5‏/2‏/2009

هل سلفات هيئة الاتصالات مخالفة للقانون؟


رشا أبو زكي

•القاعدة الاثنا عشرية لا تطبّق على الهيئة... وسلفات الخزينة مشروطة بمبدأ الضرورة
أنشات الحكومة الهيئة المنظّمة للاتصالات من دون موافقة رئيس الجمهورية ولا إقرار مجلس النواب، فوقعت في شرك تمويلها، ولا سيما لجهة إيجاد الأساس القانوني لصرف السلفات لها، وهذا ما أدى إلى ظهور اجتهادين، الأول ينفي صفة الشرعية عن الهيئة وعن طرق تمويلها، والثاني يعتبرها قانونية بالكامل، ويرتكز إلى أساس قانوني مهزوز لسلفاتها

هل بدأ عهد الهيئة المنظّمة للاتصالات بمخالفة قانون المحاسبة العمومية؟ فقد استعجلت الحكومة في إصدار مرسوم تعيين رئيس وأعضاء الهيئة المنظمة للاتصالات وسط إشكالات سياسية متصاعدة وخروج وزراء المعارضة من الحكومة، واعتبار البعض أن هذه الحكومة فقدت شرعيتها، وعلى الرغم من انقطاع التواصل بين رئيس الجمهورية السابق إميل لحود والحكومة، عمدت الأخيرة إلى تمرير مرسوم تعيين الهيئة بغية استعجال خصخصة قطاع الهاتف الخلوي، مستندة إلى المادة 56 من الدستور التي تجعل من المرسوم نافذاً حكماً بعد ردّ رئيس الجمهورية القرارات الصادرة عن الحكومة. وأصبحت الهيئة المنظمة للاتصالات محط انتقادات سياسية وقانونية واسعة، وخصوصاً أن نشأتها تزامنت مع إقفال أبواب المجلس النيابي، وعدم إقراره بالتالي الموازنات السنوية منذ عام 2006 وحتى الآن.

مشكلة الاعتمادات

هذه المعضلة، أدت إلى تصعيب الأمور على الحكومة في مجالات شتّى، ومنها كيفية صرف اعتمادات لتشغيل الهيئة وفق المادة 11 من قانون الاتصالات رقم 431، التي تنص على إعطاء الهيئة مساهمات من الخزينة العامة بصورة استثنائية لمدة أقصاها سنتان، أي بعد أن تتوصل إلى تحقيق استقلالها المالي. فصرف الاعتماد يتطلب لحظه في موازنة، ويتطلب بالتالي إقرار الموازنة في مجلس النواب المتوقف عن العمل، أما اعتماد القاعدة الاثني عشرية فيشترط وفق قانون المحاسبة العمومية، ضرورة «وجود اعتمادات دائمة مرصودة في موازنة السنة السابقة»، إذ إن الموازنة الأخيرة المصادق عليها في المجلس النيابي، هي موازنة عام 2005، أي قبل سنتين من تشكيل الهيئة، وبالتالي لا وجود لأي سابقة تخص هذه الهيئة يمكن الارتكاز عليها في صرف الاعتمادات، وبالتالي تنتفي عن الاعتمادات التي ستصرف للهيئة شرط وجود «اعتمادات دائمة مرصودة»، ما يمنع الحكومة من اعتماد القاعدة الاثني عشرية في هذا النطاق...
الحكومة وجدت منفذاً آخر لتمويل الهيئة المنظمة للاتصالات، وهو صرف سلفات خزينة، لترمي عن عاتقها ضرورة العودة إلى الاعتمادات، إلا أن هذا الخيار وقع في شرك اجتهادين، الأول يُسقط عن الهيئة المنظمة للاتصالات صفة الشرعية منذ لحظة إنشائها ويرفع الحاضنة القانونية عن سلفات الهيئة، وخصوصاً مع استناد الحكومة في قرارات صرف السلفات إلى القاعدة الاثني عشرية، ويستند هذا الاجتهاد إلى قانون المحاسبة العمومية الذي يجيز اعتماد هذه القاعدة في حالات الاعتمادات الدائمة المرصودة في موازنة السنة السابقة، وهذا ما لا ينطبق على الهيئة المنظمة التي لم ترصد لها أي اعتمادات داخل الموازنة أو خارجها في موازنة عام 2005. وآخر يبرر صرف السلفات بمواد قانونية، ومنها المادة 11 من القانون 431 الذي ينص على إعطاء الهيئة مساهمات من الخزينة، بحيث تم استبدال المساهمات بسلفات من خارج الموازنة.

في التفاصيل

وقد ورد في الجريدة الرسمية عدد 25 تاريخ 26 نيسان 2007، قرار مجلس الوزراء في 3 نيسان 2007، رقمه 31، يصبح نافذاً حكماً في 20 نيسان 2007، يتضمن طلب وزارة الاتصالات الموافقة على إعطاء الهيئة المنظمة للاتصالات سلفة خزينة بقيمة 4،5 مليارات ليرة، تدفع من موازنة الوزارة لتغطية نفقات عملها. وقد رفع مجلس الوزراء في 5 نيسان 2007 القرار رقم 31 إلى رئيس الجمهورية السابق إميل لحود، الذي ردّ القرار إلى مجلس الوزراء من دون موافقة، فاستخدم مجلس الوزراء المادة 56 من الدستور، وأصرّ على القرار 31، وانتظر انقضاء 15 يوماً على رد القرار من جانب رئيس الجمهورية، فأصبح نافذاً حكماً ونشر في الجريدة الرسمية...بوليغان - المكسيكبوليغان - المكسيك
ويرى عدد من الخبراء أنه لا يجوز أن تمر مخالفة قانون المحاسبة العمومية في ما يتعلق بصرف نفقة من موازنة لم تكن متشكلة أصلاً، من دون مساءلة، وهذا بمعزل عن كل الملابسات المحيطة بظروف تشكيل الهيئة ومدى شرعيتها، إذ ورد في القرار 31 ما يأتي: «تدفع سلفة خزينة بقيمة 4،5 مليارات ليرة إلى الهيئة المنظمة للاتصالات مباشرة من موازنة وزارة الاتصالات لتغطية نفقات عملها حسب مشروع ميزانيتها الذي سوف يعرض لاحقاً على وزير الاتصالات على أن يسدد لاحقاً من موازنة عام 2007، ولذلك يجب تعديل مشروع موازنة وزارة الاتصالات الموازنة الملحقة لعام 2007 على أن يتم تأمين الاعتماد المطلوب من احتياطي موازنة وزارة الاتصالات الملحقة لعام 2007»!

مخالفة غير مسبوقة؟

ويشير الخبراء إلى أن موازنة عام 2007 صدرت في مرسوم رقمه 403 في 13 حزيران 2007، أي بعد شهرين من إصدار قرار السلفة إلى الهيئة المنظمة للاتصالات، وقام مجلس الوزراء بسابقة قانونية بتعديل الموازنة قبل إقرارها بشهرين، علماً بأن مجلس النواب لم يقر حتى الآن هذه الموازنة، وقرار صرف السلفة جاء من دون موافقته، وهذا ما يعدّ مخالفة للدستور. وينتقد أصحاب هذا الاتجاه وزير المال جهاد أزعور ورئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، لاستنادهما في ذلك إلى «القانون رقم 717 تاريخ 3 شباط 2006، المتعلق بإجازة جباية الواردات وصرف النفقات اعتباراً من أول شباط 2006 ولغاية صدور موازنة عام 2006 على أساس القاعدة الاثني عشرية»، علماً بأن قانون المحاسبة العمومية ينص في المادة 60 منه على أنه «توضع الموازنات الاثني عشرية على أساس الاعتمادات الدائمة المرصودة في موازنة السنة السابقة، على أن يؤخذ بعين الاعتبار ما أضيف إليها وما أسقط منها من اعتمادات دائمة»... إلا أن الموازنة الأخيرة التي أقرّها مجلس النواب هي موازنة عام 2005 التي لم تأت على ذكر الهيئة المنظّمة للاتصالات ولم تلحظ أي اعتماد مخصص لوزارة الاتصالات لتشغيل هذه الهيئة. وبالتالي فإن هذه الهيئة لم يرصد لها أي مبلغ في موازنة عام 2005، ولذلك فإن القاعدة الاثني عشرية لا تنطبق في أي وجه قانوني على حالة الهيئة المنظمة للاتصالات.

سبحة من المخالفات؟

ويشير هؤلاء الخبراء إلى أن الحكومة لم تكتف بالمخالفة الأولى، إذ كرّت سبحة المخالفات لديها، وأصدرت مرسوماً رقمه 998 نشر في العدد 77 من الجريدة الرسمية في 7 كانون الأول 2007، يجيز صرف سلفة لوزارة الاتصالات بقيمة 5،4 مليارات ليرة لتغطية عمل الهيئة المنظمة للاتصالات على أن تسدد هذه السلفة من الاعتماد الذي سيلحظ في موازنة الاتصالات لعام 2008 على تنسيب المساهمات. ومن ثم تم تصحيح خطأ ورد في المرسوم بمرسوم آخر رقمه 948 في العدد 7 من الجريدة الرسمية في تاريخ 14 شباط 2008، وتم استبدال الرقم 5،4 مليارات ليرة، برقم 4،5 مليارات ليرة. وبذلك عمدت الحكومة إلى الصرف من موازنة وزارة الاتصالات التي لم تكن قد شكلت بعد، لا بل لم يبحثها مجلس النواب كذلك.

عملية قانونية

أما الاجتهاد الثاني الذي يبرر نشأة الهيئة المنظمة للاتصالات وكذلك صرف السلفات لتشغيلها، فيقول إن السلفات هي من خارج الموازنة، وبالتالي فإن هذه النفقات لا تعاني أية شوائب قانونية، إذ إن مجلس الوزراء خصص للهيئة سلفات خزينة لتشغيلها، وهذا لا يرتبط بإقرار الموازنة أو عدمه، كما انه استند إلى المادة 11 من القانون 431 التي تشير بوضوح الى أنه يتم تمويل الهيئة استثنائياً لمدة سنتين من تاريخ تأسيسها على أساس مساهمات تخصص لها في الموازنة العامة. وعلى المادة 203 من قانون المحاسبة العمومية في ما يتعلق بسلفات الخزينة، التي تنص على الآتي «سلفات الخزينة إمدادات تعطى من موجوداتها: لتموين مستودعات الإدارات العامة بلوازم مشتركة بين أكثر من إدارة واحدة. لشراء مواد قابلة للخزن ومعدة للاستعمال في سنة مالية جارية أو لاحقة. لتغذية صناديق المؤسسات العامة والبلديات وكذلك الصناديق المستقلة المنشأة بقانون». ويشير هذا الاجتهاد الى أن صرف السلفات للهيئة المنشأة بقانون يتمتع بتغطية قانونية وافية.


تشير مصادر مطّلعة لـ«الأخبار» إلى أنه لا يمكن صرف أي إنفاق من دون اعتماد في الموازنة، لذلك لا تزال الهيئة العليا للإغاثة خارج الموازنة، لكي يتم التهرب من الاعتماد. في حين أن الهيئة المنظمة للاتصالات لها موازنة ملحقة بالموازنة العامة، وهي بحسب القانون 431 أصبحت بمثابة مرفق عام، ولذلك لا يمكن صرف أي مبلغ لها قبل إصدار قانون يجيز للحكومة الإنفاق على أساسه. وتشير المصادر نفسها الى أن تمرير إنشاء الهيئة المنظمة للاتصالات أتى من دون موافقة رئيس الجمهورية، ولا مجلس النواب، كما تم الإنفاق على هذا المرفق من دون موافقة السلطتين الأولى والثانية، وبالتالي فإن هذا المرفق مطعون بشرعيّته وقانونيّته.


عدد الجمعة ٢٩ شباط ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق