3‏/2‏/2009

هل من مكان لجمعيات المستهلك في بلد الفساد؟


المستهلكون لا يعرفون حقوقهم (بلال جاويش)المستهلكون لا يعرفون حقوقهم (بلال جاويش)رشا أبو زكي

•التهديدات والضغوط لا تنتهي... والمواطن ممنوع من المساءلة!
إذا كان المجتمع المدني لا يأبه للمطالبة بحقوقه، فكيف تكون الحال بالدولة، التي تتملص عاماً بعد عام من دورها الرعائي؟ وماذا عن أصحاب رؤوس الأموال والمحتكرين والمافيات التي تتحكم بالمفاصل الاقتصادية والاجتماعية في لبنان؟ وفي ظل واقع كهذا أي دور يكون لجمعيات المستهلك؟ وهل مَن يحميها بعد إشهارها حالات الفساد التي لا تنتهي؟

الـ«أنا» هي أساس حراك الأفراد في المجتمع اللبناني، فالفردانية الطاغية تتمثل بشعور اللبناني بأنه إمبراطورية قائمة بذاتها، ولا مجال للقيام بالمنفعة العامة، إذا كانت الخاصة مضمونة. هذا التوصيف الذي عبّرت عنه الدكتورة الجامعية والباحثة الاجتماعية نهوند القادري في حديث مع «الأخبار» يعبّر عن حالة التغريب التي يعيشها المواطن اللبناني والتي تقضي على واجب المساءلة والمحاسبة لديه، ما يدفعه إلى عدم اللجوء إلى الجمعيات التي تدافع عن قضاياه الاجتماعية والمعيشية، للشكوى أو لتغيير ظروفه المتدهورة، فتكون النتيجة أن يبقى المستهلك في قوقعة الـ«أنا»، دافعاً عن نفسه ضرورة انتشال نفسه، وبالتالي المجتمع من التبعية والانقياد بأحكام الوضع القائم إلى مستوى المواطنة الفاعلة والتغييرية...

قانون؟ من يعرفه؟

تشير المادة 67 من قانون حماية المستهلك إلى أن هدف جمعيات المستهلك الدفاع عن مصالح المستهلك وحقوقه، وتمثيل المستهلكين جماعياً ومجاناً لدى الهيئات والإدارات الرسمية والمحترفين (أي المؤسسات)، والتقاضي بهدف الحفاظ على حقوقهم، وجمع ونشر المعلومات والتحاليل والاختبارات والمقارنات المتعلقة بالسلع والخدمات وكيفية استعمالها، والقيام بحملات لتوعية المستهلكين وإرشادهم وإصدار مجلات ونشرات ومطبوعات وإعداد برامج إعلانية وإذاعية معدة للبث أو النشر عبر وسائل الإعلام... وهذا ما تؤكده المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة سنة 1985 التي دعت إلى وضع قانون متكامل يحمي المستهلك...
والمفاجأة في بلد الفساد المشرعن في الكثير من الحالات، أنه لا يوجد على الأراضي اللبنانية سوى جمعية واحدة للمستهلك، وهي مهمشة من جميع الأطراف المدنية والسياسية والرسمية. وقد شهدت هذه الجمعية أخيراً هجمة من كارتيل المطاحن والأفران، بعدما أدت مراقبتها لأوزان ربطات الخبز، واكتشافها حالات تخالف الزنة الرسمية، إلى تلقيها عدداً من الاتصالات، والدعاوى القضائية، إضافة إلى إقصائها من وزارة الاقتصاد والتجارة عن حضور الاجتماعات مع المعنيين بقطاع الرغيف!

دعاوى واعتراضات

وقد أوضح رئيس جمعية المستهلك لـ«الأخبار» أن قانون حماية المستهلك يعطي للجمعية الحق الكامل في جمع المعلومات التي تتعلق بالمستهلكين ونشرها، داعياً الذين ينكرون حق جمعية المستهلك في القيام بواجباتها، إلى أن يطلعوا على مضمون المادة 67. ويشير إلى أن الجمعية لم تستند في استقصائها إلى إفادات موزعي ربطات الخبز، إذ إنها كشفت عن زنات الربطات في جولة ميدانية قامت بها، ولديها لوائح بأسماء المحال والأفران التي قصدتها. ويلفت برو إلى أن الجمعية معنية بكيفية وصول السلعة إلى المستهلك، موضحاً أن النتائج التي أعلنتها الجمعية، أظهرت انخفاض الزنات بين 20 إلى 120 غراماً، وفي حالة أفران شمسين تبيّن أن زنة الربطة هي بين 1054 و1130غراماً، وبالتالي فإن الانخفاض هو بنحو 66 غراماً، وفي هذه الحالة لا يمكن صاحب المحل التجاري أن يكون قد نزع رغيفاً من الربطة، لأن زنة الرغيف هي 150 غراماً. وأشار إلى أن الجمعية لا تُعلم القطاع الخاص ولا الدولة بالجولات الميدانية التي تقوم بها، وهي غير ملزمة بذلك، بل دورها ينحصر بكيفية حصول المستهلك على حقوقه، مؤكداً دقة المعلومات التي أوردتها الجمعية.
ويشير برو إلى أن الجمعية تتعرض للعديد من الضغوط ومن جهات مختلفة، إذ ثمة فئة من القطاع العام والخاص تريد إسكات هذه الجمعية وطمس الحقائق، لافتاً إلى دعوى مقامة حالياً على الجمعية من أصحاب المطاحن، لأن الجمعية أوردت أن أصحاب المطاحن يمارسون نوعاً من الاحتكار! ويوضح برو أن الضغوط لا تقتصر على التهديد بالقضاء، إذ تصل إلى حد اتهام الجمعية بالتسييس، للنيل من سمعة الجمعية، علماً بأن الاتهامات هذه تتناقض في الاتجاهات، فإذا كان المتضرر من مناصري المعارضة، يأتي الاتهام أن الجمعية تابعة للموالاة، وبالعكس.

لا فساد... حقاً؟

وفي إطار الجمعيات التي تدافع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، يلفت اسم جمعية «لا فساد»، إلا أن الفكرة التي تتكون عن دور الجمعية في محاربة الفساد، يدحضها مدير الجمعية خليل جبارة،بين البائع والشاري (مروان طحطح)بين البائع والشاري (مروان طحطح) الذي يشير إلى أن هدف الجمعية ليس كشف حالات الفساد في لبنان، بل الضغط في سبيل القيام بالإصلاحات، لافتاً إلى أن الجمعية تقوم بحملات لتسويق مفهوم الشفافية، ويوضح أن الإشكال مثلاً ليس في المجلس النيابي، بل إن الجمعية تجد أن الأزمة الحقيقية هي قانون الانتخاب... مشيراً إلى أن عمل الجمعية ليس ملاحقة الفاسدين، بل الضغط لإنهاء هذه الحالة... إلا أن الدور النظري للجمعية لا يبعدها عن التهديدات والضغوط، إذ يلفت جبارة إلى أن الجمعية تعرضت لتهديدات من أطراف عديدة، كان أبرزها تهديد غير مباشر إثر دراسة نشرتها الجمعية تناولت تأثير الوجود السوري بتنامي الفساد في لبنان...

ما بعد بعد الكينزية!

الدور الحمائي الذي يجب أن تؤديه الدولة، في اتجاه جمعيات المستهلك غائب بالطبع، لا بل تنقلب المعادلة في كثير من الأحيان، لتكون الحماية في اتجاه الفاسدين والمخالفين ولأسباب عديدة، أبرزها التركيبة السياسية في لبنان، التي يتربع على رأس هرمها طبقة المتمولين الفاسدين الذين يتجرعون كؤوس الحماية والاستمرارية من الطبقة الحاكمة بمختلف مشاربها، والتي تعمد على تغريب المواطنين عن قضاياهم الأساسية عبر زيادة الانقسامات السياسية والطائفية والمناطقية... وفي هذا الإطار تبرز قضية تهميش مصلحة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، التي تعاني نقصاً في عديدها وعتادها من عام 1996، وذلك على الرغم من محاولة وزير الاقتصاد سامي حداد أن يجنّد 18 شاباً وشابة في المصلحة عبر بروبغندا إعلامية أقامها أمس لتغطية المجازر التي ترتكب بحق المستهلك وهدر الأموال العامة في ما يتعلق بدعم كارتيل المطاحن والأفران، علماً بأن الوزير نفسه قد أثقل لسانه بالدفاع عن الحرية الاقتصادية المطلقة، مشدداً في عظاته المتكررة، التي لا تختلف عن التوجهات الاقتصادية العامة للحكومات المتعاقبة، على أن المنافسة وحدها تحل الأزمة الاجتماعية والمعيشية في لبنان، مهمشاً الحلول الحقيقية التي من المفترض القيام بها لانتشال فئة تتضخم سنوياً من اللبنانيين التي تتهاوى نحو الفقر، وهذه السياسات المدهشة تتخطى في ليبراليتها الاقتصادي جون مينارد كينز، وهو كما يقال منقذ النظام الرأسمالي، الذي يرى أن «زيادة الاستهلاك والاستثمار تستدعي إعادة توزيع الدخل القومي لمصلحة الطبقات ذات الدخل المحدود لأنها تتمتع بميل مرتفع للاستهلاك»، فأين السياسات الاقتصادية اللبنانية من هذه الوجهة الرأسمالية؟

إنها الصيغة!

تشير الأستاذة الجامعية نهوند القادري الى أن غياب المطالبة بالقضايا الحقوقية التي تتعلق بالمستهلك، تعود أساساً إلى أن حس المواطنية لدى غالبية اللبنانيين ضعيف جداً، إذ إن المواطنة ليست فقط معرفة الحقوق والواجبات، بل المساءلة والمحاسبة التي لا تطال فقط المسؤولين، بل المجتمع المدني ووسائل الإعلام والجمعيات والنقابات... لافتة إلى أن الحرية الموجودة في لبنان التي تصل إلى حد الانفلات وفي شتى المجالات ومنها الاقتصادية، لا تعطي أي قيمة لإقامة مجتمع الديموقراطية الذي يقوم على المساءلة والمحاسبة، مشيرة إلى أنه يوجد أزمة بنيوية في تركيبة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في لبنان، في حين أن الطائفية والمذهبية تدفع حق المستهلك بالمساءلة في اتجاه معرفة طائفة المستغل مسبقاً، وإطلاق الأحكام وفقاً لذلك، مشيرة إلى أنه يوجد صيغة غريبة في تركيبة المجتمع اللبناني، حيث إن الشأن المعيشي والاجتماعي في آخر سلم الاهتمامات، بسبب إلهائه بالأزمات السياسية المتزايدة، لافتة إلى أن نجاح جمعيات المستهلك في صيغة كهذه يتطلب جهداً كبيراً، وإمكانات وجهوزية فائقة، للحصول على نتائج قليلة ولكن تراكمية.


عدد الجمعة ١٨ كانون الثاني ٢٠٠٨


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق