13‏/2‏/2009

السنة الدولية للصرف الصحي: معاناة ثلث اللبنانيين



السيول تغرق طرقات بيروت (وائل اللادقي)السيول تغرق طرقات بيروت (وائل اللادقي)

رشا أبو زكي

286 ألف مسكن في لبنان بلا صرف صحي ملائم

أعلنت إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة عام 2008 سنة دولية للصرف الصحي، بهدف الإسراع في إحراز تقدم من أجل 2,6 بليون شخص حول العالم يفتقرون إلى مرافق مناسبة للصرف الصحي. فهل يلتزم لبنان معالجة مشكلة تطاول أكثر من ثلث اللبنانيين؟ وهل تكون نهاية هذا العام بشارة لكل من يعاني من فيضانات الشوارع ومن الحرمان من خدمات الصرف الصحي الأساسية؟

تقدّر الأمم المتحدة أن 42 ألف شخص يموتون كل أسبوع نتيجة لأمراض مرتبطة بسوء نوعية المياه وانعدام الصرف الصحي السليم. ومع أن أكثر من 1,2 بليون شخص في العالم أصبحوا يحصلون على صرف صحي محسّن خلال الفترة ما بين عامي 1990 و2004، فإنّ 2,6 بليون شخص تقريباً، من بينهم 980 مليون طفل، ما زالوا محرومين من هذه المرافق، فيما تبرز قضية الصرف الصحي ضمن الهدف الإنمائي للألفية المتعلقة بخفض نسبة الأشخاص الذين لا يحصلون على صرف صحي أساسي، مثل المراحيض البسيطة، إلى النصف بحلول سنة 2015... وفي لبنان تشير فيضانات الطرقات التي أصبحت ظاهرة روتينية سنوية مع كل مرة تهطل فيها الأمطار، إلى أن مشكلة الصرف الصحي أصبحت محورية، وخصوصاً أن هذا القطاع الذي تجري معالجته بطريقة مجتزأة، يطاول في تشعباته نحو 286 ألفاً و420 مسكناً من أصل 879 ألفاً و853 مسكناً في لبنان التي تعاني وفق الإحصاءات الرسمية من عدم اتصالها بالشبكات العامة للصرف الصحي!

تفاوت مناطقي

ويتلخص وضع قطاع الصرف الصحي في لبنان وفق تقارير مجلس الإنماء والإعمار، بالغياب التام لمنشآت تكرير المياه المبتذلة قبل تصريفها في المحيط الطبيعي، ووجود شبكات للصرف الصحي في بعض المناطق، بما يؤدي إلى تجميع المياه المبتذلة وتصريفها بطريقة عشوائية ومن دون أي معالجة في الوديان والأنهر وعلى الشواطئ، وهذا ما يمثّل مصدر تلوث مهماً للبيئة وللثروة المائية السطحية والجوفية، إضافة إلى عدم وجود أي شبكات في بعض المناطق، وهو ما يؤدي إلى تصريف المياه المبتذلة في المحيط الطبيعي.
وفي السياق نفسه، تشير الدراسة الوطنية للأحوال المعيشية للأسر، التي أجرتها مديرية الإحصاء المركزي ووزارة الشؤون الاجتماعية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 2004 إلى أن 67،4 في المئة فقط من المساكن في لبنان تتصل بشبكات مجار صحية عامة، إلا أن توزّع هذه الشبكات يتفاوت بين محافظة وأخرى، إذ يصل إلى 99،1 في المئة في محافظة بيروت، في مقابل 17،9 في المئة في النبطية. كذلك تشير الدراسة نفسها إلى أن 1،8 في المئة من المساكن تتصل بشبكة مجار مفتوحة، ومنها 5،8 في المئة من المساكن في الشمال مقابل 0،1 في المئة في بيروت. وتستخدم 29،5 في المئة من المساكن في لبنان جورة صحية، وترتفع هذه النسبة إلى 80،5 في المئة في النبطية، مقابل 22،5 في المئة في جبل لبنان، وتنعدم هذه الظاهرة في بيروت. من ناحية أخرى تعاني 0،1 في المئة من المساكن من عدم وجود أي وسيلة للصرف الصحي وخصوصاً في النبطية والبقاع (0،2 في المئة) وفي الشمال (0،1 في المئة). فيما تستخدم 0،1 في المئة من المساكن وسيلة أخرى للصرف الصحي.

260 مليون دولار والمشكلة مستمرّة!

ويفيد تقرير مجلس الإنماء والإعمار عن إنجازات عام 2006، بأن قيمة المشاريع المنفذة في قطاع الصرف الصحي وصلت إلى 260 مليون دولار، وأهمها مشروع إعادة التأهيل العاجل لشبكات أقنية الصرف الصحي حيث تمّ إصلاح وإعادة تأهيل طارئ لشبكات الصرف الصحي في مختلف المناطق اللبنانية، كذلك أعيد تأهيل محطتي ضخ مياه الصرف الصحي في طرابلس وجونية، إضافة إلى إنشاء نحو ألف كيلومتر من شبكات وأقنية الصرف الصحي. ويشير التقرير إلى أنه تم إنشاء محطة المعالجة الأولية لمياه الصرف الصحي في الغدير.مياه آسنة في كفركلا (أرشيف)مياه آسنة في كفركلا (أرشيف) كذلك يجري العمل على مشروع خط تجميع مياه الصرف الصحي الرئيسي لساحل بيروت، وإنجاز تنفيذ المرحلة الأولى من تأهيل البنى التحتية في بيروت، والمرحلة الأولى من تأهيل شبكة الصرف الصحي في صيدا، وصيانة وتطوير شبكات أقنية الصرف الصحي ومياه الأمطار في المدن الرئيسية...
علماً بأن مجلس الإنماء والإعمار وضع منذ عام 1982 مخططاً توجيهياً لمعالجة المياه المبتذلة ثم تم تحديثه عام 1994، ويقضي بإنشاء 120 محطة تكرير، 12 منها موزعة على الشاطئ، لمعالجة مياه الصرف الصحي لنحو 2,3 مليون نسمة يعيشون في المنطقة الساحلية ولا سيما في المدن الكبيرة: بيروت، صيدا، طرابلس وصور. ومن أصل 120 محطة مرتقبة لم تنجز الحكومة إلا عدداً قليلاً من المحطات، منها محطة في منطقة الغدير وأخرى في بعلبك، فيما إنشاء المحطات الساحلية من شأنه أن يحلّ أزمة المياه الآسنة الناتجة من 65 في المئة من سكان لبنان المتوقعين حتى عام 2020.

نتائج غياب الصرف الصحي

ويبيّن تقرير المسح البيئي لعام 2001 الصادر عن وزارة البيئة أن لبنان يخلّف نحو 249 مليون مكعب من المياه المبتذلة، إضافة إلى نحو 43 مليون متر مكعب سنوياً ناتجة من المصانع.
وتلفت دراسة نشرت هذا العام عن «نوعية المياه في لبنان» أشرف عليها الخبير في الصحة العامة نبيل قرنفل والخبيرة في شؤون المياه علية قصقص، بدعم من رئيس اللجنة النيابية للمياه والكهرباء النائب محمد قباني، وبتمويل من مؤسسة «اميديست» إلى وجود أكثر من 19 محطة لمعالجة المياه وتنقيتها في لبنان تعمل بقدرة ضعيفة جداً، ونحو 120 محطة للكلْورة، 80 في المئة منها متوقفة عن العمل بسبب قلة الموارد البشرية المتخصصة والقادرة تقنياً على تشغيل هذه المحطات، إضافة إلى خفض المخصصات المالية لشراء الآليات والمواد الكيميائية، مشيرة إلى «أن ميزان المياه في لبنان ينبئ بحصول نقص في المياه في العقدين المقبلين، لذلك فإن من المهم إعداد خطة إدارة محددة وسياسات مائية». وتلفت الدراسة إلى أن تصريف مياه المجاري في المياه السطحية والجوفية من دون معالجة وإعادة استعمالها لري المزروعات أو للشفة، من اهم المعوقات التي تحول دون جودة مياه الشفة في لبنان وسلامتها، وخصوصاً أن لبنان يصرّف نحو 38096 متراً مكعباً من المياه المبتذلة إلى المياه السطحية.
وفي السياق نفسه، تشير مجلة البيئة والتنمية في 1 حزيران 2006، إلى أنه في غياب أي خطوات فعلية لحل مشاكل الصرف الصحي والنفايات الصلبة، أظهرت فحوص مخبرية حديثة أن بؤر التلوث الخطيرة ما زالت تهدّد مواقع كثيرة من الشاطئ، فيما بقيت مواقع أخرى صالحة للسباحة. وجمع فريق الخط الساخن، الذي تديره المجلة عينات من مواقع مسابح خاصة وشعبية متعددة، خلال شهر أيار 2006، فحصت في مختبرات الجامعة الأميركية في بيروت. وكانت النتيجةمضخة لسحب المياه المبتذلة (أرشيف)مضخة لسحب المياه المبتذلة (أرشيف) مرة أخرى ارتفاع مستويات التلوث في معظم المسابح المجانية وكثير من المنتجعات الخاصة. وقد سجّل مسبح شعبي في البيسرية (النبطية) أحد أسوأ معدلات التلوث البكتيري. وتجاوزت النسب الحد المسموح به تسع مرات (900 مستعمرة بكتيريا قولونية في كل 100 ميلليليتر، مقارنة بالحد المسموح به وهو 100 مستعمرة في كل 100 ميلليليتر).
وبيّنت نتائج الفحوص أن ثلثي المسابح الشعبية التي افتتحت صيف 2005 ما زالت ملوثة، وقد وصل التلوث البكتيري في شاطئ الرملة البيضاء إلى ستة أضعاف الحد المسموح به، مع تسجيل انخفاض في هذا التلوث عن العام الماضي، عزاه الأمين العام لمجلس الإنماء والإعمار غازي حداد إلى أن بلديات عدة حوّلت مسار صرفها الصحي عن محطة التكرير في الغدير، وهي محطة تمهيدية تفصل النفايات الصلبة عن الصرف الصحي لكنها لا تعالجه، وتصبّ في الرملة البيضاء. مما يعني أن نسبة التلوث البكتيري زادت في مواقع أخرى... وتضاف إلى بؤر التلوث البكتيري بؤر تلوث كيميائي، أهمها على شاطئي شكا ـــــ سلعاتا والدورة.

الحرب وتفاقم الأزمة

وقد أظهرت دراسة تقوم بها «حملة الأزرق الكبير» بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت وقيادة الجيش اللبناني، أن التلوث الكيميائي لا ينحصر عند مصبّات الأنهر ومصبات تصريف المصانع التي تضخ فضلاتها في البحر، إذ تسهم التيارات البحرية في نشره على طول الشاطئ، وخصوصاً لجهة شمال المصبات. وأكد المركز الوطني لعلوم البحار، أن غياب محطات معالجة مياه الصرف الصحي والصرف الصناعي، ووجود المكبّات العشوائية على الشواطئ، هما السببان الرئيسيان لتلوث البحر...
وأشارت خلاصة تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة الذي صدر أخيراً، إلى أن «لبنان يواجه تحديات بيئية خطيرة ومنتشرة على نطاق واسع... فقد أصاب التلوث العديد من المصانع والمجمعات الصناعية التي تعرضت للقصف والحرق خلال حرب تموز 2006، بما فيها محطة الجية للطاقة، وذلك من جراء العناصر السامة والخطرة صحياً». وقد وجد فريق البحث والتحليل أن أضراراً جسيمة أصابت موارد المياه وشبكات الصرف الصحي في لبنان نتيجة العدوان الإسرائيلي. لافتاً إلى أن «شبكات الصرف الصحي تعرّضت لأضرار على نطاق واسع خلال الصراع، ولهذا فهنالك خطر داهم ينذر بتلوث المياه الجوفية ومخاطر محتملة على صحة الإنسان».


نكبة الفقراء

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية في موضوع معالجة مشكلات الصرف الصحي، فسيكون هناك 2,4 بليون شخص لا يحصلون على صرف صحي أساسي في عام 2015، مع استمرار الأطفال في دفع الثمن بفقدان أرواحهم، وبعدم الانتظام في المدارس، وبالإصابة بالمرض وبسوء التغذية والفقر.
وتلفت إلى أن استثمار نحو 10 مليارات دولار سنوياً يمكن أن يخفض نسبة الأشخاص الذين لا يحصلون على صرف صحي أساسي بمقدار النصف بحلول عام 2015. وأن هذا المبلغ يقل عن واحد في المائة من الإنفاق العسكري للعالم في عام 2005، ويمثل ثلث الإنفاق العالمي المقدر على المياه المعبأة في قوارير، أو تقريباً ما ينفقه الأوروبيون على المثلجات كل عام. ومع أن التمويل اللازم للصرف الصحي ليس بالغ الارتفاع، فإن مردود ذلك الاستثمار يمكن أن يكون هائلاً.
من جهته، يشير تقرير التنمية البشرية 2006، الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الى أن 1،1 مليار شخص في البلدان النامية، لا يستطيعون الحصول على المياه النظيفة، وأن الخسائر الناجمة عن العجز في المياه والصرف الصحي تمثل حقيقة مخيفة. لكن الأزمة يعانيها الفقراء قبل غيرهم. فاثنان من كل ثلاثة أشخاص لا يستطيعون الحصول على المياه النظيفة ويعيشون على أقل من دولارين أميركيين يومياً، فيما يعيش واحد من كل ثلاثة بأقل من دولار. وهناك أكثر من 660 مليون شخص لا يحصلون على الصرف الصحي يعيشون بأقل من دولارين يومياً، وأكثر من 385 مليوناً بأقل من دولار يومياً.
ويعرض التقرير خطوات مطلوبة للتقدم في تأمين المياه النظيفة والصرف الصحي، من بينها وجود قيادة أفضل، ترى الصرف الصحي جزءاً من سياسات التنمية الوطنية، ضمان المشاركة الجماهيرية في التخطيط الوطني، إيصال الدعم المالي إلى الأسر الأفقر، معالجة التفاوت بتحديد من تتوافر له خدمات الصرف الصحي ومن يفتقر إليها، وتطوير خطة عمل دولية في شأن المياه والصرف الصحي، بدلاً من التركيز على الإنفاق العسكري.


عدد الاثنين ١١ شباط ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق