13‏/2‏/2009

فضيحة السنيورة في مجلس النواب



مصرف لبنان لا يستطيع أن يقرض الحكومة بضمانة جهات أجنبية

السنيورة في احد خطاباته  (أرشيف)السنيورة في احد خطاباته (أرشيف)لم يتوقف النواب كثيراً في جلستهم أمس عند خطورة ما قاله الرئيس فؤاد السنيورة في سياق تبريراته لعدم استكمال دفع تعويضات المتضررين في حرب تموز، إذ صرّح بأن «الحكومة استدانت من مصرف لبنان بناءً على ضمانة الأموال السعودية المودعة لدى مصرف لبنان لتنفيذ الإغاثة السريعة وتأمين الدفعة الأولى للمتضررين»، وبدا لاحقاً أن أحداً لم يفهم ما عناه

رشا أبو زكي
في ذروة النقاش في مجلس النواب، أمس، عن الهيئة العليا للإغاثة، ومع تصاعد مطالب النواب بتوضيح توقف الهيئة عن تسديد الدفعة الثانية للمتضررين في المناطق التي كفلتها السعودية، ووجود عجز في ميزانية الهيئة في ما خصّ نتائج العدوان الإسرائيلي حتى نهاية آب 2008 بنحو 424 مليون دولار، وقف رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، سند يده على المنبر الخشبي أمامه، وقال بوضوح «كل الأموال والمساعدات التي حصلنا عليها، كانت قاصرة عن تغطية كل النفقات الضرورية لإكمال عملية الإغاثة وإعادة الإعمار، لذلك استدانت الحكومة من مصرف لبنان بضمانة جزء من الأموال التي تبرعت بها المملكة العربية السعودية»... النواب لم يفهموا ما قاله السنيورة، وظن النائب علي حسن خليل أن «السنيورة خلط بين الهبة السعودية لإعادة إعمار 220 قرية والوديعة». فأوضح السنيورة أن «السعودية أودعت لدينا مليار دولار في البنك المركزي، ولكن نحن نتكلم على 650 مليون دولار، 550 مليوناً هبة و100 مليون للدفاع المدني وقوى الأمن، ونحن استدنّا من مصرف لبنان على أساس الهبة»... فما الذي يعنيه كل ذلك؟
الواضح، أن النواب صدموا بحجّة غير مسبوقة أعلنها السنيورة أمامهم وللمرة الأولى، عن سبب عدم التزامه بتسديد تعويضات متضرري حرب تموز، بعد تأخير دام سنتين. وبعد انتهاء كلمته، انشغل عدد منهم في التحقق من موضوع الاستدانة من مصرف لبنان بضمانة الهبة السعودية، ومدى قانونيتها، وارتباطها بالتزام السعودية بتعويض متضرري 220 قرية لبنانية. وقال النائب حسن فضل الله لـ«الأخبار» إن «السنيورة قال إنه استدان من مصرف لبنان بضمانة الهبة السعودية، ويعتبر ذلك مبرراً لوقف صرف الدفعة الثانية من المساعدات السعودية للمتضررين. سنبحث هذا الموضوع قبل إطلاق أيّ موقف، ولكن الأكيد أن هناك هبة سعودية تتبنّى 220 قرية ويفترض أن تصل إلى الناس».
أما النائب علي حسن خليل فقال «أشكّ في صحّة كل ما قاله السنيورة، لأن الهبة السعودية موجودة في حساب متحرك في مصرف لبنان، لتغطية التعويضات على المتضررين، فكيف يمكنه الاستدانة من هذا الحساب؟».
واعتبر شريك مؤسس لشركة «WMG FUNDS» في لندن، حسن خليل، أنه في المبدأ من المفترض أن لا تقع الهيئة العليا للإغاثة في أيّ عجز، لكونها غير مخوّلة صرف أكثر مما يصلها من مبالغ، وسأل «ما الحكمة من الاستدانة على أساس ضمانة الهبة، وما المنطق من تجميدها للاستدانة بضمانتها؟ لا يحقّ للهيئة الاستدانة، وإن كانت الحكومة قد استدانت فكيف تستطيع ذلك من دون العودة إلى مجلس النواب؟

■ مخالفة قانون النقد والتسليف

ما قاله السنيورة أمس يتجاوز بدلالاته كل ذلك، ويفتح الباب أمام أسئلة كثيرة وكبيرة، بل إن بعض المصادر المطّلعة تذهب إلى حدّ نفي صحّة الواقعة نفسها، أي أن تكون الحكومة قد استدانت من مصرف لبنان بضمانة الأموال السعودية، فهذه الواقعة لا أساس لها ولا مسوّغ قانونيّاً لها وهي أصلاً تنتهك المبدأ السيادي إذا حصلت.
ويوضح الخبير المعروف والشديد الاطّلاع، شربل نحاس، أن مصدر الاستغراب يكمن في أن الحكومة تلجأ دائماً إلى الاستدانة من مصرف لبنان، خلافاً لقانون النقد والتسليف الذي يتضمّن موادّ وأحكاماً عدة تمنع ذلك إلا في حالات استثنائية موصوفة ومحدّدة، أي أن هذه ليست المرة الأولى، إذ توجد ديون قائمة بقيمة 10 آلاف مليار ليرة لمصرف لبنان على الحكومة، وسبق لمصرف لبنان أن شطب ديوناً للحكومة بقيمة مماثلة بحجّة ما يسمى «فروقات سعر الذهب»، علماً بأن الذهب لدى مصرف لبنان مجمّد ولا ينتج أرباحاً.
ويوضح نحّاس أيضاً أن هذه الاستدانة تنطوي على خلق نقد بالليرة اللبنانية، ما يزيد الكلفة النقدية ويرفع الأسعار، الأمر الذي يمكن وصفه بالضريبة الصامتة، وهذا ما دفع أصلاً صندوق النقد الدولي إلى التحذير من مخاطره في معظم تقاريره عن لبنان.
إذاً لا علاقة إطلاقاً، ولا بأيّ شكل من الأشكال بين ما تنفقه الهيئة العليا للإغاثة، واستدانة الحكومة من مصرف لبنان، ووجود وديعة أو هبة سعودية لدى مصرف لبنان، وذلك للأسباب الآتية:
أولاً- إن هذا النوع من الاستدانة هو وسيلة ملتوية للتمويل معتمدة منذ سنوات طويلة ولم تتورّع الحكومة عن استخدامها عند كل حاجة تمويلية طارئة أو غير طارئة.
ثانياً- إذا كان المقصود الوديعة السعودية، فهي موجودة لدى مصرف لبنان منذ 1997 إلى جانب ودائع دول الكويت والإمارات...
ثالثاً- إن هذه الأموال السعودية (الوديعة أو الهبة) هي بالعملة الأجنبية، بينما استدانة الحكومة من مصرف لبنان هي بالليرة اللبنانية، ما يفقد أي رابط مباشر بينهما.
رابعاً- إن استدانة الدولة من مصرف لبنان المركزي هي مسألة سيادية تتصل بصلاحية السلطة النقدية في طبع العملة المحلية، وبالتالي ليس هناك أي مسوّغ يفسّر ما قاله السنيورة لجهة الاستدانة من مصرف لبنان بضمانة الأموال السعودية.
خامساً- إن قيام طرف أجنبي بإيداع أموال لدى المصرف المركزي بالعملة الأجنبية هدفه المساهمة في دعم الاحتياطات الأجنبية، وتخفيف الضغوط على العملة المحلية، وبما أن استدانة الحكومة من مصرف لبنان تنطوي على عملية خلق نقد، الأمر الذي يؤدّي إلى تضخّم وبالتالي يزيد الضغوط على سعر الصرف، فإن دور هذه الأموال ينحصر في وظيفتها الوحيدة أي تدعيم احتياطات مصرف لبنان في مواجهة الضغوط النقدية، وليس ضمانة الاستدانة نفسها.

■ أهداف السنيورة

ويعتقد بعض النواب أن السنيورة هدف من كلامه إلى واحد من ثلاثة احتمالات:
1ـ التذرّع بأعمال الإغاثة لتغطية عملية الاستدانة من مصرف لبنان بطريقة مخالفة للقانون، والتي تزايدت في السنوات الأخيرة خلافاً لالتزامات الحكومة أمام صندوق النقد عبر برنامجيه: إيبكا 1 وإيبكا 2.
2ـ زجّ السعودية في سجال داخلي ووضعها كمنقذ وحيد لولاه لما استطاعت الحكومة أن تقوم بأيّ عمل بعد حرب تموز، وهذا ما قاله الرئيس السنيورة صراحة.



309 ملايين دولار

هي القيمة التي يقول السنيورة إن الهيئة العليا للإغاثة دفعتها بضمانة الهبة السعودية لتأمين أعمال الإغاثة السريعة بمبلغ 130 مليون دولار، والدفعة الأولى للمنازل التي لم يتمّ تبنّيها بـ179 مليون دولار



إعلان وقف التعويضات

قال النائب علي حسن خليل لـ«الأخبار» إن «السعودية والهيئة العليا للإغاثة التزما تعويض 220 قرية، إلا أن السنيورة أعلن أمس التراجع عن الالتزام بالدفع، موحياً بأنه صرف الدفعة الأولى من المساعدات، أما الثانية فمؤجلة حتى تغطية العجز في ميزانية الهيئة. فيما كشف رئيس مجلس النواب نبيه بري عن لقاء عقد مع السفير السعودي لاستيضاحه عن سبب تأخير الدفعات، فكان أن اتصل السفير بالهيئة ليفاجأ بأن الشيكات موجودة، لكنها لم تصرف. وأشار خليل إلى أنه بعد اللقاء تم دفع 25 مليار ليرة و أمس أعلن السنيورة وقف الدفع!


عدد الجمعة ١٩ كانون الأول ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق