13‏/2‏/2009

«التجارة العادلة»: مناورة الفقراء لمواجهة العولمة!


أهدافها تسويق منتجات الدول النامية في الأسواق الأوروبية
خلال الندوة (مروان بوحيدر)خلال الندوة (مروان بوحيدر)
«التجارة العادلة»، آلية تقوم على تسويق منتجات مزارعي الدول النامية وحرفييها في أسواق الدول الكبرى، على أن يدفع المستهلك حوالى 15 في المئة زائدة عن قيمة المنتوج لمساعدة المنتجين... ولكن أليس من الأجدى دراسة مساوئ سياسات التجارة العالمية والضغط من أجل تغييرها بدلاً من مناورات تبقي على الاختلالات الاجتماعية الناتجة منها؟

رشا أبو زكي
تقوم التجارة العادلة على مبادئ أساسية هي الحوار والشفافية والاحترام، وفي المفهوم العملي، يرتكز هذا النوع من التجارة على خفض عدد الوسطاء بين المنتج الصغير والمستهلك، بحيث تستلم منظمة أو جمعية غير حكومية واحدة عملية شراء السلع من جمعية زراعية أو حرفية بأسعار عادلة، وتسوّقها في الأسواق الخارجية، على أن يدفع المستهلك هناك بملء إرادته بين 10 و15 في المئة قيمة زائدة على سعر المنتج، بهدف دعم المنتجين الصغار وغالبيتهم من الدول النامية... المبدأ إنساني في ظل التوحش الرأسمالي القائم، ولكن هل هناك ما يسمى تجارة عادلة؟ وإغلى أي مدى يمكن الكلام عن مقاييس اجتماعية وأخلاقية في التجارة في زمن منظمة التجارة العالمية، وفي ظل الهوّة الحاصلة بين دول الشمال والجنوب؟ لا بل من يضمن للمزارعين والحرفيين الصغار أن لا يكون هدف التجارة العادلة أسلوباً آخرَ من التكتل المؤسساتي، بحيث تصبح مؤسسة واحدة تحتكر تصدير المنتجات إلى المستهلك، وتتحكم بعائدات التصدير وتحجبه عن المزارعين كما حصل في جنوب أثيوبيا مثلاً؟... لا أحد يمكن أن يقدم أجوبة مقنعة عن هذه الأسئلة، لا بل إن أحداً لا يمكنه أن يؤكد أن التجارة العادلة قادرة على تحقيق مبادئها حقاً... هذا ما يمكن استنتاجه من ندوة نظمتها «مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي»، بالتعاون مع منظمة دلتا تحت عنوان «التجارة العادلة ــــ الفرص والتحديات للتعاونيات النسائية الريفية» في فندق كراون بلازا أمس.

■ عدالة في زمن الفوضى؟

«الضجة الكبرى»، «صنع بكرامة»... وغيرها من المصطلحات التي جعلت من التجارة العادلة قضية عدد من المنظمات غير الحكومية، التي جعلت من هذا النوع من التجارة طريقاً التفافية على أزمة التجارة الدولية التي تقوم على مبادئ تنمية أعمال الدول الكبرى على حساب الدول الفقيرة، وقد رآها العديد من الناشطين في مجال مناهضة العولمة إبرة تخديرية غير نافعة لمنتجي دول العالم النامي ومصدريه، كونها تمتص نقمة الفقراء على الدول المتحكمة بالأسواق العالمية، وتميّع فكرة التغيير الجذري أو حتى التدريجي لسياسات التجارة الدولية... هذه الأفكار كانت غائبة عن نقاشات ندوة «مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي» التي اقتصرت المحاضرات التي ألقيت فيها على عرض فكرة التجارة العادلة من دون التعمق في نتائجها...
فـ«السوق هو من يفرض مبادئه» كما تقول بيندكت ألورت من شبكة النساء في التنمية ــــ أوروبا، التي ترى أنه يجب خرق هذه المبادئ عبر تعميم فكرة التجارة العادلة التي تعمل على خفض عدد الوسطاء بين المنتج الصغير والمستهلك لزيادة أرباح المنتج، في حين أن الوسيط بينهما يستخدم جزءاً من عائدات تصدير المنتجات والمبيعات على مشاريع تنموية، وخاصة تربوية، كما يقوم هذا النظام على مساعدة المنتجين الصغار في تصريف إنتاجهم في أسواق الدول الكبرى عبر حصول هذا الإنتاج على شهادة التجارة العادلة التي تمنح من عدد من المنظمات الدولية المعنية، في حين يحصل المنتج على سعر عادل.
ولكن من يستفيد من مكاسب التجارة العادلة التي تقوم على رفع القليل من الظلم وعدم المساواة عن الدول الفقيرة، كما يقول مسوّقو هذه الفكرة؟ إذ إن الدكتور حسن مشلب من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يوضح أن كلفة الحصول على شهادة التجارة العادلة التي تخوّل منتجات الدول النامية دخول أسواق الدول الكبرى مرتفعة جداً، وخصوصاً أن هذه الشهادة أو العلامة المميزة تمنح لمنظمات أو جمعيات حرفية أو زراعية تتمتع بمعايير التجارة العادلة. فمنظمة «فلو» مثلاً تطلب من التعاونية رسوماً مرتفعة للحصول على الشهادة، تبدأ بـ250 يورو لإرسال الطلب، ورسم أولي لمنح الشهادة بقيمة 400 يورو، إضافة إلى مبلغ يراوح بين 1400 يورو و3400 يورو يومياً لقيام فريق من المنظمة بالإجراءات التدقيقية اللازمة، و200 يورو تدفع على الشهادة الواحدة لكل منتج، و200 يورو رسم معالجة وتركيب. ويعطي مثالاً على ذلك أن تعاونية نسائية تتألف من 20 عضوة و5 عمال وتنتج 3 سلع تحتاج إلى 2250 يورو للحصول على شهادة!

■ عدالة الاحتكار!

عبارة «استبعاد التجارة العادلة أوتوماتيكياً، كل شخص يبحث عن تحقيق الربح الشخصي على حساب الآخرين» ليست دقيقة كلياً، فرئيس جمعية التجارة العادلة، ليبانون فيليب العضيمي، يلفت لـ«الأخبار» إلى أنه من حيث المبدأ ليس هناك ما يسمى تجارة عادلة، ولكن هذا المصطلح أخذ بعداً جديداً في الستينيات في بعض الدول الأوروبية وفي عام 2003 في لبنان، حيث أصبح يهدف إلى تحقيق مبدأ دفع أجر عادل للمنتج وقيمة عادلة للمنتوج، كما أنه لا يمكن استبعاد فكرة احتكار التصدير عن آلية تنفيذ التجارة العادلة، «فهنا يكمن التحدي»، كما يلفت إلى تجارب عديدة تحوّلت عن الأهداف الحقيقية للتجارة العادلة، لتصبح بعض المؤسسات غير الحكومية الوسيطة بديلاً من الوسطاء التجاريين العاديين، مشيراً إلى أن الحل هو في أن نشر التوعية بين المنتجين للتعامل مع مؤسسات وجمعيات ذات ثقة ولا تبغي الربح فعلاً.
وعن تجربة جمعيته يقول إنها تعمل في عدد من المناطق اللبنانية، وخصوصاً البعيدة منها، لإدخال منتجاتها في منظومة التجارة العالمية، بحيث تقدم الجمعية 30 إلى 35 في المئة من قيمة الطلبية إلى المنتج لتأمين المواد الأولية اللازمة، وبعد التصنيع يُدفع ما بقيَ من قيمة المنتج العادلة، ويلفت إلى أن الجمعية تعمل عبر قنوات التجارة العادلة في أوروبا وكندا، بحيث يدفع المستهلك هناك بين 10 و15 في المئة زائداً على قيمة المنتج، يذهب 5 في المئة من قيمة المبيع لتمويل الجمعية، و5 في المئة إلى جمعية مار منصور التي تعمل على شراء أدوية ومستلزمات أساسية لسكان المناطق التي نعمل بها. ويلفت إلى أن العمل في التجارة العادلة يتطلب الشفافية، إذ إن جمعية التجارة العادلة تتعامل مع جمعية فرنسية «آرتيزانا سيل»، تدقّق في التزام المنتجات المصدرة بمعايير التجارة العادلة وتجري مقابلات مع المستفيدين.
معرض المنتوجات الريفية في بيال (هيثم الموسوي)معرض المنتوجات الريفية في بيال (هيثم الموسوي)ويشير إلى أن 18 منتوجاً لبنانياً حصلت على شهادة خاصة للتجارة العادلة من الجمعية الفرنسية، لا شهادة عامة، وتسوق هذه المنتجات في أكثر من 300 محل في أوروبا، أما الشهادات العامة من منظمة «فلو» الدولية فهي بعيدة المنال، لأن هذه المنتجات لا تتوافر بكميات كبيرة، كما أنه ليس هناك أي منتوج في الشرق الأوسط قد حصل على شهادة «فلو» للتجارة العادلة. ويقول العضيمي إنه في عام 2006 شُحن حوالى 110 آلاف دولار من المنتجات المحلية في إطار التجارة العادلة، وفي عام 2007 بين 80 و90 ألف دولار. أما هذا العام فمن الممكن أن تتخطى قيمة الشحنات 120 ألف دولار.



مجرد إشارة

قلة معرفة

تعمل «مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي» مع التعاونيات النسائية الريفية منذ عام 2002، من خلال تقديم أشكال مختلفة من الدعم والمواكبة، وتمكينها عبر التدريب وبناء القدرات، وخصوصاً في مجال إعداد دراسات الجدوى ودراسة الأسواق، وتحسين الإنتاج والإدارة، فضلاً عن اكتساب مهارات التواصل والتفاوض والقيادة والإدارة. وبيّن الاستقصاء الذي قامت به المجموعة للحاجات الطارئة للتعاونيات النسائية الريفية بعد حرب تموز، أهمية تحديد أسواق تصريف جديدة وفتحها لمواكبة عملية نهوض تلك التعاونيات. في هذا الإطار، تقرر استكشاف الفرص التسويقية التي تتيحها التجارة العادلة لارتباط قيمها بالمساواة القائمة على أساس النوع الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية، والحفاظ على البيئة. وتشير المجموعة إلى أن تجربة لبنان في مجال التجارة العادلة لا تزال يافعة، وقد أشار البحث الاستقصائي الميداني الذي قامت به «مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي» إلى قلة المعرفة إجمالاً بمبادئ التجارة العادلة وآليات عملها.


عدد الاربعاء ٢٦ حزيران ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق