13‏/2‏/2009

لماذا استبعاد «صندوق البطالة»؟



الكلفة المقدّرة ليست مرتفعة وهناك حاجة إلى المسوحات

عمّال بناء يتوزعون على طوابق أحد الأبنية (مروان طحطح)عمّال بناء يتوزعون على طوابق أحد الأبنية (مروان طحطح)«صندوق البطالة»... حقّ أصبح حلماً في لبنان، بسبب تقاعس الحركة النقابية عن القيام بدورها، وتغريب العمال عن حقوقهم بإلهائهم في الصراعات المذهبية، إضافة إلى استبعاد الأحزاب السلطوية المشاريع الاجتماعية عن برامجها... وربما يتبلور هذا الحلم بمشروع بعد سنة من الآن، إذا قامت وزارة العمل بواجباتها...

رشا أبو زكي
كشف وزير العمل محمد فنيش أمس، في مناسبة ذكرى تأسيس منظمة العمل العربية، عن وضع برنامج متكامل لدعم التشغيل والحدّ من البطالة سترفعه المنظمة إلى القمة العربية الاقتصادية والاجتماعية والتنموية المزمع انعقادها في الكويت... ولفت في حديث مع «الأخبار» إلى أن لبنان بدأ أولى خطواته في العمل على وضع مشروع صندوق البطالة... فما هي تفاصيل المشروع؟ وما هي المعوقات أمام تنفيذه؟
فقد كان صندوق البطالة في صلب المطالب في زمن كانت فيه الحركة النقابية موحدة، تحمي مكتسبات من تمثلهم وتسعى إلى تجرّع الحقوق من كؤوس الزعامات السياسية والأحزاب والسلطات التي تعاقبت على كراسي البرلمان ومجلس الوزراء منذ عشرات السنين... وبعد حرب دامت عشرين عاماً، جاء عصر تحرير الاقتصاد في مطلع التسعينيات، وبدء تحضير «عدّة الشغل»: قضم القطاعات الإنتاجية المحلية وإضعافها، تقسيم الاتحاد العمالي العام وشرذمته. اعتماد نهج اقتصادي يستبعد الدولة عن دورها الرعائي، ويجعل من المواطنين أرقاماً لزيادة الإيرادات الضريبية... وكل ذلك ترافق مع تجميد الحد الأدنى للأجور منذ عام 1996 على الرغم من التضخم الطبيعي والمفتعل الذي أدى إلى وصول القدرة الشرائية إلى أدنى مستوياتها. وبالطبع أضيفت إلى خلطة التجويع، الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان والأحداث الأمنية المتفرقة التي أدت إلى تدمير مئات المؤسسات والمصانع. وهكذا وصل الاقتصاد اللبناني إلى مرحلة الانهيار، بنسبة بطالة قفزت عن الـ 15 في المئة من الفئة القادرة على العمل، وبـ 195 ألف عاطل من العمل يتمسكون بقشّة اسمها «صندوق البطالة»...
ويدّ صندوق البطالة مشروعاً أساسياً يبطئ قطار العاطلين من العمل، ويساعد في إيجاد الوظائف، ويعمل على تنظيم سوق العمل والمواءمة بين العرض والطلب، والأهم من ذلك إيجاد وسائل لدعم العاطلين من العمل وتوجيههم باتجاه القطاعات الاقتصادية والمهنية الرابحة، ما يخفف الضغط الاجتماعي.‏.. إلا أنه إذا تم اتخاذ قرار السير في مشروع إنشاء نظام أو صندوق للبطالة اليوم، فمن المستحيل المباشرة بالمشروع قبل سنتين من الآن، إذ إن الخوض في هذا المشروع الأساسي، وفق رئيس مركز البحوث والاستشارات كمال حمدان، يحتاج إلى تحديد من هو العاطل من العمل، فيما 30 إلى 40 في المئة من الأجراء غير مصرّح عنهم للضمان الاجتماعي، كما يجب أن يتم وضع شروط للإفادة من الصندوق، وبالتالي فور اتخاذ هذا القرار، يجب المباشرة في القيام بدراسات عديدة لتحديد المستفيدين من الصندوق وعددهم، ولمعرفة كيفية توزع العمال على القطاعات الاقتصادية، وتاريخ بدء العمل لجميع عمال لبنان... ولكن إذا تم إجراء المسوحات هذه، فستبدأ الأسئلة الكبيرة التي تستدعي هي الأخرى وفق حمدان دراسات للإجابة عنها، ومنها مثلاً: كيف سيتم تعويض الذين خسروا أعمالهم، وفق الأجر القديم أو آخر أجر تقاضاه العامل؟ ما هي المدة التي يغطي فيها الصندوق العمال المتعطلين؟ 6 أشهر؟ سنة؟ كيف يمكن التأكد من أن الشخص طالب المساعدة عاطل فعلياً من العمل؟
ويشدد حمدان على وجوب وضع سيناريوهات معينة لتحديد المستفيدين من الصندوق، عبر تحديد فترة عملهم التي سبقت صرفهم من العمل مثلاً... أما السؤالان المحوريان فهما: كم هي قيمة الأموال المتوقع أن تدخل صندوق البطالة؟ وكيف سيتم تمويل هذا الصندوق؟ من الضرائب؟ من الاشتراكات؟ من يدفعها؟ العامل أو رب العمل، أو الدولة؟ أم أنها ستتوزع على هذه الأطراف مجتمعة؟ وبأيّ نسب؟
وإذا كانت الدراسات المتعلقة بسوق العمل واجباً يجب أن توفره الحكومات في جميع دول العالم... فلماذا لم يتم تنفيذ هذه الدراسات حتى الآن في لبنان؟ يقول وزير العمل محمد فنيش لـ«الأخبار» إن العمل على صندوق تعويض العمال لا يزال في مرحلته الأولية، لافتاً إلى أن المباشرة بهذا المشروع تستوجب دراسات لسوق العمل، فيما المسوحات والأرقام اللازمة غير متوافرة حتى الآن. ويصف الحراك القائم حالياً حول موضوع صندوق تعويض العمال بمجرد فكرة يجب أن تتبلور في الحصول على معلومات تفصيلية ضرورية عن سوق العمل والعمالة في لبنان، منها مثلاً تحديد المستفيدين من صندوق البطالة بأن يكونوا قد خرجوا من سوق العمل، لا أن يكونوا من المواطنين الذين لم يدخلوا أصلاً إلى هذه السوق. وعن سبب التأخير في المباشرة بهذه الدراسات، يشدد فنيش على أهمية الاطّلاع على التجارب العالمية في هذا المجال، موضحاً أن الوزارة تتعاون مع مديرية الإحصاء المركزي ومنظمة العمل الدولية في هذا الإطار. ويكشف فنيش عن البدء بتحديد مضمون استمارات تكون بمثابة المرحلة الأولى لإجراء المسوحات الشاملة لسوق العمل في لبنان، على أن تتبلور فكرة صندوق البطالة بعد عام من الآن.
وعلى الرغم من الأهمية القصوى لمشروع صندوق البطالة، إلا أنه لا يعتبر مرتفع الكلفة نسبة إلى المشاريع المتعددة التي تنفذها الدولة وتكلف ملايين الدولارات ولا تعود بالنفع المطلوب على المواطنين. فقد سبق لوزير العمل السابق طراد حمادة أن أعدّ مشروعاً مصغّراً عن صندوق البطالة لتعويض حوالى 6 آلاف عامل متضرر من حرب تموز لا يكـلفون الخزانة شيئاً، بحيث يتم تمويل الصندوق من مساعدات الإغاثة للبنان، ومن الهبات. المشروع الثاني هو دراسة قامت بها مؤسسة البحوث والاستشارات ارتكزت على تصوّرين في موضوع صندوق البطالة، الأول يقوم على ربط التعويض بالحد الأدنى للأجور، والثاني على ربطه بالأجر الأخير الذي تقاضاه المتعطل عن العمل، بحيث تكون كلفة المشروع حوالى 300 مليون دولار سنوياً... ويلفت حمدان إلى أنه يمكن تمويل صندوق البطالة من اقتطاع 2 إلى 3 في المئة فقط من ضريبة الـ TVA. أما دراسة البنك الدولي فقد أوصت بإنشاء نظام تأمين البطالة من دون تكاليف تذكر على الخزينة، إذ يمكن أن يتم تمويله من أطراف الإنتاج... على أي حال لم يتم العمل باقتراح حمادة، ولا بالدراسات الموجودة، ويقول فنيش إنه لم يطّلع عليها، لافتاً إلى أن التصور الذي يقترحه يحتاج إلى دراسة جدية.



50 ألف عامل

هو حجم الذين خسروا عملهم وفق افتراضات لدراسة مؤسسة البحوث والاستشارات، من بين 120 ألف عاطل من العمل افتراضيين (بسبب عدم توافر مسوحات رسمية)، وكون المؤسسات في لبنان صغيرة وعائلية، يصعّب مكافحة العمالة غير المصرّح عنها



الآثار المباشرة لحرب تموز على البطالة

تشير دراسة للبنك الدولي أن خسائر الوظائف نتيجة حرب تموز بلغت الـ 120,000، وخصوصاً لدى العاملين في السياحة والزراعة. وتتابع «من الصعب تقدير البطالة في لبنان، إذ لا يوجد مسح رسمي لقوة العمل، وترتكز مختلف التقديرات على معلومات من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، جمعية الصناعيين والمصرف المركزي. ولفتت الدراسة إلى أن حوالى 40,000 مزارع تأثروا بالأعمال العدائية. وتم فصل حوالى 30 ألف عامل موسمي في قطاع السياحة. أما القطاع الصناعي فسجل خسارة 6000 وظيفة (وزارة الصناعة ووزارة الداخلية)


عدد الثلاثاء ١٣ كانون الثاني ٢٠٠٩

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق