3‏/2‏/2009

الإصلاح الاجتماعي متوقّف بسبب «بيروقراطية» البنك الدولي!


أزعور خلال المؤتمر الصحافي (هيثم الموسوي)أزعور خلال المؤتمر الصحافي (هيثم الموسوي)رشا أبو زكي

طبعاً متفائل، فوزير المال جهاد أزعور جرّد حكومته من كل مسؤولياتها عن تراجع الوضع الاقتصادي، أما البنك الدولي فهو بيروقراطي يعيق الإنجاز السريع لوعود البرامج الاجتماعية، ودعم المازوت غير نافع، ووقف الاحتكارات معدوم، ومجلس النواب مغلق... ولكن على الرغم من ذلك استطاعت الحكومة تحقيق إنجازها المحبب، إذ زادت إيراداتها... لا بل خفضت نفقاتها! إنها بشارة جديدة لكل من يتشكك حتى اليوم بضعف الأداء وخطأ السياسات

مؤتمر تبرئة ذمة الحكومة الذي عقده وزير المال جهاد أزعور، أمس، تحت عنوان «نتائج المالية العامة لغاية شهر كانون الأول 2007، والآفاق الاقتصادية لسنة 2008» لم يخرج من أطره المعتادة في تبرير المشكلات الاقتصادية بالعوامل السياسية والأمنية، من دون أن يتطرق إلى مشكلة حقيقية تتعلق بعدم التزام الحكومة القيام بإصلاحات اجتماعية وتنموية يمكّنها من السيطرة على انفلات الأزمة المعيشية وتوسعها. والمدهش في هذا المجال أن البنك الدولي وهو «صديق» صندوق النقد الدولي الذي يملي على لبنان شروطه الاقتصادية المعادية لأي تنشيط للقطاعات الإنتاجية وللحمايات الاجتماعية، والذي يأخذ على لبنان بيروقراطية إداراته العامة التي تُحل بحسب نصائحه «الخلابة» بالخصخصة، هذا البنك هو الملام الأساسي في عدم تطبيق الخطة الاجتماعية لخفض مستويات الفقر في لبنان والتي وردت في أوراق مؤتمر باريس 3. أما الطامة الكبرى فهي إعلان أزعور لـ«الأخبار» أن سبب تأخر تطبيق الخطة يعود إلى البيروقراطية الموجودة في البنك نفسه، وربما يحاول الوزير أزعور أن يعاقب البنك على موقفه الذي شكل صفعة لسياسات الحكومة في مجال الكهرباء عندما حمّلها مسؤولية التردي في هذا القطاع، وتحفّظ على طروحاتها لخصخصة مرافق الإنتاج.

احتكارات؟ وماذا نفعل؟

أزعور لفت «الأخبار» إلى أن الحكومة لا تستطيع السيطرة على ارتفاع الأسعار، وأشار إلى أن سياسة الدعم أثبتت عدم جدواها بالنسبة لذوي الدخل المحدود، إذ إن 10 في المئة من هذه الشريحة فقط تفيد من دعم المازوت، في حين أن الآلية المعتمدة للتوزيع هي الأكثر توافراً، وأن إيجاد آلية لدعم الفقراء فقط موضوع مستحيل، ولفت إلى أن الحكومة مخيّرة بين دعم المازوت وفق هذه الآلية أو عدم دعمه، وأشار إلى أنه كان من الأجدى دعم قارورة الغاز التي يفيد منها اللبنانيون بكافة شرائحهم، وأن هذه الفكرة لم ترد إلى أذهان الوزراء إلا بعد المباشرة بدعم المازوت! ولفت أزعور إلى أن احتكار المطاحن لسوق الطحين صحيح، ولكن وقف الدعم يعني التهديد بعدم إنتاج الرغيف، مشيراً إلى أن الدولة تصرف مبالغ باهظة على دعم القمح المستورد. وعند سؤاله عن حماية المال العام وعدم هدره على المطاحن مثلاً، يجيب أزعور «منيح اللي عرفتو»!
وقال أزعور لـ«الأخبار» إن خفض الدين العام عبر الإفادة من فروق الذهب الموجود كاحتياط للدولة في مصرف لبنان هو عمل مشروع، وقد حدث في أعوام 2003 و2004 و2005، وأن الدولة لم تستخدم هذه الفروق كإيرادات لها وانما استخدمتها في إطفاء الدين العام. وأشار إلى أن ثمة إجراءات يجب أن تتخذ لمواكبة الأوضاع الاجتماعية. وأضاف «درسنا مجموعة من الحلول والإجراءات سنعرضها على الحكومة قريباً، للمساعدة في تخفيف الأعباء وإعطاء دفع للقدرة الشرائية، ولكن يبقى الأهم في ما خص دعم القدرة الشرائية هو تكبير حجم الاقتصاد. كما لفت أزعور إلى أن جميع الأسواق تعاني من ارتفاع أسعار العقارات بسبب الطلب الكبير عليها، مشيراً إلى أن هذا الارتفاع سيستمر في لبنان.

التأثيرات السياسية... والتوقعات

وقد شدد أزعور على أن «أي معالجة ولو جزئية للوضع السياسي سيكون انعكاسها كبيراً على الاقتصاد وعلى الوضع المعيشي لجميع اللبنانيين ووضع مالية الدولة»، وقال إن الوزارة رفعت سيولة الخزينة وتحضّر «مجموعة إجراءات استباقية لتجنب تعرض الوضع المالي لأي اهتزاز»، مطمئناً إلى أنه «مرتاح إلى أن هذه الإجراءات ستتيح تخطّي 2008 في ما يتعلق بقدرات الدولة التمويلية». وقال إن «سنة 2007 كانت تشكل تحدياً كبيراً على الصعيد المالي، حيث شهدت العديد من التطورات الأمنية والسياسية، منها إغلاق الوسط التجاري وانسحاب عدد من الوزراء من الحكومة، وصولاً إلى شغور سدة رئاسة الجمهورية».
ولاحظ أنه «كان للتطورات الاقتصادية العالمية أيضاً تأثير سلبي كبير، وخصوصاً أرتفاع اسعار النفط التي كلفت الدولة 1,1 مليار دولار بسبب عجز مؤسسة كهرباء لبنان، إضافة إلى خسارة الدولة نحو 400 مليون دولار كعائدات رسوم المحروقات...
ولفت أزعور إلى أن الدولة تتكبد نفقات باهظة على الرواتب أولاً بسبب زيادة عديد القوى الأمنية والعسكرية وزيادة العطاءات وخصوصاً بعد انتشار الجيش في الجنوب على أثر العدوان الإسرائيلي، بحيث ارتفعت النفقات نحو 9 في المئة لتصل إلى 289 مليار ليرة، كما وصل دعم المديرية العامة للقمح والشمندر السكري إلى 32 مليار ليرة، وتحويلات الدولة إلى مؤسسة الكهرباء ارتفعت 500 في المئة وهو ما بات يشكل، بعد الرواتب والأجور، ثاني أكبر عبء على الدولة من خارج خدمة الدين.

النتائج المالية لعام 2007

من جهة أخرى، أظهر بيان وزارة المال الذي يلخص عمليات الموازنة والخزينة حتى نهاية عام 2007، أن العجز الإجمالي (الموازنة وعمليات الخزينة) بلغ خلال عام 2007 ما قيمته 3,838 مليارات ليرة، أي ما نسبته 30 في المئة من إجمالي النفقات المحققة خلال هذه الفترة، مسجلاً انخفاضاً قدره 726 مليار ليرة أو ما نسبته 16 في المئة، في حين بلغ العجز 4،564 مليارات ليرة عام 2006، أي ما نسبته 38 في المئة من إجمالي النفقات. وبلغ الفائض الأولي الإجمالي الذي تحقق خلال 2007 نحو 1،102 مليار ليرة، أي بارتفاع قدره 1,109 مليار ليرة مقارنة مع عجز قدره نحو 7 مليارات ليرة لعام 2006. وقد لفت أزعور في مؤتمره الى أن هذا الارتفاع هو الأعلى منذ 15 عاماً. وأمل في «الوصول في السنوات المقبلة الى عجز في الموازنة لا تتخطى نسبته الخمسة في المئة من الناتج المحلي».
وأظهر الملخص أن إجمالي إيرادات الموازنة والخزينة المحصلة حتى نهاية عام 2007 بلغ ما قيمته 8،749 مليارات ليرة (أي 24% من الناتج المحلي)، أي بارتفاع قدره 1،433 مليار ليرة وما نسبته نحو 20 في المئة مقارنة بما كانت عليه خلال عام 2006. وسجلت إيرادات الموازنة 8,094 مليارات ليرة في عام 2007 أي أنها ارتفعت بنسبة 18 في المئة. ويعود هذا التحسن إلى الارتفاع الذي شهدته الإيرادات الضريبية بقيمة 640 مليار ليرة أو 13 في المئة، وارتفاع الإيرادات غير الضريبية بنحو 565 مليار ليرة أو 29 في المئة نتيجة زيادة إيرادات بنسبة 40 في المئة من وفر موازنة الاتصالات وكازينو لبنان ومرفأ بيروت ومطار بيروت الدولي.
وبلغ إجمالي الإنفاق (الموازنة والخزينة) حتى نهاية عام 2007 ما قيمته 12،587 مليار ليرة، مقابل مبلغ 11،879 مليار ليرة لعام 2006، الأمر الذي يعكس ارتفاعاً في حجم الإنفاق الإجمالي قدره 707 مليارات ليرة، أي ما نسبته نحو 6 في المئة. ويعود هذا الارتفاع إلى أسباب عدة، أهمها ارتفاع خدمة الدين العام بمبلغ يقارب 383 مليار ليرة، علماً بأن الزيادة التي شهدها بنسبة 8 في المئة تعود إلى عاملين: ارتفاع في خدمة الدين الداخلي بنحو 6 بالمئة من جهة، وارتفاع في خدمة الدين الخارجي بنحو 11 بالمئة من جهة أخرى. إضافة الى ارتفاع الإنفاق على كهرباء لبنان بمبلغ يقارب 108 مليارات ليرة ليبلغ لغاية نهاية عام 2007 ما قيمته 1،479 مليار ليرة.
وأوضح أزعور أن «وضع الدين سنة 2007 كان على درجة عالية من الضبط، إذ ارتفع بنسبة 4 في المئة أي بنسبة أقل من التضخم وأقل من الناتج المحلي الاسمي، أي أن نسبته إلى الناتج المحلي الاسمي انخفضت نحو 6 في المئة، ويعود ذلك الى 3 أسباب، وهي: ارتفاع الفائض الأولي وبعض مساعدات باريس ــ 3 وارتفاع أسعار الذهب، إذ استعملت الدولة إيرادات الذهب للخزينة التي بلغت 1200 مليار ليرة لخفض الدين».


تحديات 2008

قال أزعور إن «تحدياتنا لسنة 2008 أن نظل محافظين على استقرار الوضع المالي، وهو ما سيكون أصعب نظراً إلى الأوضاع السياسية وعدم إقرار موازنات السنوات الثلاث الأخيرة وفراغ رئاسة الجمهورية وعدم وضوح الرؤية بالنسبة إلى الإدارة السياسية المستقبلية». وشدد على أن «التحدي الأساسي في 2008 بتمويله، وذلك بسبب عدم انعقاد مجلس النواب». وأضاف «خلال السنتين المنصرمتين أعادت الدولة تمويل نحو 28 مليار دولار ديوناً من دون أن نشهد ارتفاعاً في الفوائد، واعتمدنا سياسة الترقب ورفع سيولتنا عندما يكون الوضع السياسي مأزوماً وأخذ كل الإجراءات قبل الاستحقاقات».


عدد الخميس ٧ شباط ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق