20‏/1‏/2010

250 مليار ليرة لتأمين «الحزمة العريضة»


نحّاس: حنّطوا قطاع الاتصالات لزيادة إيرادات الخزينة وأغفلوا تطويره
(مروان طحطح)(مروان طحطح)أعلن وزير الاتصالات شربل نحاس خطة وزارته لتقديم خدمات الحزمة العريضة في عام 2010، إلا أنه عرض كذلك المشكلات والإرباكات الكبيرة التي يعاني منها قطاع الاتصالات، مصوّباً أمام الرأي العام وأمام المعنيين في الوزارة على نقاط الضعف والخلل، كخطوة تمهيدية للبدء بـ«الورشة» الداخلية...

رشا أبو زكي
فقدان في الرؤية وارتباك في الأداء، تحكّم منطق الأمر الواقع بقطاع الاتصالات، سياسات قطاعية غير منجزة، تبسيط الحلول في ظل واقع معقّد... إنه باختصار «قطاع محنّط»، وهذا التوصيف لم يستطع وزير الاتصالات الدكتور شربل نحاس تجميله في معرض إطلاقه خطة الوزارة في إدخال خدمات الحزمة العريضة إلى الإنترنت السريع في لبنان، لا بل أكد أن قطاع الاتصالات أصبح موضوع خلافات ومطامع ونزاعات، بعدما فاقت إيرادات الاتصالات التوقعات الأكثر تفاؤلاً، فيما فاق تردّي الأوضاع المالية التوقعات الأكثر تشاؤماً، فتحوّل قطاع الاتصالات إلى مورد أساسي للخزينة، فرُفعت ثم حُنّطت تعرفة الخدمات، وجمّدت الاستثمارات ما خلا ضرورات الاستبدال الملحّة!
وخلال مناقشة هذه الخطة في ندوة أقيمت في فندق فينيسيا، بعنوان «واقع ومستقبل الحزمة العريضة BroadBand في لبنان»، بدعوة من اللجنة اللبنانية لمتابعة شؤون الحزمة العريضة، برعاية جمعية مصارف لبنان، أعلن نحّاس خطة الوزارة التي تقوم على تأمين زيادة الدفق في الإنترنت من 256 كيلوبايت إلى دفق يفوق 2 ميغابايت، ورفع التغطية من %86 من المشتركين، إلى حوالى %93 بنهاية العام الجاري.

عوائق وحلول

وتشمل بنود الخطة، التي يكلّف تطبيقها 250 مليار ليرة لبنانية، وأرسلت إلى وزارة المال ووافقت عليها من ضمن موازنة 2010، نقاطاً عديدة، أهمها البدء بتشغيل واستثمار كابل الهند، فالشرق الأوسط وأوروبا ذات السعات الدولية الكبيرة خلال شهر أيار 2010، شراء سعات دولية مختلفة على الكوابل البحرية، استئجار بوابات إضافية من مختلف المشغلين لزيادة حجم الاتصال بشبكة الإنترنت الدولية بعد تشغيل الكابل، فتنتقل السعة الإجمالية من حوالى 2 جيغابايت إلى 120 جيغابايت، توسعة وربط مراكز عدة بالألياف البصرية، توسعة شبكات الألياف البصرية الأساسية التي تربط المناطق (حوالى 400 كلم مسالك أرضية و830 كلم ألياف بصرية إضافية)، إنشاء شبكات ألياف بصرية ثانوية ضمن بعض المناطق اللبنانية وتوسيع شبكات بعض المناطق الأخرى، إضافة أجهزة تكميلية لشبكة الألياف.

القانون 431 يحوّل وزير الاتصالات إلى ساعي بريد!

وكذلك رفع القدرة التقنية للمراكز لاستيعاب الدفق المتعاظم للمعلومات ومعالجته، والبدء بمشروع تجميع السنترالات وتوحيدها وتطويرها بإدخال تكنولوجيا حديثة تسمح باستعمالها للمعلومات والهاتف المتنقل، بالإضافة إلى خدمة الصوت والصورة. وإنشاء مركز مراقبة لشبكة الجيل الجديد، «فننتقل من 59 مركزاً رئيسياً إلى 7 مراكز».
من جهة أخرى، تشمل الخطة توسعة الشبكة المحلية وتحسينها عبر القيام بأعمال مدنية وكوابل للهاتف الثابت لاستيعاب حوالى 40 ألف مشترك إضافي، توصيل خطوط الهاتف الثابت إلى المباني والمشتركين الجدد (حوالى 2000 مبنى)، وتوصيل الكابلات الضوئية إلى مراكز الاستخدام أو الإنتاج المكثفين للمعلومات، كما تلحظ زيادة سعة خطوط الاتصال المحلية التأجيرية من 800 E1 إلى 4000 E1، إضافة إلى دراسة إنشاء نظام WIMAX لتلبية المناطق التي يصعب إيصال الشبكة المحلية إليها، وتجهيز شبكتي الخلوي بنظام HSPA+ الذي سيسمح بتأمين نقل المعلومات حتى 20 ميغابايت للمشتركين.

قصة «كبسة الزر»

وفي معرض حديثه عن القطاع، لم يبرر نحّاس الواقع المزري بأنه فعل قدري، لا بل شدد على أنه ليس وليد صدفة، وليس ناتجاً من قلة دراية، بل هو نتاج قرارات محددة أخذت في الغالب بوصفها استثنائية وموقتة وظرفية أتت كردود فعل على أحداث وتطورات طارئة. وقدّم أمثلة على «الطارئ المستديم والاستثنائي المقونن»، ومنها توسعة مهام أوجيرو «استثنائياً» نتيجة إحجام الحكومة عن مواءمة أجور الفنيين في الوزارة بمقتضيات سوق العمل، إنشاء شركتي الخلوي «الانتقاليّتين» بنتيجة الفسخ المبكر لعقدي إنشاء الخلوي وتشغيله وانتقاله. اضطرار الوزارة للترخيص «مؤقتاً» لشركات نقل المعلومات بفعل أمر واقع نتج من إقدام مصارف وغيرها على تركيب شبكاتها الخاصة زمن الحرب. منح معظم الإذاعات «رخصاً» بعدما بدأت العمل في فترة الحرب أيضاً، ليتبيّن حالياً وجود رخص من دون موجات، وموجات من دون رخص!
وارتباك الوزارة في توفير خدمات الاتصالات «كافّة»، حوّلها، وفق نحّاس، إلى ما يشبه الشركة القابضة، فنتج من تعدد القنوات فقدان في الرؤية وارتباك في الأداء على صعد ربط إيرادات الأنشطة بتكاليفها، ضبط الاستثمارات وجدواها الاقتصادية، حصر قيم التجهيزات والموجودات وعقلنة القرارات. أما عن قانون الاتصالات رقم 431 الصادر في عام 2002، فقد شرّحه نحاس بطريقة كاريكاتورية، مشيراً إلى أن القانون يرسم حلاً مبسّطاً للقطاع: بيع رخصتي هاتف خلوي بمزايدة عالمية لتعظيم استقطاب الرساميل و«تحييد الأطماع المحلية»، وتحويل سائر الأنشطة إلى شركة لبنان للاتصالات. وحصل ذلك مع استسهال ظاهر للواقع ومشاكله، وكأن الانتقال النوعي من واقع معقّد إلى المرتجى يتمّ بكبسة زر. ولفت إلى أن المادة الأولى من القانون 431 حددت صلاحيات وزير الاتصالات بأن يصبح ساعي بريد، بحيث «يشارك في المؤتمرات الدولية ويوقّع المعاملات ويصرّف الشؤون الإدارية»... كما يضع القواعد العامة لتنظيم خدمات الاتصالات، أي سياسة القطاع».
واستنتج نحاس أن المطلوب هو إذاً أن يضع الوزير السياسات القطاعية، بدءاً من معاينة دقيقة لخانة الانطلاق، وصولاً إلى تحديد واضح لخانة الانتهاء ومروراً برسم مفصل لخريطة الطريق، لافتاً إلى أن هذه السياسات القطاعية ليست منجزة بتاريخ اليوم، ولن يجري السير بأيّ خطوة بنيوية من دون إنجاز هذه السياسات القطاعية.
لكن القواعد لرسم هذه السياسات القطاعية معروفة بحسب نحاس، وهي تتلخّص بفصل الأعمال التجارية عن الأعمال السيادية، سواء كانت عمليات دعم أو عمليات جباية، لأن الخلط بينهما يغذي موقفين متناقضين، كلاهما غير قابل للتطبيق: «بيعوا كل شيء» على ضفة و«إياكم بيع أي شيء» على ضفة أخرى، فتدور السجالات بين «حزب الخصخصة» و«حزب اللاخصخصة»... معتبراً أن على الدولة أن تركّز على سبل زيادة إنتاجية القطاع وزيادة فرص العمل وتحسين الخدمات وتوسيعها وتعزيز إمكانات تصديرها، وأن «هذه أهداف الخصخصة البعيدة كل البعد عن مسألة سداد الدين العام».



4 معوقات

تعترض خدمات الحزمة العريضة، أهمها محدودية السعات الدولية، عدم ربط عدة مراكز بالألياف البصرية، ضعف القدرة التقنية للمراكز عن استيعاب الدفق المتعاظم للمعلومات ومعالجته والمسافة بين المركز والمشترك.



أجوبة لا بد منها

قال وزير الاتصالات شربل نحاس إن هيكلة قطاع الاتصالات تتطلب الإجابة عن الأسئلة الآتية: ما الذي يجب أن يبقى بيد السلطة لاستحالة التنافس على مستواه وسهولة تحوله إلى احتكار في حال خصخصته؟ ما الذي يمكن أن يستقبل توظيف الادخارات الاجتماعية؟ ما الذي يمكن أن يؤول إلى استثمارات خاصة مجدية؟ ما الذي يجب أن يبقى في إطار حرية كبيرة جداً، لأن مردوده ونسب مخاطره مرتفعة جداً ومتقلّبة؟ لافتاً إلى ضرورة اتخاذ خطوات تطبيقية مباشرة من خلال تعميم الصيغ التعاقدية، سواء داخل مؤسسات الوزارة أو مع الأطراف الخاصة المحيطة بها.


عدد الاربعاء ٢٠ كانون الثاني ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق