13‏/2‏/2009

مقابلات: شربل نحاس



 نحن أمام موجة أخرى من «اللعنة الريعية»
■ الضرر بات يصيب قطاعات لها قدرة على الضغط

مشكلة لبنان أنه يعاني حالياً من «الصدمة المزدوجة»، هذا ما يقوله الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور شربل نحاس، فارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى استفحال التضخم، وفي الوقت نفسه يؤدي إلى زيادة التدفقات المالية إلى لبنان، وهذان العاملان يتضافران، بحسب نحاس، لينتجا أزمات ضخمة في بعض القطاعات الاقتصادية، في حين أن قطاعات أخرى تستفيد وحدها من دون البقية... وهذا الوضع يعني أن البلد أمام موجة أخرى جارفة من «اللعنة الريعية»

رشا أبو زكي
يعبّر الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور شربل نحاس عن أسفه لاحتمال ضياع فرصة أخرى مواتية لمواجهة بعض المشكلات البنيوية المزمنة في لبنان. ويتوقّع نحّاس أن تركّز الدولة إنفاقها المقبل من أجل ترسيخ أجواء التخدير، وأن تكمّل المصارف هذه السياسة بإحداث المزيد من القفزات الكميّة في التسليفات المصرفية. أما المجتمع المدني، فسينشط عشية الانتخابات ليزيد من مفاعيل التخدير، وبالتالي ستقل حظوظ المواجهة البنيوية للصدمة المزدوجة.
وهذا نص المقابلة:

■ كيف يمكن أن تواجه الحكومة الانتخابية المقبلة مشكلة التضخم؟

ـــــ إن التضخم غير محصور بلبنان، إذ إن جميع دول العالم تعاني من هذه الأزمة، والحكومة المقبلة ستنطلق من هذه الزاوية، لتجد أن الزيادة على الأجور التي قررتها الحكومة أخيراً هي رد الفعل الرسمي على الغلاء الحاصل، إلا أن قرارات الزيادة هذه ملتبسة وغير واضحة في الآلية ولا في النص، في حين أن ما يصدر من شروح حولها تتناقض مع مضمون القرارات نفسها، لذلك ستُبحث هذه القرارات حكماً في الحكومة الجديدة، لكون النص كما صدر غير قابل للتطبيق. أما في ما يتعلق بالغلاء، فهو لن يكون صاعق تفجير شعبي، إذ إن الحكومات التي تشكّل قبل انتخابات معينة تبذخ في الإنفاق، ولا سيما في ظل وجود إمكان لدى الحكومة لزيادة الاستدانة خلال الفترة المقبلة. وبذلك سيتسارع موضوع تراكم العجز ويرتفع الدين بوتيرة أكبر من السنتين الماضيتين، لأسباب متعددة تتركز في زيادة الإنفاق بسبب التصحيحات التي ستطال الأجور، إضافة إلى ارتفاع نسبة الإنفاق على الكهرباء بسبب ارتفاع أسعار المحروقات.

■ ما مصير إجراءات ورقة باريس 3؟

ـــــ يجب أن لا ننسى أن باريس 3 عقد في ظل الأزمة السياسية والحكومية، وكان يقال إن جميع الأفرقاء (معارضة وموالاة) موافقون على ورقة باريس 3، على الرغم من عدم إثبات هذا التوافق، وفي الواقع تم السير فعلياً في عدد من بنود الورقة الأساسية، إذ يوجد ارتفاع تدريجي في الرسوم على البنزين، أما الضريبة على القيمة المضافة فمن المرجح أن لا تُقَرَّ، لأنها مادة سيئة في حكومة الانتخابات، بعكس زيادة الضريبة على الفوائد التي يمكن تسويقها شعبياً... وبمعزل عن هذه التوقعات، فإن المنطق يفرض إعادة قراءة ورقة باريس 3، من منطلق ما نفذ من باريس 3 من قبل الحكومة والدول المانحة، ولكن المرجّح أن لا يتم ذلك، فالسياسيون عشية الانتخابات لا يناقشون الخيارات الصعبة.

■ ماذا عن خصخصة الكهرباء والاتصالات؟

ـــــ لقد أشبع موضوع خصخصة الكهرباء بحثاً، إن كان من البنك الدولي، أو من الجهات المحلية، لذلك من البديهي أن يستمر بحث موضوع البنية الإدارية لمؤسسة الكهرباء، وتستكمل أهداف العقود الموقعة مع عدد من المؤسسات الدولية منذ أكثر من سنة ونصف في ما يتعلق بإعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان وتشركة هذه المؤسسة، ولكن من المستبعد جداً خصخصة الكهرباء، لسببين أساسيين، هما ارتفاع أسعار المحروقات من جهة، وتركيبة الحكومة المقبلة وهدفها الانتخابي.
أما في ما يتعلق بالاتصالات، فمن المعروف أنه يوجد فورة مالية في المنطقة، ما يعطي انطباعاً بأن وقت البيع قد حان، ولكن رفع سعر الرخص يعني من جهة أخرى أن التعرفة المرتفعة للاتصالات ستكون جزءاً من سلة الحوافز للمستثمرين، وبالتالي ستبقى على مستواها المرتفع، ما يقلل من حظوظ الاتفاق السياسي على خصخصة القطاع بسبب تركيبة الحكومة الانتخابية بشكل أساسي، لكون السير في هذا المشروع يعرض داعمه لسيل من الاتهامات الجاهزة، لذلك أرجح بنسبة 50 في المئة خصخصة الاتصالات، وصفر في المئة خصخصة الكهرباء.

توسيع النفقات

■ تقدمت حكومة السنيورة قبل انتخاب الرئيس ميشال سليمان بطلب إلى صندوق النقد الدولي لتجديد برنامج ايبكا، هل سنشهد تغييراً في العلاقة مع صندوق النقد عما كانت عليه بعد باريس 3؟

ـــــ لا أتوقع أن يكون هناك ضغط تمويلي خلال الفترة المقبلة، والحاجة إلى صندوق النقد ستكون أقل، لأن الوفرة المالية والحاضنة السياسية القائمة ستجعل الحصول على التمويل من المهمات السهلة.

■ هل سنشهد المزيد من الإنفاق التوسعي؟

ـــــ نعم، ولكن ليس عبر الاستثمارات التنموية، إذ إن اتفاق «ايبكا» وضع سقوفاً لبعض النفقات، ومنها الاستثمارية، ولكن الإنفاق الذي سيزيد يتعلق بالأجور والنفقات الزائدة على الكهرباء في ظل تثبيت التعرفة. كما يوجد مواضيع تم التوافق عليها في اجتماع عقده الاتحاد الأوروبي تتعلق بالضمان الصحي وضمان الشيخوخة، ومن الممكن تطبيقها مع القليل من الضغط، وخصوصاً أن العبء المالي الحقيقي لهذه البنود لن يظهر في ولاية هذه الحكومة، ما يجعلها مكسباً انتخابياً.

■ في ظل الوضع الراهن، أين يكمن الخطر، ومن ماذا تحذر؟

ـــــ الحكومة الجديدة مدعومة بالأموال، وتجمع مختلف الأطياف السياسية الأساسية الموجودة في المجلس النيابي، وهذا الأخير يريد أن يبيّن أنه أنجز شيئاً في نهاية ولايته، وفي ظل وجود رئيس جديد للجمهورية، فإن الأجواء توحي أن الفرصة مواتية لتحسين هيكلية الاقتصاد والبنى المؤسساتية.
والتحدي الأساسي هنا يكمن في معالجة «الصدمة المزدوجة» التي يتأثّر بها لبنان، والناتجة من ارتفاع أسعار النفط، فمن جهة يوجد رفع لكلفة المعيشة وتكاليف الإنتاج وتأثير ذلك على القدرة التنافسية مع بلدان تدعم أكلاف إنتاجها ولا تتأثر بارتفاع أسعار المحروقات. أما من جهة أخرى، فإن ارتفاع أسعار النفط يوفر كمية من الفوائض المالية، جزء منها يأتي إلى البلد عبر تحويلات المغتربين والسياح، بمبالغ لافتة، ونادراً ما تكون الدول معرضة لهذين العاملين بشكل متوازٍ.
فمعظم استهلاك لبنان للطاقة هو من المشتقات النفطية، ولذلك نحن معرضون للصدمة الأولى بشكل كبير، وكذلك نتلقى الصدمة الثانية، وهي استقبال الفورة المالية للبلدان المنتجة للنفط، وهذان التأثيران الجامحان يتداخلان ليكوِّنا كتلة ضاغطة في اتجاه واحد، وأحياناً يكوِّنان توازناً يؤدي إلى نتيجة سلبية بعكس ما يراه البعض. ففي الحالة الأولى، إذا تم اعتبار أن التدفقات جاءت لمصلحة زيادة الاستثمارات وبالتالي تنمية القطاعات الاقتصادية، فإن نظرة دقيقة إلى الواقع تبيّن أن القطاع الذي خسر من التأثير الأول (ارتفاع أسعار النفط)، ليس هو نفسه من يحصد منافع التأثير الثاني (تدفق الأموال). أما من ناحية التوازن، فإن نظرة دقيقة أخرى إلى هذا الواقع تبيّن أن ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة كبيرة في الهجرة، فعنصر الطرد الداخلي المتمثل بارتفاع كلفة المعيشة وانهيار بعض القطاعات أو المؤسسات يزيد من حالة البطالة، ما يدفع الناس إلى الهجرة. في المقابل وفرة المال في الخليج عنصر جاذب للمهاجرين، ما ينعكس بدوره على انهيار قطاعات اقتصادية كاملة.
وهذه الصدمة المزدوجة ليست ظرفية، فالمؤشرات تدل على أن هذه الحالة ستمتد لسنوات، لذلك فإن البحث في هذه المعضلة جوهري وأساسي، وهو غير مرتبط بعمليات حسابية تتعلق بالمديونية العامة مثل المقاربة التي كانت سائدة في ورقة باريس 3. انطلاقاً من ذلك، يجب تعميق البحث في مواضيع عديدة، أهمها سياسة الطاقة والسياسات العقارية والنظام الضريبي والمعاهدات الخارجية، وخصوصاً الاتفاقيات التجارية. ولكن الانطباع السائد بأن الإشكالات السياسية قد انتهت، أحدث نوعاً من الارتخاء العام عززته الطمأنات المتعلقة بالصيف السياحي وغيره، ما يرجح استمرار الاعتماد على التخدير الجماعي من دون التطرق إلى أساس المشكلات القائمة.

المدخل اجتماعي

■ ولكن بالطبع يوجد مدخل للعلاج، ما هو برأيك؟

ـــــ قبل التطرق إلى هذا الموضوع، أُريد أن أوضح أن الظرف الحكومي المقبل مواتٍ للنظر إلى هذه المشكلات وإيجاد بعض الأسس العلاجية للأزمات، ولكنني لا أعتقد أن استغلال هذا الظرف يدخل كجزء من التكتيك السياسي، فسيناريو التركيبة الحكومية والنيابية مثالي لإطلاق الرؤى التصحيحية، وإذا وجد التكتيك فإن المدخل الأفضل والأسهل يمكن أن يكون التغطية الصحية الأساسية الشاملة وضمان الشيخوخة المتفق عليهما أصلاً في اجتماع الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من المشكلات الكثيرة والمعقدة، يمكن القول إن هذين الإجراءين هما المدخل لانتهاز فرصة التركيبة الحكومية والنيابية الناشئة، وذلك لعدة أسباب، أهمها أن هذا المدخل له نتائج فورية وملموسة وبكلفة تترتب بعد انتهاء ولاية الحكومة الحالية، في حين أن العلاجات البنيوية الأخرى مثل سياسة النقل لا تظهر نتائجها بشكل فوري وملموس، كما أن خفض استهلاك الطاقة وخفض استيراد المحروقات يعني استثمارات داخلية ضخمة وتعديلاً في تعرفة الكهرباء. أما بلورة سياسات قطاعية فليست إجراءات تصحيحية، بل تغيير في الخيارات في بعض القطاعات منها السكنية والإنتاجية وغيرها، ولكن إذا بُني أساس جيد لتطبيق هذه الخيارات فهذا سيكون شيئاً عظيماً. وأيضاً في هذا الإطار يمكن تحقيق إجراءات سهلة وشعبية وتحقق إيرادات جيدة عبر الاقتطاع الضريبي من الاستثمارات العقارية وسوق الأسهم التي تشهد نمواً ملحوظاً.

■ ولكن معوقات تنفيذ هذه الإجراءات لا تزال قائمة عبر طبقة سياسية لا ترى من مصلحتها أن تفرض ضريبة على الربح العقاري مثلاً؟

ـــــ من الممكن إيجاد أطراف تدعم هذه الطروحات، وذلك بعدما أدت الفورة الخليجية إلى تضرر قطاعات وإفادة أخرى، وبالتالي يمكن إلقاء القليل من الأعباء على تلك التي استفادت مقابل خفضها عن المتضررة، وخصوصاً أن هذه الأخيرة غير محصورة بفئات مهمشة، بل هي قطاعات لها صوت وآليات ضغط، ولكن أعود وأكرر أنني لا أرجح السير في هذه الطروحات بسبب تدفق الأموال من جهة، ووجود فترة تخديرية كافية حتى انتهاء ولاية الحكومة المقبلة.

■ هل نحن أمام موجة أخرى من لعنة التدفقات الخارجية؟

للأسف نعم، فآليات الضخ الداخلية تأتي عبر الدولة والمصارف والمجتمع المدني، وهذه القنوات أو المضخات تعمل على استخدام الجزء الثاني من الصدمة (تدفق الأموال) لتلطيف الجزء الأول (ارتفاع أسعار النفط)، وعندما تعمل المضخات الثلاث ندخل عملياً في موجة أخرى جارفة من اللعنة الريعية، وهنا أتوقع أن تنفق الدولة لترسيخ أجواء التخدير، وأن تكمل المصارف في قفزتها الكمية في التسليفات المصرفية. أما القناة الثالثة، وهي المجتمع المدني، فستنشط، وخصوصاً عشية الانتخابات، وكل هذه القنوات تتضافر لزيادة مفاعيل التخدير والتقليل من حظوظ المواجهة البنيوية للصدمة المزدوجة. ويضاف إلى ذلك تحويلات المغتربين التي تمثّل عاملاً تخديرياً قوياً.

■ ما انعكاس هذا الموضوع على قيمة الأصول وأسعار العقارات؟

(تصوير: بلال جاويش)(تصوير: بلال جاويش)ـــــ نحن نشهد اليوم نقيض ما حصل في أزمة الرهونات العقارية في الولايات المتحدة الأميركية. ففي المبدأ، ارتفاع قيم الأصول مؤشر غير مباشر للنمو الاقتصادي، وذلك لارتباط هذا الارتفاع بتطور القطاعات الإنتاجية، ولكن الخطورة تكمن مع تطور الأصول بوتيرة أسرع من الإنتاج الفعلي، وهذه الأصول إما تستخدم كضمانات للاستدانة في العقارات والأسهم تحديداً، أو تستخدم كعناصر تدخل في الإنتاج، وبالتالي ترتب كلفة إضافية، وما نشهده نحن هو ارتفاع في الأصول، ليس من جراء زيادة الإنتاجية، بل عبر تزايد فجائي وهائل في الطلب عليها توظيفاً للكمية الكبيرة من الأموال المتوافرة في المنطقة. وهذا يمكن أن يستمر لفترة طويلة إذا استمر الضخ المالي، ما يرتب نتائج سلبية فعلية على الاقتصاد بحيث يصبح حجم التمويل المصرفي للاقتصاد المقيم مرتفعاً جداً، ويصبح السكن مرتفع الكلفة، كما تؤدي هذه المشكلة إلى أخطار مالية على شاكلة ما حصل في الولايات المتحدة، أو أزمة اقتصادية تضرب قطاعات معينة من دون إحداث أزمة مالية.


عدد الاثنين ٩ حزيران ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق