16‏/2‏/2009

فصل جديد من فصول هدر المال العام



بافل قسطنطين ــ رومانيابافل قسطنطين ــ رومانيا

رشا أبو زكي

مجلس الوزراء يزيد دعمه لـ«كارتل المطاحن» بناءً على وقائع مزوّرة

يعدّ دعم الحكومة عبر وزارة الاقتصاد والتجارة، أسوأ سيناريو لأبشع مسرحية، تكون حصيلتها هدر المال العام لمصلحة كارتل تتوزع فيه حصص الأحزاب الموالية والمعارضة بوئام غريب ...
المشهد الأول (هدر المال العام): يقول وزير الاقتصاد والتجارة في اجتماع مع أصحاب المطاحن وجمعية المستهلك في 28 تموز 2007، إن المطاحن تدّعي أن 90 في المئة من كمية القمح المستورد تُستخدم في صناعة الخبز الأبيض، بينما تفيده تصاريح أصحاب الأفران بأن هذه النسبة هي 30 في المئة، فيما تنخفض في تقارير الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الموثّقة إلى 20 في المئة فقط ... ومن ثم يعلن في مؤتمر صحافي أن مجلس الوزراء وافق على دعم 50 في المئة من صادرات القمح بـ50 دولاراً أميركياً!. النتيجة: 12 مليار ليرة «يشفطها» كارتل المطاحن من الخزينة، أي من جيب المواطنين.
المشهد الثاني (المزيد من الهدر): في 11 تشرين الثاني 2007، وزير الاقتصاد مقتنع بتلاعب المطاحن بتحديد حجم القمح المستورد حاجة صناعة الرغيف، إلا أنه يرفع اقتراحاً إلى الحكومة بزيادة الدعم 25 دولاراً لكل طن، والحكومة توافق... النتيجة: ملياران و262 مليون ليرة «شفط إضافي» للمطاحن من الخزينة، أي من جيب المواطن.

المطاحن تتلاعب بالأسعار

فلنتابع المسرحية... المشهد الثالث (بين العلم والتنجيم): تؤكد مؤشرات الأسعار التي توردها وزارة الزراعة الروسية في موقعها الإلكتروني، في الأول من تشرين الأول الماضي، أن أسعار القمح تراوح بين 190 و232 دولاراً أميركياً. سعر مبيع طن القمح الخشن 188،4 دولاراً، وشرائه 190 دولاراً. سعر مبيع القمح اللين 222 دولاراً، وشرائه 226،4 دولاراً. سعر مبيع القمح القاسي 231 دولاراً، وشرائه 232 دولاراً. ويقول وزير الزراعة الروسي ألكسي غوردييف في الوقت نفسه، إن بلده سيزيد رسم تصدير القمح بنسبة 10% اعتباراً من اليوم.
المشهد الرابع (روسيا... يا ظالمني): يقول أحمد حطيط، وهو صاحب مطحنة، لـ«الأخبار» إن سعر القمح ارتفع 80 دولاراً خلال الشهر الماضي، ليصل الطن إلى بيروت بسعر 400 دولار. وهذا ما ينفيه موقع وزارة الزراعة الروسي الذي يشير إلى أن سعر القمح اللين (الذي يستورده لبنان) لم يرتفع بين 15 تموز والأول من تشرين الأول أكثر من 20 دولاراً، لكن حطيط رأى أن وزارة الزراعة الروسية مخطئة في أرقامها! ويبرر أن الأسعار التي يوردها الموقع الإلكتروني للوزارة تضاف إليها تكاليف النقل الداخلية في روسيا، والخارجية، أي من روسيا إلى لبنان، التي يقول إنها ارتفعت من 30 إلى 70 دولاراً. فيما يقول صاحب مطحنة أخرى، وهو نزار شبارو، إن كلفة النقل حالياً هي 35 دولاراً... (ولكن حتى لو أضفنا الكلفة «المضخّمة» فسعر الطن لن يتعدى 300 دولار، وبذلك تكون أرباح المطاحن من الاستيراد والدعم قد تضاعفت!).

الوزير يتستر!

المشهد الخامس (حنان): تفيد وزارة الاقتصاد والتجارة، في اقتراحها المقدم إلى مجلس الوزراء، بأنه نتيجة ارتفاع أسعار القمح في بورصاته العالمية، جرى دعم القمح المستخدم لصناعة الرغيف بقيمة 50 دولاراً للطن، على أن تُعتمد هذه الآلية لدعم القمح حتى نهاية عام 2007. ولكن هذه الآلية استمرت حتى شهري آب وأيلول، إلى أن تقدم تجمع المطاحن باستدعاء يطالب فيه بتعديل قيمة الدعم، بعد ارتفاع سعر القمح من 310 دولارات إلى 385 دولاراً، وذلك ابتداءً من 1/10/2007.
المشهد السادس (الوزير الحذق): يضيف الاقتراح أن الوزارة دققت في منشورات الأسعار العالمية التي تظهر أن القمح الوحيد المستعمل في الطحين في لبنان، وفي غالبية البلدان المحيطة، هو القمح الروسي الذي وصل بتاريخ 24/10/2007 إلى 365 دولاراً، أي أن الفارق الإضافي هو بحدود 55 دولاراً. (وهنا اكتشف الوزير أن المطاحن زادت وفق مزاجها 20 دولاراً). وتابع حداد في اقتراحه: «ولما كان من المنطق التجاري أن تتمول المطحنة لأكثر من شهرين، فإنه يمكن اعتبار الزيادة المطلوبة أدنى من ذلك وتختلف من مطحنة إلى أخرى. لذلك، فإن الوزارة تقترح على مجلس الوزراء تعديل قيمة دعم طن القمح من 50 دولاراً إلى 75 دولاراً على طن القمح المخصص لصناعة الخبر العربي، على أن لا تتجاوز الكمية ثلاثين ألف طن أو 150 دولاراً على كل طن طحين مستعمل في إنتاج الخبز العربي، ولكمية 15000 طن.

...وقمح!

المشهد السابع (نهب واضح) : رئيس جمعية المستهلك زهير برو يسأل الحكومة: بناءً على أي أرقام وأي دراسات جرى اعتماد قيمة هذا الدعم؟ وخصوصاً أنه هناك اختلاف كبير بين أرقام المطاحن والضمان الاجتماعي. ويدعو إلى تأليف لجنة فوراً لدراسة سعر ربطة الخبز الحقيقي وتحديد نسبة أرباح المخابز، التي يتهمها أصحاب المطاحن بأن أرباحها 90 في المئة. إضافة إلى معرفة كلفة طن القمح الحقيقي الواصل إلى لبنان وسعره بعد الطحن. ويؤكد برو أن قرار مجلس الوزراء هو مزيج من «الجهل والمنافع والمحاصصة»، داعياً الدولة إلى استلام استيراد القمح وتنظيم التوزيع والاستيراد لتقليص الهدر وعمليات النهب في بعض القطاعات.
المشهد الأخير (سبب مجهول!): الحكومة توافق على دعم المطاحن بقيمة 75 دولاراً لطن القمح المستورد، وتضمن رخاء المطاحن بعد أن يرحل وزراؤها عن كراسيهم، وتلصق بالحكومة المقبلة مسؤولية الإبقاء على الدعم «المبحبح»، وإلا فسوف تواجه غضب أصحاب المطاحن وتهديدهم لقمة عيش المواطنين. الكارتل «الطحيني» يبتسم وتظهر الدولارات الفائضة على أسنانه، ويؤمّن الحد الأدنى الجديد للدعم لكي يفاوض على زيادته في 2008. المستهلك يتنعّم برغيف منخفض الوزن وسيّئ النوعية... ولزيادة بعض الرومانسية، تذرف النقابات الميّتة دموع التماسيح.


عدد الثلاثاء ١٣ تشرين الثاني ٢٠٠٧

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق