً إلى الإقرار، ولو ضمنياً، بضرورة إعادة العمل بمراسيم تحديد هوامش الأرباح التي ألغاها وزير الاقتصاد والتجارة سامي حداد.
فهل تنضم جمعيات التجّار الأخرى إلى هذه المطالب؟
بات معروفاً أن موجة رفع الأسعار المتواصلة في الفصل الأول من هذا العام لا أساس لها في الأسواق الخارجية، ما دفع الكثيرين إلى اتهام كبار التجار والمستوردين بالعمل على اصطناع «التضخّم» من أجل استباق أي تصحيح للأجور قد يحصل قريباً. وبحسب مؤسسة البحوث والاستشارات، فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية أكثر من 11 في المئة في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، بالمقارنة مع معدّل ارتفاع عالمي لا يتجاوز 3.5 في المئة.
ويقرّ معظم رؤساء جمعيات التجار لـ«الأخبار» بوجود أسباب «محلية» لارتفاع الأسعار، فضلاً عن الأسباب العالمية والسياسية، منها جشع عدد من كبار التجار والمستوردين، ورغبتهم في زيادة هوامش أرباحهم، مستغلّين الفوضى السياسية القائمة وغياب مصلحة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد عن القيام بواجباتها...
«أين هي الدولة؟»
من النادر أن تسمع رئيس جمعية تجار يصرخ فور سؤاله عن جشع التجار بسؤال آخر يطرحه: «أين هي الدولة؟». إذ إن رئيس جمعية تجار جونية، جاك حكيّم، يرى أن ارتفاع الأسعار المبالغ فيه في لبنان ناتج جوهرياً من ارتفاع الأسعار العالمي، أما داخلياً، فسببه «عدم وجود حسيب ولا رقيب، ولا دولة تحمي المواطن من حال الفوضى القائمة في الأسعار والأسواق». ويشير حكيّم إلى أن الحكومة تدعم سعر الفروج، فيما «عنتر ابن عنتر» لا يستطيع شراء فروج كامل، لكون التجار يعمدون إلى تقطيعه للتهرب من الالتزام بالسعر الرسمي، ويرى أن الفروج مثال لسلع أساسية أخرى ترتفع أسعارها بصورة غير منطقية، من دون أن تُكبح... ويقول: «لا يوجد مصلحة حماية مستهلك تلجم الأسعار، وهذا يعود إلى الانقسام الحاصل في دوائر الدولة المسيّسة. وغياب مكوّنات الدولة عموماً، ينتج منه أشخاص يستغلون الوضع لتحقيق مصالحهم الخاصة».
نريد الرقابة
ويشير رئيس جمعية تجار صيدا، علي الشريف، إلى أن بعض التجار رفعوا أسعارهم بسبب ارتفاع اليورو، فيما مخزوناتهم تكفي لعدة أشهر، ويشير الى أن الهدف هو زيادة هامش الأرباح وزيادة رأس المال. ويكرر الشريف موضوع ارتباط الأسعار المحلية بالعالمية، لكنه يلفت إلى وجود تجار جشعين، وأن مصلحة حماية المستهلك قادرة على تتبع خيوط ارتفاع أسعار بعض السلع، لكونها تملك كل المعطيات عن أسعار بلد المنشأ، حتى لو كان عدد المراقبين قليلاً. ويتابع: «نحن نريد أن تكون هناك مراقبة، لأن الأسعار مرتفعة في بعض السلع، واستمرار هذا المنحى يؤثر سلباً على القدرة الشرائية، وبالتالي على حركة الأسواق».
الوكالات الحصرية
من جهته، يقول رئيس جمعية تجار طرابلس، فواز الحلوة، إن هناك عشوائية في تسعير السلع في السوق اللبنانية، وهناك شيء ملموس أعتقد أنه جشع بعض التجار والمستوردين. مثلاً هناك أدوية سعرها 80 ألف ليرة في لبنان، وفي الخارج لا تتعدى 20 ألف ليرة. إذاً يوجد مافيا للدواء. ويلفت إلى أن الوكلاء الحصريين يعمدون إلى رفع الأسعار في الأوضاع غير الطبيعية السائدة، ويشير إلى أن مصلحة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد تراقب فقط إعلان الأسعار على السلع، ولكن لا يحق لهم قانوناً معرفة هامش الأرباح، وهذه آلية خاطئة في المراقبة. وطالب بإلغاء الوكالات الحصرية لخفض الأسعار.



مجرد إشارة
هوامش الأرباح

يتعرّض لبنان لموجة ارتفاع أسعار غير منطقية، بلغت ذروتها في مطلع العام الحالي، وتستمر في منحى تصاعدي من دون وجود أية مسبّبات واقعية، إذ إن حجم التضخم في الدول الغربية وتحديداً الأوروبية لا يتجاوز 3.5 في المئة بأقصى حالاته، ما ينسف حجج كبار التجار وبعض الوزراء ورئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة بأن ارتفاع الأسعار العالمي ينعكس زيادة في أسعار السلع في لبنان لكونه يستورد 90 في المئة من حاجاته الاستهلاكية، إذ إن «الاقتصاد الحر» الذي يتحدث عنه وزير الاقتصاد سامي حداد كما العديد من الوزارء في الحكومة قد فلت من عقاله، وقرار حداد، وتالياً الحكومة، إلغاء 4 قرارات تحدّد نسب أرباح التجار في 16 تشرين الأول من عام 2006 عزز مكانة كبار التجار والمستوردين المحصنين بغالبيتهم من قوى سياسية متعددة، وأصبحوا يتحكمون بالأسعار من دون وجود أية ضوابط تردعهم، وخصوصاً في ظل تدعيم الوكالات الحصرية التي احتكرت، بطبيعة الحال، استيراد بعض السلع وأصبحت تتحكم كذلك بمبدأ العرض والطلب، لتخفض ضخ سلع أساسية في السوق تمهيداً لتوزيعها بعد رفع أسعارها. وإن كانت جمعيات التجار تطالب بضرورة تدخل وزارة الاقتصاد لكبح الأسعار، فإن العوائق التي يجب إزالتها تبدأ بإصدار مراسيم لإعادة تحديد هوامش الأرباح التجارية، وصولاً الى إصدار قرار سياسي لتفعيل مصلحة حماية المستهلك وزيادة عدد المفتشين فيها...


عدد الاربعاء ٢٣ نيسان ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق