16‏/2‏/2009

مأساة صناعية ... وشفيع «النيو ليبرالية» يكرّسها!



بعض الصناعيين في لبنان لبّوا نداء وزير الاقتصاد والتجارةاركاديو ــ بنمااركاديو ــ بنما سامي حداد، تأبّطوا آلاتهم، وضعوا ذكريات الإنتاج اليسير في حقائب السفر، وغادروا. أمّا البعض الآخر، فينتظر شفيع «النيو ليبرالية» الوزير حداد نفسه ليحميهم من مخالفات دعم العرب لإنتاجهم...
رشا أبو زكي
قانون حماية الإنتاج الوطني الصادر عن مجلس النواب في 8 كانون الأول 2006، الذي يحمي عدة قطاعات، ومنها القطاع الصناعي من المنافسة غير المشروعة متوقّف في أحد سراديب وزارة الاقتصاد والتجارة، أسعار المواد الأولية الصناعية تلتهب، وأسعار المحروقات تتصاعد، أمّا تقنين الكهرباء، فهو واقع لا مفر منه، والمولّدات الكهربائية الضخمة هي المنفذ الوحيد لتوليد الطاقة للمصانع، على الرغم من أنها ترفع كلفة الإنتاج أضعافاً... بعض الصناعيين فرّوا من جحيم معاقبة القطاع، وبعضهم الآخر تلقى ضربات قاضية في حرب تموز، ولم يحصل حتى الآن على التعويضات الموعودة من الحكومة ومصرف لبنان، إلّا أنه يعمل على الاحتفاظ بسوقه، وعدد آخر يأمل تنفيذ قانون الحماية، لكن، كل شيء خاضع لوزير الانفتاح الاقتصادي الاستنسابي، الذي لا يعترف بقطاعات إنتاجية من جهة، ويحمي الاحتكارات والوكالات الحصرية والكارتيلات ومنافع فريقه السياسي من جهة أخرى...
عبود: القانون لا يطبّق
«ليش عم تنفّخ عاللبن؟... لأنو حارقني الحليب»، فقد أصبحت «حروق» إهمال القطاع الصناعي ومحاولة إعدامه بالغة. ويقول رئيس جمعية الصناعيين فادي عبود لـ «الأخبار» «إن وضع الصناعة أصبح مأساوياً، وما يزيد مأساته هو الوزير حداد، الذي يمتنع عن إصدار المراسيم التنفيذية لقانون حماية الإنتاج الوطني الصادر في الجريدة الرسمية في 21 كانون الأول عام 2006، الذي يدعو في مادته الأولى إلى تطبيق القانون على حالات تزايد الواردات التي تسبّب ضرراً بالغاً للصناعة والزراعة المحلية أو تهدّد بوقوعه. ويرفض تنفيذ المادة الثانية من القانون، التي تدعو إلى اتخاذ إجراءات مؤقتة تمنع حدوث الضرر أو التهديد به أثناء التحقيق (في حالات الضرر والدعم)، وتكون على شكل رسوم مؤقتة أو إيداعات أو ضمانات نقدية في حالات الإغراق والدعم، أو زيادة مؤقتة في الرسوم الجمركية بالنسبة إلى حالات التزايد في الواردات». ويلفت عبود إلى أن الدول العربية تدعم قطاعاتها الصناعية بشكل فاضح، وعلى مرأى جميع العالم، إلا أن حداد المكلّف حماية القطاعات الاقتصادية، يرفض تطبيق القانون بحجج واهية.
وعبود بدأ العمل على رفع دعوى لدى مجلس شورى الدولة ضد الحكومة اللبنانية التي ترفض تطبيق القانون، على الرغم من أن حداد وقف خلال اجتماع كان يحضره رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة وقال لعبود «أتحدّاك أن ترفع الدعوى لدى مجلس الشورى»!
الأكلاف... صعوداً
وإن كان القانون لا يطبّق، في «بلد المؤسسات والقانون»، فإن مصائب الصناعة لا تنحصر هنا، فقد انتهى مفعول قرار مجلس الوزراء بدعم المازوت الأحمر لغاية نهاية شباط من العام الحالي، فيما تشهد أسعار المحروقات ارتفاعاً كبيراً، وبذلك ارتفعت الأكلاف الصناعية، ويشير صاحب معمل «بلاستي ميد» للأمصال عباس صفي الدين لـ «الأخبار» الى أن رفع الدعم عن المازوت هو «خربان بيوت»، مشيراً إلى أن المازوت يمثّل حوالى 50 في المئة من كلفة منتجات مصنعه، لافتاً إلى أن رفع الدعم يؤثر سلباً في العقود التجارية التي يُبرمها مصنعه مع الشركات الأجنبية. ويوضح أن جزءاً كبيراً من إنتاجه يعدّ للتصدير، ويلقى في الخارج منافسة قوية، وخصوصاً أن الدول العربية تدعم الصناعات بشكل كبير. ولفت صفي الدين كذلك إلى أن ارتفاع كلفة الإنتاج تنعكس زيادة في أسعار السلع المنتجة بأكثر من 30 في المئة.
ويقول أنطوان الحلو صاحب معمل للخراطة وصناعة الحبلات والرافعات والمكابس، إلى أن المازوت يمثّل حوالى 20 في المئة من كلفة الإنتاج، وحسب الوضع الحالي فإن كل المواد الأوّلية تشهد ارتفاعاً في الأسعار، يضاف إليها رفع الدعم عن المازوت لتكتمل صورة الأزمة التي يعيشها القطاع الصناعي.
أمّا صاحب معمل ارميكو لصناعة الآلات الصناعية وآلات البناء أرام ميسريان، فيقول إن المازوت يمثّل ما بين 30 إلى 50 في المئة من كلفة الإنتاج لديه، والتفاوت في النسبة يعود الى حجم التقنين في الكهرباء، ويلفت إلى أنه يصرف شهرياً نحو طن ونصف طن من المازوت، مطالباً بأن تزود المصانع بالكهرباء، وخصوصاً في ساعات الذروة.
لا تعويضات
وأزمة مهرجانات الوعود التي هطلت على الصناعيين بعد حرب تموز لا تزال مستمرة، إذ لم يفد أي صناعي من تعميم مصرف لبنان الصادر في أيار عام 2007، الذي أعلن أن الحكومة ستمول عبره 60 في المئة من عمليات إعادة إعمار وتأهيل المؤسسات المتضررة، علماً أن مهلة دراسة المصارف التجارية لملفات المتضررين تنتهي بعد ثلاثة أشهر. ويلفت صفي الدين الى أنه لم يحصل على أيّ تسهيلات حتى الآن، وأن المصرف الذي يتعامل معه، والذي تسلّم ملفات الأضرار منه منذ فترة يقول له إن مصرف لبنان لم يبتّ موضوع التسهيلات حتى الآن. لافتاً إلى أنه اضطر بعد تضرر معمله إلى وقف تصنيع العديد من المنتجات الصناعية.
ويقول صاحب معمل ماليبان محي الدين نخلاوي إن معمله مدمر بشكل كلي، ولا يستطيع إعادة إعماره بسبب الكلفة المرتفعة، ويلفت إلى أنه لم يحصل حتى الآن على أيّ تسهيلات مصرفية، وأن لا أحد يستطيع العمل في ظل الأجواء السياسية والأمنية القائمة، رابطاً مصير تعويضاته بانتخاب رئيس جديد للجمهورية.



إلى الملوك والحكام العرب: منافستكم غير عادلة
وجهت جمعية الصناعيين اللبنانيين كتاباً مفتوحاً إلى جميع ملوك وحكام ورؤساء حكومات الدول العربية، عبر سفاراتها في لبنان، طالبت فيه «بمساهمة هذه الدول، في رفع الضرر الذي يلحق بكل قطاعات لبنان الإنتاجية، ولا سيما القطاعات الصناعية، جرّاء التنافس غير العادل بين دول منطقة التجارة الحرة العربية، بسبب الدعم الذي تقدمه بعض الحكومات العربية إلى قطاعاتها الإنتاجية، والذي يؤثر سلباً في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في لبنان، طلباً لإحقاق العدل».
وجاء في نص الكتاب: «تتقدم جمعية الصناعيين اللبنانيين من الحكومات العربية طالبةً إعادة النظر جذرياً بالنسبة إلى دعم أكلاف إنتاجها، فنحن نرى أن أغلبية الدول العربية تدعم أكلاف الإنتاج من طاقة وأراضٍ صناعية وتمويل وصادرات وموادّ خام منتجة محلياً تباع للمصانع المحلية بأسعار مدعومة، إضافة الى عمالة أجنبية بكلفة متدنية. نحن نفهم ونتفهم تماماً سياسة أكثرية الدول العربية في دعم أكلاف الإنتاج لخلق قاعدة صناعية قوية، لكن هذه السياسة ستؤدي حتماً إلى إقفال كل المصانع التي تعتمد الطاقة المكثفة في عمليات الإنتاج في لبنان. إذ إن أسعار الطاقة في لبنان تزيد أكثر من عشرة أضعاف عن معدل أسعار الطاقة الإنتاجية في العالم العربي، وهذا الواقع يؤدي إلى المزيد من البطالة ويقضي على الصناعة المحلية.
لذلك نطرح أربعة حلول معقولة من ضمن اتفاقية التيسير العربية التي تخضع لقواعد منظمة التجارة العالمية ومنطقة التجارة الحرة العربية، وهي إما تطبيق سياسة التوقف الكلي عن الدعم المباشر للقطاعات الإنتاجية لخلق مناخ تنافسي عادل، أو السماح للبنان بتطبيق سياسة مكافحة الدعم وفرض رسوم تكافؤية، أو إنشاء صندوق ممول من البلدان العربية المنتجة للنفط لدعم الطاقة الإنتاجية في البلدان غير المنتجة للنفط، أو التعويض على صناعات الطاقة المكثفة في لبنان جرّاء الضرر الذي لحق بها من استيراد سلع مدعومة، وذلك لتتمكّن من إقفال معاملها والانتقال إلى خارج لبنان حيث سعر الطاقة أرخص.


عدد الثلاثاء ٤ آذار ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق