16‏/2‏/2009

الاحتكار محميّة قانونيّة في لبنان!


نصف مبيعات الأسواق بيد «القلّة»... والنتائج: ارتفاع الأسعار

الاحتكار يطال حتى الدواء (بلال جاويش)الاحتكار يطال حتى الدواء (بلال جاويش)«حكومات التحرير والنيوليبرالية» في لبنان تساند قوى الاحتكار، لا بل تسعى عبر الحفاظ على قانون حماية الوكالات الحصرية، وعدم إقرار قانون المنافسة، إلى بسط سيطرة الاحتكارات بشكل أوسع، بعدما باتت القلّة تحظى بأكثر من نصف المبيعات في الأسواق اللبنانية!

رشا أبو زكي
هناك دراسة عن الاحتكار في لبنان أنجزت منذ سنوات، تمهيداً لوضع مشروع قانون المنافسة في لبنان، إلا أنه لا أحد من أصحاب القرار يريد أن ينظر في نتائجها «الفضائحية»، لأن هذه النتائج، في حال انكشافها أمام الرأي العام، ستضع كل الطبقة السياسية في دائرة الشبهة والاتهام. فقد خلصت هذه الدراسة إلى أن ثلثي الأسواق اللبنانية تتسم بطابع احتكاري واضح، وتستحوذ المؤسسات التي تمارس نوعاً من أنواع الاحتكار على أكثر من نصف المبيعات المحققة في لبنان عموماً... ما يعني أن أي كلام عن وجود «منافسة»، هو كلام إنشائي فارغ لا يمتّ إلى الواقع بصلة، والهدف منه تشويه الحقائق لتغطية التشويه الحاصل في بنية النظام الاقتصادي الحر، كما تمارسه قوى السوق المحلية، وهي نفسها القوى المتحكّمة بالقرار السياسي والمهيمنة على موارد الدولة ومقدّراتها.
هذه الدراسة قام بها الخبير الاقتصادي توفيق كسبار ومؤسسة البحوث والاستشارات لمصلحة وزارة الاقتصاد وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، ولم يجر إعدادها طوعاً، أو في إطار خطة أو برنامج لإزالة التشوّهات البنيوية في الاقتصاد اللبناني، بل فرضها المموّل فرضاً في إطار الشروط اللازمة للانضمام إلى اتفاقيات الشراكة الأوروبية ـــ المتوسطية.وحملت هذه الدراسة عنوان «المنافسة في السوق اللبنانية»، وكان من المفترض أن تشكل الإطار الذي يظلّل مشروع قانون المنافسة العتيد، إلا أنها بقيت في الأدراج، ولم تُستخدم في وضع المشروع الذي حافظ على الحماية القانونية للوكالات الحصرية التجارية، ولم يضع الضوابط المعروفة لتفكيك الاحتكارات ومقاومة نشوئها، علماً بأن هذا المشروع لا يزال نائماً في المجلس النيابي، إلى جانب المشروع الآخر الشهير الذي حاول الرئيس الراحل رفيق الحريري إمراره لإلغاء الحماية الممنوحة للوكالات الحصرية. وتتناول الدراسة 288 سوقاً محلية مختلفة، وتغطّي 7402 مؤسسة، منها 123 مؤسسة ذات نشاط اقتصادي غير محدد، وقد بيّنت أن نصف المبيعات في هذه لأسواق تعاني من «احتكار القلة»، وأن شركة واحدة تحتكر 95% من سوق استيراد الغاز المنزلي، فيما شركة واحدة تحتكر 45% من سوق المشروبات الغازية، وترتفع حصّة 3 شركات إلى 69% من هذه السوق، كذلك تحتكر شركة واحدة 52% من سوق المياه المعدنية، وترتفع حصة 3 شركات إلى 82% من السوق!
هذه مجرد أمثلة تلحظها الدراسة التي تؤكّد نتائجها على أن الواقع الاحتكاري ينسحب على أسواق المبيدات والمنتجات الكيميائية الزراعية، وتصليح المصاعد الكهربائية... والبارز أن شركة واحدة تحتكر 48 في المئة من سوق طلاء المعادن والهندسة الميكانيكية العامة، وفي القطاع نفسه تحتكر 3 شركات 100 في المئة من السوق!
واللافت أن الدراسة نفسها تشير إلى واقع مماثل في الزراعة حيث هناك وسطاء محددون يهيمنون على المنتجات الزراعية وتصديرها.
أما في التفاصيل، فيتبيّن أن عدداً كبيراً من الشركات الاحتكارية غير محمية حتى بقانون حماية الوكالات الحصرية، وقد كشفت «الأخبار» عبر تحقيقات متتالية سلسلة من الكارتيلات الاحتكارية، إذ تبيّن أن شركة «غاز الشرق» لصاحبها رجل الأعمال السوري طلال الزين، يسيطر وحده على سوق الغاز المنزلي منذ عام 1991، ويحقّق أرباحاً سنوية تتجاوز 32 مليون دولار أميركي، فيما يحتكر كارتيل يتألف من 11 شركة استيراد، سوق النفط في لبنان، بينها 7 شركات تسيطر على 50 في المئة من السوق، هي: هيبكو، كورال، ميدكو، يونيترمنلز، عيسى بتروليوم، يونايتد، وشركة يمين...
وفي الوقت نفسه، لم يتردد رئيس نقابة مستوردي الأدوية في لبنان أرمان فارس بالإقرار في مقابلة سابقة مع «الأخبار» وجود نوع من الاحتكار أو «الحصرية» في استيراد الدواء من قبل 4 إلى 5 جهات، معتبراً أن ذلك يتم بـ«حماية قانونية» توفّرها أنظمة وزارة الصحة... كذلك لا يوجد في لبنان سوى أربع شركات تحتكر استيراد الزفت وتوزيعه، وهي «الشركة العربية» و«شركة يونيترمنال» و«شركة كوجيكو»، و«شركة ميدكو». وكذلك تحتكر شركات خمس سوق الحديد في لبنان وهي: شركة «السفري»، و«دمكو»، و«بردويل»، و«طنوس ـــ فرنجية» وشركة يملكها تاجر من آل «البعيني». والاحتكار ينسحب كذلك على رغيف الخبز، بحيث تشكل مطاحن منذ الحرب الأهلية كارتيلاً يتألف من 13 مطحنة تسيطر على استيراد القمح لتتحكم تالياً بحجم الاستيراد وسعر الطحين لزوم الخبز العربي.
هذا الواقع الاحتكاري ينعكس مباشرة على ارتفاع نسبة التضخم في لبنان، فبحسب مقارنة يجريها رئيس مؤسسة البحوث والاستشارات الخبير الاقتصادي كمال حمدان لتطور أسعار الاستهلاك بين لبنان مع الدول التي يستورد منها المنتجات التجارية والصناعية والغذائية، يتضح وجود فجوة كبيرة بين التطوّرين، إذ إنه في الأشهر الاثني عشر الماضية بلغ متوسط معدل التضخم في البلدان التي يستورد منها لبنان نحو 4 في المئة، فيما يشير مؤشر أسعار مؤسسة البحوث والاستشارات إلى ارتفاع سنوي للأسعار لا يقلّ عن 12 أو 13 في المئة، ويقول حمدان إنه «حتى لو أخذنا في الاعتبار أثر التغييرات في أسعار صرف عملات البلدان التي نستورد منها، فإنّ الفجوة بين تطور أسعار الاستهلاك تبقى في جانب أساسي منها غير مبرّرة اقتصادياً، ما عدا ميل العملاء الاقتصاديين في لبنان نحو زيادة معدلات أرباحهم في سوق تشكو من ضعف الرقابة وانعدام الشفافية الاقتصادية».
وبحسب معدّ دراسة الاحتكار توفيق كسبار، فإنّ دول العالم تتّجه إلى تشريع قوانين المنافسة للسيطرة على انجراف الأسواق نحو الاحتكار، لافتاً إلى أن حجم السوق يلعب دوراً في نسبة نمو الاحتكارات، إذ توجد احتكارات طبيعية تنشأ عن عدم قدرة السوق على تحمل أكثر من شركة أو شركتين في قطاعات معينة، منها الطيران مثلاً، إلا أنّ هذا الواقع لا يجب أن يكون عشوائياً، ومن المفترض أن يكون هناك أجهزة ناظمة للمؤسسات الاحتكارية الطبيعية. إذ توجد أسواق فيها درجات تركّز عالية وغير طبيعية وغير مبرّرة، وبالتالي يجب على الدولة التدخل لوقف هذه السمة الاحتكارية السائدة بسبب تأثيرها الكبير على الاقتصاد الوطني.



50 في المئة

من المزارعين يملكون حوالى 8 في المئة من الأراضي الزراعية، فيما 5 في المئة من المزارعين في لبنان يحتكرون 47 في المئة من الأراضي الزراعية... فالسمة الاحتكارية عامّة ولا تنحصر في القطاعات الصناعية والخدماتية والتجارية!



حماية الاحتكار

فيما تعمل دول العالم على حماية المستهلكين والقطاعات الاقتصادية بقوانين تمنع الاحتكار، ابتكر لبنان قانوناً يحمي الاحتكارات (حماية الوكالات الحصرية) ويشرّعها، ويقول رئيس لجنة الإدارة والعدل النيابية روبير غانم لـ«الأخبار» إن إلغاء قانون حماية الوكالات الحصرية يضرّ المستهلكين! لافتاً إلى أن مشروع قانون إلغاء الحماية عن الوكالات عرض عدة مرات على الهيئة العليا لمجلس النواب، وكان آخرها في عام 2006، إلا أنه لم يعرض على التصويت لأن غالبية النواب لا يريدون السماح للشركات الأجنبية بالمضاربة على الشركات المحلية!


عدد الثلاثاء ٧ تشرين أول ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق