16‏/2‏/2009

مجلس الوزراء يدرس فتح باب الاستيراد من فلسطين!



كارلوس لاتوف ــ البرازيلكارلوس لاتوف ــ البرازيلتبحث الحكومة السماح بدخول السلع الفلسطينية معفاة من الرسوم الجمركية الى لبنان وفق شروط منقوصة، ما يطرح تساؤلات عن سبب هذا الطلب، وهل هو فعلاً يخدم الاقتصاد الفلسطيني الرازح تحت وطأة الاحتلال؟ أم هو مقدمة لانتهاك مقاطعة إسرائيل؟

رشا أبو زكي

يبحث مجلس الوزراء في جلسته المقبلة طلباً رفعته وزارة الاقتصاد والتجارة للموافقة على السماح بدخول السلع الفلسطينية معفاة من الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب الأخرى ذات الأثر المماثل إلى لبنان. ويضع الطلب شرطين للسماح بدخول هذه السلع إلى الأراضي اللبنانية، وهي أن تكون هذه السلع خالية من أي مواد أولية إسرائيلية، وأن لا يتم نقلها عبر وسائل نقل إسرائيلية، إضافة إلى مراعاة بنود اتفاق تيسير التجارة العربية. إلا أن موضوع الاستيراد من فلسطين المحتلة يطرح علامات استفهام كبيرة، إذ إنه من المعلوم أن الجهاز الرقابي في لبنان ضعيف جداً، كما أن الاقتصاد الفلسطيني مرتبط إلى حد الانصهار بالاقتصاد الإسرائيلي، فالاحتلال فرض قيوداً جمة على الصناعيين والتجار الفلسطينيين للإفادة من صادراتهم لتنمية الاقتصاد الإسرائيلي، كما أن جميع المصانع خارج قطاع غزة وجزءاً كبيراً من الضفة الغربية خاضعة لسلطة الاحتلال، وهي تستحصل على جميع معاملاتها من إسرائيل، في حين أن المصانع داخل غزة معظمها متوقف عن العمل، والقليل العامل منها يجهد لتغطية الطلب في السوق الفلسطينية، وبالتالي فهو غير قادر على التصدير... وبغض النظر عن هذا الواقع المأسوي الذي يمنع الاستيراد من الفلسطينيين إلا في حال التطبيع المباشر أو غير المباشر مع إسرائيل كما يحصل في عدد كبير من الدول العربية، فإن الطلب المقدّم من وزارة الاقتصاد إلى الحكومة منقوص بالتأكيد.
موجبات الطلب
وقد أفادت وزارة الاقتصاد بأنه صدر عن مؤتمر القمة العربية المنعقد في القاهرة بتاريخ 22/10/2000 القرار رقم 200 يطلب من الدول العربية السماح بدخول السلع الفلسطينية معفاة من الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب الأخرى ذات الأثر المماثل، وكذلك عدم فرض قيود غير جمركية على استيرادها، كما صدر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي عدة قرارات متلاحقة عن هذا الموضوع، كان آخرها في 6/9/2007... كما أبلغ مندوب فلسطين لدى الجامعة العربية بأن المنافذ الجمركية الفلسطينية لا تزال تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي وعندما تسمح ظروفها ستباشر بتنفيذ التزاماتها تجاه الدول العربية.
وورد في الطلب الإشارة إلى أن المجلس الأعلى للجمارك قد أفاد بأن هناك إمكانية للسماح بدخول السلع الفلسطينية وإفادتها من اتفاقية تيسير التجارة العربية إذا ما توافر فيها الشرطان الآتيان: استيفاء هذه السلع لجميع الشروط في الاتفاقية المذكورة، وإبراز إفادة صادرة عن السلطة الفلسطينية بأن البضاعة غير متحصّل عليها كلياً أو جزئياً من مواد إسرائيلية المنشأ أو تم شغلها في إسرائيل، وعلى أن تشير أيضاً إلى أن البضاعة جرى تحميلها على وسائل نقل غير إسرائيلية.
وكان المجلس الأعلى للجمارك قد رفض طلب وزارة الاقتصاد في آذار 2002 استيراد مواد صخرية أو رخامية من مصدر أراضي السلطة الفلسطينية ومستوردة إلى لبنان بموجب شهادة منشأ أردنية، معللاً الرفض بأن لبنان لا يعترف رسمياً بما يسمى السلطة الفلسطينية وبالتالي فإن جميع السلع التي تستخرج أو تصنع في فلسطين المحتلة تعدّ من منشأ إسرائيلي وتخضع لقانون مقاطعة إسرائيل...
معوّقات الاستيراد من فلسطين
ولكن، هل يستطيع لبنان الاستيراد من فلسطين حالياً؟ فقد أقر مجلس الوزراء اللبناني في كانون الثاني عام 2006 فتح مكتب تمثيلي فلسطيني في لبنان، إلا أن هذا المكتب لا يعني وفق المسؤول الإعلامي في المكتب هشام دبس أن لبنان يستطيع الاستيراد من فلسطين، لافتاً إلى أن اعتراف لبنان بالدولة الفلسطينية جاء على المستوى السياسي فقط، موضحاً أنه حالياً لا يوجد تعاون اقتصادي. إذ إن قنوات الاتصال الهاتفي مع فلسطين متوقفة، ولا يوجد تواصل بين الغرف التجارية في لبنان وفلسطين. ويشير دبس إلى أنه يتمنى أن يكون هناك تعامل اقتصادي مع فلسطين، وأن يتم دعم الاقتصاد الفلسطيني في مجالاته كلها.
لكن العمليات التجارية في فلسطين معقّدة جداً، ومن المستحيل حالياً وجود أي سلعة فلسطينية لا تتضمن مواد أولية إسرائيلية (أقلّه في ما يتعلق بتأمين المحروقات للمصانع)، أو غير خاضعة لسلطة الاحتلال. ويشير مراسل «الأخبار» في فلسطين المحتلة رائد لافي إلى أن هناك 3 أنواع من السلع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سلع فلسطينية تنتج في مصانع في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى سلع المستوطنات التي تدخل فيها مواد أولية إسرائيلية، وسلع المصانع الإسرائيلية. وبالمجمل جميع الصناعات الفلسطينية تعتمد على المواد الخام من إسرائيل، أما الاستثناء فهو بعض المصانع الفلسطينية المنتجة للألبان ومشتقاتها. ويشير لافي إلى أن كل ما هو خارج القطاع وجزءاً صغيراً من الضفة يدخل فيه منتج إسرائيلي. ويلفت إلى أن المصانع الفلسطينية في غزة متوقفة بمعظمها حالياً، بسبب إغلاق المعابر المؤدية إليها منذ 9 أشهر. ويشير إلى وجود مصانع صخرية ورخامية في المدن الجبلية في الضفة، وهي فلسطينية، لكن بترخيص إسرائيلي. أما مصانع المفروشات في غزة فهي متواضعة ومتوقفة حالياً عن العمل بسبب نفاد المواد الخام، ومن المستحيل أن تستطيع التصدير حالياً...
أين الطرف الإسرائيلي؟
وكان من اللافت أن تنحصر شروط الاستيراد الواردة في طلب وزارة الاقتصاد إلى مجلس الوزراء رفع الرسوم الجمركية عن الصادرات الفلسطينية، بموضوع النقل والمواد الأولية، إذ لم يشر الطلب إلى إيراد شرط عدم الوساطة التجارية الإسرائيلية، ولا يحدد موضوع عدم حصول المصانع الفلسطينية على تراخيص أو شهادات منشأ إسرائيلية. وفي هذا المجال يقول لافي إن جميع معاملات التصدير والاستيراد لا يمكن أن تتم من دون وجود طرف إسرائيلي أي شركات النقل أو الوسطاء وخصوصاً في غزة، فمثلاً تصدير الزهور لا يتم إلا من خلال شركة جريسكو الإسرائيلية، ولذلك فالمعاملات المتوجبة في المصانع الفلسطينية تتطلب الدخول إلى الأراضي الإسرائيلية في طريقها للتصدير، أما شهادات المنشأ فتقدمها وزارة الاقتصاد الفلسطينية للمصانع التي تقع في نطاقها، إلا إذا كانت المصانع تخضع لسلطة الاحتلال مثل المصانع الفلسطينية في الشطر الشرقي من مدينة القدس المحتلة، في حين تحصل المصانع الواقعة خارج غزة وجزء كبير من الضفة الغربية على شهادات منشأ إسرائيلية.
كذلك يلفت مراسل «الأخبار» في رام الله أحمد شاكر إلى أن الاقتصاد الفلسطيني بصفة عامة مرتبط بإسرائيل نتيجة اتفاقية باريس الاقتصادية. وقد عقدت هذه الاتفاقية في عام 1994 وهي تضع التاجر والصانع الفلسطيني تحت السيطرة الاقتصادية الإسرائيلية التي تربط الاقتصاد الفلسطيني تماماً بالاقتصاد الإسرائيلي، فلا تمر بضاعة إلا عبر تاجر إسرائيلي، ولإسرائيل أن تقتطع رسوم الجمارك وتحدد الضرائب...



بين المقاطعة والتطبيع!
تتشابك قضية الاستيراد من فلسطين المحتلة مع موضوع المقاطعة العربية للمنتجات الإسرائيلية والتي خرقتها معظم الدول العربية باتفاقيات تجارية مباشرة أو بفتح مكاتب تجارية لإسرائيل في بعض الدول، أو من خلال الاستيراد عبر وسيط أو دولة ثالثة... وقد أشار مركز المعلومات والأبحاث والاستشارات الإسرائيلية المتخصصة في الأسواق العربية، في دراسة له أعلنها في حزيران 2006 إلى أن حجم التجارة السرية بين إسرائيل والعرب وصل إلى 400 مليون دولار، وهو ما يتجاوز ضعفي حجم التبادل التجاري المعلن بين إسرائيل ومصر والأردن. وأن إسرائيل أصبحت تستخدم الآن دولة وسيطة لتصدير إنتاجها إلى الدول العربية.
وقد لفت عضو هيئة مقاطعة الشركات الداعمة لإسرائيل سماح ادريس «الأخبار» إلى أن بعض المراقبين لحملة مقاطعة إسرائيل، يلحظ اختراقاً لمنتجات إسرائيلية للسوق اللبنانية عبر الاستحصال على شهادات منشأ في الأردن أو تركيا. ويؤكد أن المنطقة الصناعية الأردنية تستخدم مواد أولية إسرائيلية بنسبة 11،7 في المئة وفق اتفاقية Qiz التي تشترط فيها الولايات المتحدة إعفاء الصادرات الأردنية والمصرية من الرسوم الجمركية حال استخدامها النسبة المذكورة من المواد الإسرائيلية في صناعة المنتجات المصرية والأردنية. ويشير إلى أن الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز يقول إن التعامل التجاري مع الدول العربية وصل إلى 42 مليار دولار بين أعوام 1953 و1993، فيما قالت جامعة الدول العربية إن هذا التعامل هو بحدود 92 مليار دولار، ما يشير إلى وجود حجم تعامل بنحو 50 مليار دولار بطريقة غير مباشرة أو عبر شركات داعمة لإسرائيل موجودة في الوطن العربي.


عدد الثلاثاء ١٨ آذار ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق