13‏/2‏/2009

لبنان يبحث عن «ذهبه الأسود»



مشروع قانون النفط على نار حامية... وكذلك مؤسسة النفط

التنقيب عن النفط في قبالة شواطئ لويزيانا (ألكس براندون ــ أ ب)التنقيب عن النفط في قبالة شواطئ لويزيانا (ألكس براندون ــ أ ب)مؤشرات وجود النفط أو الغاز على الشاطئ اللبناني إيجابية، والدراسات تنهال على لبنان أرقاماً وآمالاً، فالمسافة الممتدة بين عكار والبترون، وبين بيروت وصيدا، من الممكن أن تمثّل منبعاً للبترول اللبناني... أما التأكيد العلمي فينتظر إقرار القانون الناظم!

رشا أبو زكي
دخلت قضية التنقيب عن النفط في عمق الشاطئ اللبناني مرحلة البحث الجدي، إذ بعد تنفيذ العديد من الدراسات المتصلة التي تشير إلى احتمالات واسعة لوجود الغاز أو النفط أو كليهما معاً في أعماق البحر قبالة الشاطئ اللبناني، تعمل وزارة الطاقة والمياه على إعداد مشروع قانون للنفط من المحتمل إقراره قبل نهاية ولاية الحكومة الحالية... وقصة التنقيب بدأت منذ الستينيات، وقد أهمل هذا الملف بسبب ارتفاع كلفة استخراجه في ذلك الحين، إلا أن اكتشاف موارد نفطية في البحر المتوسط كما هي الحال على الشواطئ التركية والقبرصية وغزة التي تُعتبر امتداداً للشاطئ اللبناني، أعاد الملف إلى طاولة البحث، فتقاذفه المد السياسي والجزر الحكومي مرّات عديدة، إلى أن رسا على الواقع التشريعي، بحيث ارتبطت عملية المباشرة الجدية بعملية البحث بإقرار قانون خاص بالنفط يمثّل الأسس الناظمة لعملية التنقيب واستغلال الموارد في حال وجودها.

■ تحديد مناطق التنقيب

وقد راوح ملف النفط اللبناني بين تأكيد وتشكيك، ولف الغموض العديد من نتائج الدارسات التي نفّذها عدد من الشركات الأجنبية، إلى أن جاء التأكيد على لسان وزير الطاقة والمياه سابقاً محمد عبد الحميد بيضون، الذي أعلن في عام 2004 أن شركة إنكليزية نفذت مسحاً على الشاطئ اللبناني، وبيّنت وجود طبقة من النفط غير مهمة اقتصادياً، ولكنها تبعث الأمل بإمكان العثور على كميات تجارية. سلسلة التأكيدات انتقلت من حكومة إلى حكومة، ومن وزير إلى آخر، بحيث أعلن الوزير السابق للطاقة بالوكالة محمد الصفدي، في كانون الثاني الماضي، أن وجود نفط أو غاز «أو الاثنين معاً» في لبنان بات «مؤكداً»...
وقد جاء هذا التصريح بعد صدور نتائج الدراسة ذات البعدين التي نفذتها الحكومة اللبنانية بمساعدة الحكومة النروجية، ودراسة أخرى ثلاثية الأبعاد قامت بها شركة «بي جي أس» النروجية المتعاقدة مع وزارة الطاقة والمياه لمدة 7 سنوات، وقد بيّنت هذه الدراسات إمكانية مرتفعة للعثور على النفط أو الغاز. وبحسب مهندس «بي جي أس» المشرف على حملة التنقيب هلغ سمب، فقد جرى مسح 1528 كيلومتراً مربعاً، على عمق 1200 إلى 1500 متر في البحر. كما جرى مسح 700 كلم مربع، على عمق 1000ـــ1500 متر. وبحسب الدراسة، تمّ التوصل إلى وجود إشارات نفطية في المياه الساحلية الشمالية اللبنانية الممتدة من منتصف عكار ـــ طرابلس حتى البترون بحراً، وأخرى من بيروت وصولاً إلى صيدا. إضافة في المنطقة الاقتصادية البحرية الواقعة بين لبنان وقبرص.

■ مسودة السياسة النفطية

هذه المعلومات بقيت غباراً في الهواء، إذ إن بدء أعمال الحفر والتنقيب يحتاج إلى قانون، إضافة إلى العديد من القيود الناظمة، أهمها الترتيب التجاري لتنظيم عقود الشركات العالمية للتنقيب عن النفط، والاتفاق على ما إذا كانت الحكومة ستقوم بذلك أم ستنشأ شركة وطنية للنفط لتكون المسؤولة عن العقود... وفي هذا الإطار أعد خبراء محليون بطلب من الحكومة السابقة مسودة للسياسة النفطية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه اللبنانية، حصلت عليها «الأخبار»، وقد نصّ أول بنود المسودة على أن «مصادر النفط والغاز هي ملك الدولة اللبنانية، وسوف تستخدم بما يحقق المنفعة العامة»، وقد أكدت في بندها الثاني أنه لم يثبت حتى الآن وجود النفط أو الغاز في لبنان، غير أن مستلزمات تكوّنهما تؤكدها عمليات المسح السيزمي وجيولوجية الحوض المشرقي، كما تدعمها الاستكشافات النفطية في الدول المجاورة. وبما أن درجة المجازفة وكلفة عمليات التنقيب في المياه تُعتبران مرتفعتين في المرحلة الأولى، دعت المسودة إلى جذب الشركات العالمية المقتدرة تقنياً ومادياً للقيام بعمليات التنقيب.
أما في حال اكتشاف مصادر تجارية من النفط والغاز، فدعت المسودة إلى أن تستعملها الدولة بناءً على الخيار الأكثر فائدة للبلد، والخيارات التي طرحتها ثلاثة وهي: إما أن تُوظّف المصادر البترولية كلياً في السوق المحلية، أو أن تُصدّر كلياً من أجل زيادة إيرادات الخزينة، وإما استهلاك جزء من هذه المصادر في السوق المحلية على أن يُصدّر الجزء الآخر...
وقد دعت هذه المسودة إلى إنشاء «الهيئة المعتمدة لإدارة القطاع النفطي»، تحدد تسميتها ومهماتها التفصيلية في قانون النقط والغاز المزمع إقراره. أما في ما يتعلق بالتصرّف بالعائدات الناتجة من النفط والغاز في حال وجودهما، فهي بحسب المسودة إما استخدامها في عملية تقليص الدين العام، وإما إيداع جزء من هذه العائدات أو كلها في صندوق توفير خاص...

■ مشروع طويل الأمد

إلا أن المتأملين من عائدات النفط اللبناني، إذا وجد، سينتظرون سنوات قبل رؤية «الذهب الأسود»... إذ يقول وزير الطاقة والمياه ألان طابوريان لـ«الأخبار» إن الوزارة تعمل حالياً على إعداد مشروع قانون للنفط سيطرح في مجلس الوزراء ليحوّل بعدها إلى مجلس النواب لإقراره، ويلفت إلى أن نتائج الدارسات لم تتغير، إذ لا يزال الطرح يشير إلى أن هناك «شيئاً»، وهناك إمكانية لاكتشاف الغاز أو النفط أو كليهما، ولذلك فمن المهم الوصول إلى إعداد مشروع قانون مركّز للنفط والغاز، بحيث يتضمن بنوداً أساسية للعمل.
ويلفت طابوريان إلى أن الاتجاه الآن يسير نحو اقتراح إنشاء «مؤسسة وطنية للنفط» أو هيئة شبيهة بها، وذلك لتأمين جهة ناظمة لموضوع التنقيب ومن بعده تنظيم القطاع إذا اكتُشفت المصادر النفطية، مشدداً على أهمية الإفادة من الخبرة النروجية في هذا الإطار، ويفيد بأن وفداً من الخبراء النروجيين يزور لبنان حالياً، بهدف عقد اجتماعات على مدى ثلاثة أيام تتعلق بعمليات التنقيب...
ولكن، ما هو المقابل الذي ستحصل عليه شركات التنقيب؟ إذ على الرغم من النصائح التي تدعو إلى عدم تسليم موضوع التنقيب إلى المؤسسات الخاصة عبر عقود طويلة الأمد، أشار طابوريان إلى أن تنفيذ التنقيب سيكون على يد شركات عالمية، على أن يكون للدولة حصة من العائدات. أما الفترة المحددة لبدء استخراج النفط، فهي ستمتد «لسنوات وسنوات»، وحتى لو أقر القانون اليوم فإن الحصول على معدات التنقيب يحتاج إلى سنة أو سنتين، ويعود ذلك إلى ندرة الآلات المتوافرة في الأسواق، وكلفة التنقيب والاستخراج.



30 مليون دولار

هو حجم النفقات التي صرفتها شركة «بي جي أس» على الدراسات والمسوحات التي قامت بها أمام الشاطئ اللبناني، وهذا الرقم دليل إضافي على ترجيح احتمال وجود النفط أو الغاز في لبنان



ماذا عن مصفاتَي النفط في لبنان؟

يلتصق مشروع اكتشاف النفط والغاز في لبنان بتأهيل مصفاتَي النفط في طرابلس والزهراني، وخصوصاً أن الاهتراء وصل في المصفاتين إلى حد التدمير. أما كلفة بناء مصفاة نفط جديدة فهي توازي 1.7 مليار دولار تقريباً، وتشير المعلومات المتوافرة إلى أن حالة الاهتراء التي تأكل مصفاتي النفط تعود الى أسباب سياسية بحتة، وذلك لتنمية مصالح ضيقة تسيطر على كارتيل النفط في لبنان... وإن كانت الدولة قد وُضعت أمام الأمر الواقع وباشرت مشروع اكتشاف النفط أو الغاز الذي يمثل التهديد الأكبر لشركات استيراد النفط، فإعادة تأهيل المصفاتين عملية أصبحت سهلة وتستحق النقاش...


عدد الاربعاء ١٥ تشرين أول ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق