5‏/2‏/2009

سامي حداد: لقد فشلنا في بناء وطن... وحكومتنا لم تفعل الكثير

 لا نستطيع دعم الإنتاج في دولة غير قادرة على التمويل

(تصوير: بلال جاويش)(تصوير: بلال جاويش)

رشا أبو زكي


لو أن هناك جائزة تمنح لأكثر الوزراء صراحة، لكان وزير الاقتصاد والتجارة سامي حداد قد فاز بها من دون منازع... فهذا الرجل «النيو لبرالي» ليس لديه اي استعداد للمناورة في طرح أفكاره، أو تجاوزها مهما بلغت المعارضة لها، أو مهما كان تأثيرها سلبياً على شرائح وفئات محددة، فهو ضد زيادة الأجور، ومقاوم عنيد لأفكار ترمي إلى تحديد الأسعار أو الأرباح، ويقف في مواجهة مشاريع دعم الإنتاج وحمايته، ولا يتردّد في دعوة المنتجين إلى الهجرة حيث الأكلاف اقلّ!

أطلق وزير الاقتصاد والتجارة سامي حداد جملة واسعة من المواقف في هذه المقابلة التي أجرتها «الأخبار» معه منذ ايام قليلة، اي في غمرة الاستياء الشعبي من ارتفاع الاسعار... فقال إنه ليس هناك اي خطة لتفعيل مصلحة حماية المستهلك، وهو لا يؤمن أصلًا بقدرتها على المراقبة لأن المشكلة في تطبيق القوانين لا في عدد المراقبين... باختصار قال حداد إن الحكومة الحالية لم تفعل الكثير، وأهم من كل ذلك، فقد فشلت في بناء وطن.
فيما يأتي نص المقابلة مع حداد:

فراغ رقابي

  • يعدّ عدد المراقبين في مصلحة حماية المستهلك قليلاً، كيف يسهم ذلك في الفوضى القائمة في الأسعار؟
  • ـــــ في المصلحة نحو 30 مراقباً، وهناك مشروع لزيادة العدد، مع أن لدي فكرة أحاول بلورتها عملياً، هي أن يكون لدينا عدد محدد من المراقبين الذين لديهم خبرة وأن يساعدهم جيش من الطلاب الجامعيين، لكن تعترضنا في تنفيذ هذه الفكرة عقبات قانونية وتنظيمية عدة. وأتمنى أن نستطيع تحقيق فكرة من هذا النوع.

  • بين المراقبين الثلاثين نحو 20 مراقباً سيتقاعدون بعد نحو سبعة أشهر؟
  • ـــــ هذا صحيح، ولا شك في وجوب زيادة القدرة الرقابية، لكني لست مقتنعاً بأن العدد سيحل المشكلة. ولا أعتقد أن الدولة تستطيع توظيف 200 مراقب جديد لحماية المستهلك.

  • هل تعتقد أن 10 مراقبين يستطيعون السيطرة على الأسواق في المناطق اللبنانية كلها؟
  • ـــــ كلا لا أعتقد أن عدد المراقبين كاف لمراقبة الأسواق، ويستطيع المواطن اللجوء الى المصلحة، التي ستهتم بالشكاوى، لكنها لن تحمي المواطن من كل شيء، اذ هناك اجهزة رقابية في الوزارات الأخرى، وحماية المستهلك تحتاج الى عمل معمّق. ولا نستطيع القول إن الوضع كامل، إذ يجب أن يتحسن.

  • هل ثمة خطة لتدارك الفراغ في المصلحة خلال الأشهر السبعة المقبلة؟
  • ـــــ أنا انسان صريح أقول إنه لا يوجد أي خطة لتدارك الموضوع في المستقبل القريب.

  • ماذا عن النقص الكبير في مصلحة حماية الملكية الفكرية؟
  • ـــــ لا خطة لتحسين الوضع، وكل هذه الأمور مهمة وأراها تقريباً مقدّسة، لكن حلها ليس في زياة العدد، بل في أن تنفذ الدولة اللبنانية القانون في العديد من الأمور، إذ إن 90 في المئة من اللبنانيين يسهمون في سرقة القنوات الفضائية التلفزيونية، لأن هناك أشخاصاً يوزعون القنوات على المواطنين بطريقة غير شرعية، وهذا لا يتطلب تحركاً من مصلحة حماية الملكية الفكرية، بل يحتاج الى تحرّك النيابة العامة لقمع المخالفين، غير أنها لا تتحرك لأن الدولة ضعيفة، ولأن بعض المخالفين مدعومون سياسياً.

    إجراءات حمائية غائبة

  • في ظل هذا الوضع السيئ لماذا لا يتم تحديد سقف الأسعار وهامش الأرباح، وإعادة العمل بالسلة الاستهلاكية؟
  • ـــــ جوابي صريح جداً، انا لست مؤمناً بكل هذه الإجراءات. فتحديد السعر في ظل غياب مراقبة الدولة لا يجدي نفعاً، وتحديد هامش الأرباح يهرّب المستثمرين، فيما تحديد سعر ربطة الخبز مثلاً، عند الـ 1500 ليرة، يفيد المليونير مثلما يفيد ذوي الدخل المحدود، لذلك فهذا الإجراء لا يستهدف فقط الفقراء ومتوسطي الدخل، ومع أن حماية هذه الشرائح هدف نبيل، فهو يحتاج الى تمويل من خزينة الدولة، أي من جيوب الفقراء أنفسهم، وبالتالي فإن الحل لا يكون بتحديد الأسعار.

  • لكن ألا يسهم تحديد السعر بكبح جماح الأسعار، وألا يساعد المراقبين على تحديد المخالفات بسهولة؟
  • ـــــ لا تستطيع الدولة اللبنانية القيام بذلك، فهذا يحتاج الى عدد كبير من المراقبين. كذلك، بخلاف ما يشاع، يظهر المؤشر العام للأسعار الصادر عن الاحصاء المركزي انخفاض الأسعار 2،2 في المئة في النصف الأول من العام الجاري، وانخفاض مؤشر المواد الغذائية بنسبة 9،3 في المئة. فيما ترتفع الأسعارفي شهر حزيران 2007 بنسبة 2،7، لذلك لا يجب المبالغة. فالارتفاع في الأسعار بسيط.

  • لكن مؤشر الإحصاء المركزي لا يتطلع الى تكاليف اساسية في حياة المواطن مثل الايجارات والمياه والكهرباء والغاز والمصاريف الخاصة بالمسكن، وأيضاً مؤشرات الصحة والنقل والاتصالات قد ارتفعت خلال هذه الفترة؟
  • ـــــ سأبحث في هذا الموضوع. أنا لست «أهبل» لأقول إن أسعار مشتقات الحليب واللحوم وبعض المواد الغذائية لم ترتفع. لكن الارتفاع لا يطال 90 في المئة من المواد الغذائية مثلما يشاع.

  • ما الحل إذن لخفض الأسعار؟
  • ـــــ أنا لست مؤمناً بالإجراءات الحمائية، فنحن نريد خفض الاسعار لكن عبر المنافسة وتشجيعها الى الحد الأقصى، وقد أعددت مشروع قانون المنافسة الذي يوجد هيئة رقابية مهمة ويسهم في تحسين الاوضاع. يجب إيجاد لجنة أسعار وحماية مستهلك ودعم مادي مباشر لذوي الدخل المحدود، وعلم وطبابة مجانية، هكذا ندعم الفقراء وليس بتحديد الأسعار، الذي يؤدي الى اختفاء البضائع.

    منافسة وتجمعات احتكارية!

  • لماذا تأخّر إصدار قانون المنافسة؟
  • ـــــ لقد تحول الى مجلس الوزراء، وخلال اسبوعين ستأتي عليه الملاحظات وأتمنى ان يتم اقراره. وهذا القانون يثبت الاسعار، وأرجو ان يخفضها. فالمشكلة ليست في حماية المستهلك بل في تطبيق القانون.

  • دائماً تتحدث عن المنافسة، فيما نجد عملياً تعزيزاً للكارتيلات، ومنها المطاحن مثلاً، فلماذا هذا التناقض؟
  • ــــ هل أنا مسؤول عن كل التجمّعات الاقتصادية والكارتيلات؟

    وهل أنا سأحل المشاكل الاقتصادية في لبنان؟

    «يا ريت» لكنني لست قادراً. وقد عملت على ملف قطاع المطاحن والافران، ففتحت باب الاستيراد للجميع، وسمحت بالترخيص لكل من يريد استيراد الطحين والقمح. ولم يأت أحد يريد الاستيراد ومنعناه.

  • ألا تعتقد أنه يوجد كارتيل مطاحن وأفران؟
  • ــــ ثمة نحو 18 مطحنة، واذا كان هذا «كارتيل»، فماذا تطلبون أن افعل؟

    لقد فتحت باب المنافسة، ومن يرد أن يفتح مطحنة فلن أمنعه.

    بحبوحة من المال العام

  • لقد قلت في اجتماع مع مسؤولي المطاحن والأفران إن الطحين المخصص للرغيف لا يتعدى 30 في المئة من حجم واردات القمح، فلماذا دعمت 50 في المئة من هذه الواردات؟
  • ـــــ أولاً ليس لدي رقم دقيق يشير الى كمية القمح التي تستخدم في صناعة الخبز العربي. وهناك افران تصرّح لصندوق الضمان الاجتماعي عن هذا الموضوع، وبناء على التصاريح تبين أن 20 في المئة من القمح يخصص للخبز العربي. والأرجح ان الرقم الصحيح هو بين 30 و40 في المئة، وسبب دعم 50 في المئة من الواردات، أنه بعد الاجتماع الذي ذكرته، خرج احد اصحاب المطاحن وأصر على دعم 90 في المئة من القمح، وهذا غير معقول، لذلك اخترت رقم 50 في المئة لأنه رقم وسطي بين الـ20 والـ90 في المئة. أنا «بحبحت» الدعم لتفادي المشاكل، ورغم «البحبحة» لا تزال المشاكل قائمة مع الافران والمطاحن.

  • لكن الدعم الإضافي الذي «بحبحته» هو من المال العام؟
  • ـــــ نعم إنه من المال العام، وأنا أخذت هذا القرار وأتحمّل مسؤوليته، لأنني كنت سأواجه أزمة مع المطاحن. وأقول إن دعم 50 في المئة من الواردات كثير، وأنا صريح في هذا الموقف، لكن كان يجب أن أتخذه.

  • لقد شهدت ولايتك خفض وزن ربطة الخبز، أي رفع سعرها، لماذا؟
  • وهل حماية المستهلك تراقب الأوزان؟

    ـــــ حماية المستهلك لا تراقب كل رغيف خبز. وقد خفضت الوزن وزدت سعر الخبز لأن الافران هددتني بالإضراب. وأنا مسؤول عن كلامي. وهذا الموضوع لا أفتخر به، وأتحمل مسؤوليته كلياً. فقد «كسرت» رأسي في هذا الموضوع.

    لا زيادة في سعر البنزين

  • ما دمنا في جو الاحتكارات، ماذا عن كارتيل البنزين؟
  • ـــــ يمكن أن يكون هناك احتكار في هذا القطاع، لكن ماذا أستطيع ان أفعل؟

    . أنا لست ملمّاً بهذا القطاع، لكن الارباح الإضافية على البنزين مؤسفة.

  • هل سترفع الدولة سعر البنزين وفق تقرير صندوق النقد الدولي؟
  • ـــ مع تحديد سقف سعر البنزين وارتفاع الاسعار العالمية بدأت تنخفض ايراداتنا من الرسم الموضوع على هذه المادة لتصبح شبه معدومة حالياً، ومن الواضح أن السعر لن يرتفع حالياً لأسباب اجتماعية وسياسية وأمنية، إذ كان المفروض رفع السعر قبل نهاية السنة، لكن ستنتهي ولاية الحكومة قبل القيام بهذا الإجراء، إلا أن هذا الموضوع يؤثر سلباً على المالية العامة. وأنا أقترح تفعيل قطاع النقل المشترك قبل رفع اسعار البنزين.

  • هذا يؤثر كذلك على أكلاف الإنتاج؟
  • ـــــ هذا موضوع لا مهرب منه.

    الحد الأدنى للأجور لن يتغيّر!

  • هل ثمّة اجراء لرفع الحد الأدنى للأجور؟
  • ـــ كلا لن نزيد الحد الأدنى للأجور، وأعتقد أنه لا يوجد الكثير من المواطنين الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور، وأنا لا أؤمن بالحد الأدنى فهو شيء رمزي. ولن نستطيع القيام بهذا الإجراء إلا بالاستدانة أو زيادة الضرائب.

  • لكن تثبيت الحد الأدنى في ظل التضخم يؤثر على الرواتب خصوصاً في القطاع العام الذي يضم عدداً كبيراً من اللبنانيين؟
  • لذلك يجب جذب الاستثمارات وخصخصة المرافق من الكهرباء والاتصالات وطيران الشرق الاوسط، وذلك لزيادة فرص العمل وتحريك الاقتصاد، هكذا يمكن حل هذه المشاكل الاجتماعية. وأريد أن أشير الى أن المدير العام للـ MEA محمد الحوت وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة مخطئان كثيراً بعدم خصخصة الـ MEA، فأنا لا أريد طرح 25 في المئة من أسهم الشركة بل 100 في المئة. لقد اعطينا احتكار لهذه الشركة والمطار «يصفّر». اريد المنافسة ولا اريد الاحتكار. كذلك ليس هناك مصرف مركزي في العالم يملك شركة طيران، ولا رغبة في خصخصة الميدل إيست.

    ليذهب الصناعيون الى الخليج!

  • لماذا لم يطبق قانون حماية الإنتاج الوطني حتى الآن؟
  • ـــــ قانون حماية الانتاج الوطني أقرّه مجلس النواب، وننتظر المرسوم التطبيقي الموجود على جدول اعمال جلسة مجلس الوزراء المقبلة، والمسألة برأيي لا علاقة لها بما اذا كنت احب لبنان واحب صناعته او زراعته، فأنا لست منحازاً ضد هذه القطاعات أو معها، وأعتقد ان هذا القانون سيرفع الاسعار.

  • هل تطبّق هذا القانون وهو ضد ارادتك؟
  • ـــ كلا فهو يتضمن اجراءات منظمة للحماية. لكنني أريد المنافسة في لبنان وكل العالم، وعندما أحمي قطاعاً ما، فهذا يعني زيادة الرسوم الجمركية التي تنتج زيادة في الاسعار.

  • لكن هناك دول تدعم انتاجها وتنافسنا في أسواقنا؟
  • ــــ في السعودية ومصر يوجد بترول وغاز مجاناً، لذلك هناك دعم، وانا ليست لدى هذه المواد الأولية ولذلك لا استطيع دعمه، وإذا كانت اكلاف الانتاج هناك أرخص فليذهب الصناعي الى هناك، انا لا أستطيع دعم الانتاج في دولة ليست قادرة على التمويل.

  • ما هي ابرز مشكلة اقتصادية في لبنان؟
  • ـــــ مشكلة الكهرباء وطنية وتطال الجميع، هذا الموضوع ضخم جداً، وهذا دليل اضافي على أننا منذ الاستقلال وحتى الآن فشلنا في بناء وطن، فالكلام على المشاكل الوطنية التي ليست لها صبغة طائفية أو سياسية شبه معدوم.

  • هل الحكومة فشلت كذلك في حل الأمور الاقتصادية والاجتماعية الأخرى؟
  • ـــ من الناحية الفعلية أقول «يا ريت أستطعنا ان نعمل اكثر»، إذ لا نتائج ملموسة على الأرض، نحن مللنا الخطط ونريد التنفيذ.


    عدد الاثنين ١ تشرين الأول ٢٠٠٧

    ليست هناك تعليقات:

    إرسال تعليق