3‏/2‏/2009

الغلاء يقضم ثلث القدرة الشرائية للأجور


بسمستروفيك ــ النمسابسمستروفيك ــ النمسارشا أبو زكي

الحد الأدنى مجمّد منذ عام 1996 والمؤسسات تستغلّه لتبرير سياسة الأجور المتدنية

مرّت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان بأزمات متعددة منذ انتهاء الحرب الأهلية، وقد تفاقمت هذه الأزمات بعد عام 1997 مع بداية وضوح آثار الفشل في سياسة إعادة الإعمار والإنفاق السياسي «التوزيعي» المبذّر، وبالتالي وقوع لبنان تحت العجز والمديونية التي لا يزال المواطن اللبناني يدفع ضريبتها حتى اليوم. وعلى الرغم من الغلاء المتزايد سنوياً ووصوله إلى حالة الغليان، لا يزال الحد الأدنى للأجور مثبتاً منذ عام 1996عند 300 ألف ليرة شهرياً، وهو ما أثر سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين وعمّق المشكلات المعيشية، وترك انعكاسات سلبية على عمل القطاعات الإنتاجية المحلية التي شهدت تراجعاً في الطلب على منتجاتها.

تآكل القدرة الشرائية

تتمادى الحكومات المتعاقبة في إهمال مسألة الحد الأدنى للأجور، وتراه مجرد مؤشر «اسمي» غير واقعي، بمعنى أنه لا أحد يتقاضى الحد الأدنى للأجور، وبالتالي فإن انخفاضه وتآكله لا يؤثران على الواقع المعيشي للمواطن اللبناني... هذا الموقف الرسمي الاعتباطي يدحضه رئيس القسم الاقتصادي في مؤسسة البحوث والاستشارات الخبير الاقتصادي كمال حمدان، الذي أصرّ في حديثه لـ«الأخبار» على أن الحد الأدنى للأجور يجب أن يرتبط بمؤشر الأسعار الذي ارتفع بين عامي 2006 و2007 وحدهما نحو 4 إلى 5 في المئة. ويؤكد أن رفع الحد الأدنى للأجور هو المدخل الأساس لتصحيح الأجور في لبنان.
ويلفت حمدان إلى أن القول بأن رفع الحد الأدنى إجراء غير فاعل لكون معظم اللبنانيين لا يتقاضون الحد الأدنى، هو قول مبسّط، إذ إن زيادة الحد الأدنى يلحقها تغيير في شطور الأجور، حيث مراسيم الأجور كانت تتضمن زيادات متدرجة على سقوف الأجر، وهذا الإجراء يؤثر ارتفاعاً في أجور متوسطي الدخل وما دون.
ويوضح حمدان أن الحد الأدنى للأجور والشطور الأخرى، لم تلحقها أي زيادة منذ نحو عشر سنوات، رغم ازدياد التضخم وارتفاع الأسعار، وهو ما قضى على ما بين ثلث القدرة الشرائية لدى المواطنين وربعها، ويظهر ذلك جلياً في مقارنة القدرة الشرائية للأجر منذ عشر سنوات مع قدرته الشرائية الحالية.
ويشير حمدان إلى أن الإحصاء المركزي يبيّن أن نحو 30 في المئة من الأسر اللبنانية يقل دخلها عن الـ600 دولار أميركي، أي إن هذه النسبة من الأسر تعيش على خط الفقر الأعلى، وبينهم بين 8 و10 في المئة من الأسر التي تعاني الفقر الشديد ولا يتجاوز دخلها الشهري 350 دولاراً أميركياً. وهذه الأسر تعاني من انخفاض قدرتها الشرائية بسبب عدم تصحيح الأجور منذ عشر سنوات.

غلاء... غلاء

وتشير دراسة الاتحاد العمالي العام إلى أن مؤشر غلاء المعيشة التراكمي منذ عام 1996 حتى منتصف عام 2007 ارتفع بمعدل 63،3 في المئة، وبلغ ارتفاع المؤشر 46،6 في المئة بين 1996 و2003، و1 في المئة في عام 2004، و1،4 في المئة في عام 2005، و15 في المئة بعد حرب تموز في عام 2006. وتلفت الدراسة إلى وجوب رفع الحد الأدنى للأجور الى نحو 960 ألف ليرة على الأقل...
ويقول حسين شريف، الذي يعمل في مؤسسة خاصة، إن تحديد الحد الأدنى للأجور بـ200 دولار، هو ركن أساسي في تحديد قيمة الأجور التي يتقاضاها موظفو المؤسسة، إذ تعتمد الأخيرة الحد الأدنى، وتضيف إليه 100 دولار مصاريف للنقل، وإن كان من زيادة أخرى فهي بحسب سنوات الخبرة، ولا تتعدى الـ200 دولار في أعلى تقدير. ويشير حسين إلى أنه يتقاضى 450 دولاراً، وأنه لا يستطيع أن يساعد عائلته بأي ليرة، فهو يسكن في بيروت، ويدفع ايجار المنزل 200 دولار شهرياً، ونحو 300 ألف ليرة مصاريف التنقل الى عمله وجامعته، فلا يبقى من راتبه سوى 50 دولاراً يدفعها لفاتورة الهاتف. ويلفت إلى أنه يستدين من أحد أفراد العائلة لكي يؤمن استمراريته، معتبراً أن 600 دولار شهرياً مبلغ يجعله في اكتفاء مادي.
اما إيتيان عيد، فهو أستاذ في مدرسة ويتقاضى 300 دولار شهرياً، ويلفت إيتيان إلى أن عائلته تتألف من 5 أفراد، وأنه لا يستطيع أن ينفق أي مبلغ على المنزل، لكونه يدفع شهرياً نحو 420 ألف ليرة ثمن بنزين لسيارته، فلا يبقى له أي شيء من الراتب، ويلجأ إلى الاستدانة من والدته التي تتقاضى نحو مليون ليرة شهرياً، والتي تتولى نفقات المنزل. ويلفت إيتيان إلى أن دخل أسرته غير كاف، وقد اضطر جميع أفراد العائلة إلى خفض مصاريفهم وخصوصاً مع ازدياد موجة الغلاء، مشيراً إلى أن شهادته تخوّله الحصول على 850 ألف ليرة شهرياً إلا أنه لم يجد بديلاً عن عمله الحالي وخصوصاً أنه يحتاج إلى خبرة في التعليم. ويشدد ايتيان على أنه لا يستطيع الاقدام على الزواج في ظل الراتب المتدني الذي يتقاضاه، وهو لا يستطيع أن يستأجر منزلاً أو يتكبد مصاريف منزلية...

مصاريف لا تنتهي

وتقول برنا ضو، التي تعمل في مؤسسة دولية، إنها تتقاضى ألفاً و150 دولار شهرياً، وهي تسكن مع عائلتها المؤلفة من 5 أشخاص بينهم 3 أفراد يعملون، ويصل حجم دخل الأسرة إلى نحو ألفي دولار شهرياً، إلا أنه لا يكفي مصاريف المنزل، التي تتراوح بين ايجار البيت، 300 دولار، والمصاريف الشهرية الاعتيادية، 600 دولار، من دون احتساب فواتير الكهرباء والهاتف. وتلفت برنا إلى أن هذا الدخل يكفي العائلة إلى اليوم العشرين من الشهر، وترى أنه يجب رفع الحد الأدنى للأجور الى 800 دولار واعتبار هذه القيمة هي الحد الأدنى للفقر، لافتة إلى أن أي عائلة في لبنان تحتاج الى هذا المبلغ شهرياً لكي تؤمن احتياجاتها الأساسية في ظل الغلاء وارتفاع كلفة المعيشة، وذلك من دون احتساب التكاليف الإضافية مثل الطبابة والتعليم، مشيرة الى أن الجمعيات والمؤسسات الدولية تستغل انخفاض الحد الأدنى للأجور وتحدّد الحد الأقصى للراتب بـ500 دولار، وتظن أن هذا الراتب يكفي اللبنانيين.


هجرة وبطالة

قدّرت دراسة للاتحاد العمالي العام ومنظمة العمل الدولية عن موازنة القياس ما دون الوسطى في عام 2000 أن عائلة مكوّنة من 5 أفراد تعيش في منطقة بيروت الكبرى تحتاج لموازنة توازي 25،6 مليون ليرة سنوياً، أي نحو مليونين ليرة شهرياً، وحينها بلغ عدد الأسر التي تتقاضى هذا الأجر نحو 20 في المئة فقط! وبين عامي 2000 و2008 مسافة زمنية اعتصرتها الأزمات الاقتصادية المتلاحقة نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية المتدهورة، وقد رافقت هذه المسافة زديادة كبيرة في أسعار مواد الاستهلاك. كذلك ترافق التراجع المطّرد في القدرة الشرائية مع تنامي ظاهرة البطالة التي بلغت أوجها بعد حرب تموز، إضافة الى ازدياد أعداد المهاجرين سنوياً...
ويشير مسح المعطيات الإحصائية للسكان والمساكن الذي أعدّته وزارة الشؤون الاجتماعية بين عامي 1997 و2004 إلى أن عدد المهاجرين هو نحو 44 ألف لبناني سنوياً، بيد أن هذا العدد ارتفع منذ عام 2005 إلى ما بين 60 ألف مهاجر و65 ألفاً سنوياً، وبلغ ذروته خلال حرب تموز الأخيرة.
ويلفت تقرير معيشة الأسر إلى أن معدل البطالة بلغ في لبنان عام 2004 نحو 9،7 في المئة مع احتساب الأشخاص المتاح لهم العمل ولا يبحثون عنه فعلاً. و7،9 في المئة من دون احتساب هؤلاء. وفي عام 2006، وصل عدد المصروفين من العمل إلى الذروة، وقد طالت ظاهرة الصرف التعسفي العمال في المؤسسات المتضررة وغير المتضررة على السواء، أما عدد العمال الذين أصبحوا عاطلين من العمل بسبب تعرض المؤسسات والمصانع العاملين فيها الى العدوان فهو أكثر من 2500 عامل... والحبل على الجرّار.


عدد الجمعة ٤ كانون الثاني ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق