16‏/2‏/2009

من يقف وراء الحملة المذهبية لمقاطعة مؤسسات لبنانية معروفة؟



تنزيلات قسرية (مروان بو حيدر)تنزيلات قسرية (مروان بو حيدر)«حملة لمقاطعة المؤسسات المساندة لحزب الله وحركة أمل»... هذه آخر موضة طرأت على العقل التقسيمي والمذهبي الهدّام في لبنان، والمدهش أن هذه الحملة أوردت أسماء لمؤسسات مساهمة وأخرى أصحابها يجاهرون بأنهم داعمون لأحزاب موالية للحكومة!

رشا أبو زكي

خلال السنوات الماضية، وخصوصاً بعد اغتيال رئيس مجلس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وما تبع ذلك من اتهامات متبادلة بين قوى 14 و8 آذار، لوحظ نشوء تغييرات وانقسامات طالت عدداً من القطاعات الاقتصادية، وخصوصاً التجارية منها، إذ غالباً ما تتداخل داخل السوق التجارية الواحدة الطوائف والعقائد والتنوعات السياسية، وغالباً ما كان التاجر لا يعطي اهتماماً لطبيعة المنطقة التي يمارس فيها عمله، من منطلق أن «التاجر لا دين له»، وأن جل اهتماماته يتعلق بزيادة نسبة مبيعاته، ومسايرة جميع الاتجاهات لكسب المزيد من الزبائن... هذه القاعدة أصبحت شيئاً فشيئاً من «التراث التجاري»، إذ إنه خلال السنتين الماضيتين، طال الفرز حتى المحال التجارية تبعاً لتكهنات عن ميول التاجر السياسية... هذا التغيّر تطور أيضاً، واكتسب بعد الاشتباكات الأخيرة حلّة طائفية ومذهبية لا تفرّق بين تاجر «سنّي» مثلاً ولكنه لا يناصر 14 آذار، وتاجر «شيعي» لا يناصر 8 آذار! وأصبح السروال في هذه السوق له مذهب، والقبعة في تلك السوق لها طائفة، وحتى الحذاء أصبح مرتبطاً باسم محل، صاحبه تاجر «من جماعتنا»!...

■ قاطعوا داعمي حزب الله و«أمل»!

استلهم عدد من «الأذكياء» في لبنان تجربة التواصل بين أبناء المحلة في مصر عبر الإنترنت، في محاولة تنظيم تحرك شعبي ضد الحكومة المصرية، فاستخدموا التكنولوجيا كوسيط «رقمي» بين أبناء المذهب الواحد، إلا أن المتمذهبين اللبنانيين أرادوا استخدام هذه الوسيلة من أجل شحذ الهمم المذهبية وكشف «عار» انتماء أحد التجار إلى مذهب آخر أو طائفة أخرى... فقد انطلقت منذ أسبوع تقريباً «حملة مقاطعة المحال التجارية المساندة لحزب الله وحركة أمل»، الحملة هذه انتشرت كالنار في الهشيم، وانطلقت بإعداد لائحة تضم 102 محل في بيروت، وتضمنت اللائحة أسماء لمحال بقطاعات مختلفة، من المصارف، مروراً بمحال العصير والحلويات والمقاهي، ومحال الثياب والأحذية والأدوات الطبية... وصولاً إلى مطاعم الفلافل والأفران! أما اللافت فكان عدم التفريق بين التجار «الشيعة» واعتبارهم جميعهم يدعمون «حركة أمل وحزب الله»، وذلك على الرغم من أن عدداً من هؤلاء التجار يناصرون علناً تيار المستقبل وغيره من أحزاب الموالاة! بل إن بعض المؤسسات الواردة في اللائحة «الغبية» تضم مساهمين من مذاهب وانتماءات سياسية مختلفة!
وقد وضع منظمو الحملة خريطة إرشادية تبلّغ عن مكان مؤسسة التاجر «الداعم للحزبين الشيعيين» وفروع مؤسسته، لا بل أوردوا بعض الملاحظات التي تنسب عدداً من المؤسسات إلى قياديين في حزب الله أو حركة أمل، وكان لافتاً إيضاً أن معدّي اللائحة فرّقوا بين فرع وآخر لمؤسسة واحدة، ودعوا إلى مقاطعة فروع إحدى المؤسسات التي تعنى بالموسيقى في كل الدول العربية إلا لبنان! ولم تقتصر اللائحة على أسماء لبنانية، بل طالت بعض المؤسسات التي يملكها عرب كويتيون، ومؤسسات يملكها لبنانيون وعرب في السعودية، والإمارات العربية المتحدة...
والمدهش في هذا الإطار، أن لائحة «المقاطعة» على فظاعة فكرتها، تورد أسماء محال ومؤسسات غير تابعة أصلاً لتاجر «من الطائفة الشيعية»، إذ وردت أسماء لمؤسسات مساهمة لبنانية وعربية، والمثير للاستغراب أن صاحب إحدى المؤسسات الواردة في اللائحة يملك ملهى ليلياً، وقد زرع الوسائل الإعلامية باحتجاجاته من اعتصام المعارضة في وسط البلد الذي يراه مضراً بالحركة السياحية، وقد فوجئ بإيراد اسم إحدى مؤسساته في اللائحة، مكتشفاً أنه داعم لحزب الله وحركة أمل من دون أن يعلم، وقال لـ«الأخبار» ضاحكاً «كيف من الممكن أن أدعم حزب الله وحركة أمل؟ من أموال بيع الكحول؟ فأنا بنظر هذه الأحزاب أبيع محرّمات!»، ذلك ما يؤكد أن لهذه اللائحة خلفيات تتعلق باستغلال الشحن الطائفي والمذهبي والسياسي السائد لتشويه صورة بعض المؤسسات لأسباب قد تكون تنافسية!

■ التجارة «بالألوان»!

وهذه الحملة تُعدّ الأكثر وضوحاً، إذ بدأت منذ فترة ليست بقليلة عزل بعض التجار في بعض المناطق التابعة جغرافياً لأحزاب من المعارضة والموالاة وفق الانتماء الطائفي أو المذهبي للتجار، حتى إن أحد التجار المستقلّين الذي صودف أنه يشبه أحد رجال السياسة، يعاني امتناع عدد كبير من زبائنه التابعين إلى قوى سياسية لا تؤيد شبيهه السياسي، من شراء سلعه! فهل ستتطور حالة فرز التجارة مذهبياً وطائفياً وسياسياً؟ وما المغزى من إقامة حملات مقاطعة كهذه الحملة؟ وما تبعات حملات كهذه على الوضع الاقتصادي بشكل عام والتجاري بشكل خاص؟
يستغرب رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة غازي قريطم (وهو من تيار المستقبل) في حديث مع «الأخبار» أن يحاول البعض إقحام التجارة في الانقسامات السياسية القائمة، ويشدد على أن جميع الهيئات الاقتصادية بكل تلاوينها وقطاعاتها موحّدة حول أزمتها التي تعانيها من جراء الوضع السياسي والأمني السائد، وجميع التجار موحّدون لكي يتفق جميع السياسيين وتعود مؤسساتهم إلى حالة الازدهار، وإن التاجر لا يناصر سوى عودة عمله إلى حالته الطبيعية، وقال إن الأسواق التجارية مفروزة سياسياً، فالتجارة سلسلة متكاملة، حيث هناك تاجر بانتماء سياسي أو طائفي محدد يشتري بضائعه من تاجر جملة بانتماء مختلف، وهذا الأخير يأتي ببضائعه من مستورد ذي اتجاه سياسي مختلف، فالحلقة التجارية مترابطة ولا أحد من التجار ينظر إلى طائفة من يمده بالبضائع أو انتمائه، لذلك لا يمكن أن يُعمّم هذا الفرز على الأسواق اللبنانية...



عاصي: هذا هو العيب

يستغرب التجار في بيروت قصة لائحة «مقاطعة المؤسسات الداعمة لحزب الله وحركة أمل»، وللوهلة الأولى، لا يصدقون أن هذه اللائحة موجودة، وعند اطلاعهم على التفاصيل، تظهر بوضوح حالة الاستغراب والدهشة من وجود مثل هذه اللائحة، فرئيس جمعية التجار نديم عاصي، لم يستطع استيعاب هدف لائحة المقاطعة، وعند اطلاعه عليها صرخ قائلاً «ما هذا؟ هذا عيب...! ماذا يريد منفذو هذه الحملة أن يقاطعوا؟ هذه المؤسسات ليست مفروزة لا طائفياً ولا مذهبياً ولا سياسياً، نحن التجار لا نعرف المذهبية ولا الطائفية في عملنا، إنها المرة الأولى التي أرى فيها حملة كهذه «هيدي مش مارقة على راسي»... وقد شدد عاصي على أن مجلس إدارة الجمعية سيبحث موضوع هذه الحملة في جلسته المقبلة، ورفض أن يعلق على مضمونها، مؤكداً أن مجلس الإدارة سيخلص إلى الموقف المناسب».
وقد رفض عدد كبير من التجار الذين وردت أو لم ترد أسماؤهم في اللائحة التعليق على دعوة المقاطعة، مشيرين إلى أنها حملة لا تستدعي التعليق عليها، لأنها غير واقعية وتورد معلومات كاذبة، إلا أن أحد أصحاب محل ألبسة معروف دهش من موضوع الحملة، وقال إن معظم أصحاب المؤسسات الواردة أسماؤهم هم من أصدقائه، ويعلم أن بعضهم أمضى شبابه في الدول الأوروبية ولا يعلم من ينتمي إلى هذه الطائفة أو يدعم هذا الحزب أو ذاك، وأشار إلى أنه مثلاً لديه 600 موظف في شركته في بيروت، لا يعلم انتماءهم الطائفي ولا يهمه هذا الموضوع، وأن المراكز في شركته تتوزع بحسب كفاءة الموظفين، حتى إن السيرة الذاتية التي يتقدم بها الموظفون للعمل لديه لا تتضمن إيراد الطائفة أو المذهب، وشدد على أن فروع مؤسسته تتوزع في كل المناطق اللبنانية من دون تفرقة، ولا يجوز مثلاً أن يورد أحدهم اسم شركته في هذه اللائحة أو في لائحة مضادة، لكون هويته تحمل اسم طائفة معينة.


عدد الثلاثاء ٢٠ أيار ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق