18‏/1‏/2010

3 ملايين دولار كلفة هدم «برج المر»


فكرة الهدم كانت مطروحة قبل 8 سنوات وتم تأجيلها (مروان طحطح)فكرة الهدم كانت مطروحة قبل 8 سنوات وتم تأجيلها (مروان طحطح)
«البرج الشاحب»، اسم ينطبق على برج المر، الذي تعدّى عمره 35 عاماً ولا يزال من دون أي عملية ترميم أو تطوير أو حتى هدم. فهو أصبح من ضمن ممتلكات «دولة سوليدير»، إلا أن الشركة هذه تضع البرج خارج أجندتها، لا بل تُعدّ له المشاريع بالهدم حيناً وبالتطوير أحياناً، ومن ثَم تُلغي المشاريع من دون الإفصاح عن السبب!

رشا أبو زكي
في وسط بيروت، وقرب مبنى مجلس الوزراء، يمتد عملاق حجري يتألف من 34 طبقة، ويعرف باسم «برج المر». بُدئ العمل به في أوائل عام 1970 على أرض يملكها الوزير ميشال المر لتتوقف عملية تشييده مع بداية الحرب الأهلية في عام 1975... إلا أن انتهاء الحرب في عام 1990 لم يكتب للبرج تاريخاً جديداً، فمنذ ذلك الحين لا يزال البرج الأطول في بيروت بلا لون، إلا لون الإسمنت، إذ لم يسكنه خلال 35 عاماً سوى القنّاصون خلال فترة الحرب.
وعلى الرغم من انتقال البرج إلى ملكية «سوليدير»، بعد الخلافات، التي عطّلت ترميم البرج، بين صاحب البرج النائب ميشال المر والرئيس الراحل رفيق الحريري، إذ كان الأول يريد التخلص منه بعائد مرتفع، فيما كان الثاني يريده جزءاً من الثروة العقارية لشركته. بقي برج المر من دون أي تحديث أو تطوير، وبقيت مشاريع سوليدير تقوم على خيارين: إما هدمه، وهذه العملية مكلفة وتصل إلى نحو 3 ملايين دولار، وإما عرض أرضه للبيع، إلا أن كلا الخيارين لم يُنفّذا حتى الآن، على الرغم من دخول البرج في العديد من المشاريع المقترحة... إذ يبدو أن وجه البرج سيبقى شاحباً!

شاهد على الحرب

يشرح رئيس شركة رامكو العقارية رجا مكارم لـ«الأخبار» أن «برج المر كان يُعَدّ بناءً معاصراً خلال فترة تشييده، إذ أدخل إلى لبنان أسلوب جديد يقوم على البناء السريع، وهذه الطريقة كانت تلقى رواجاً كبيراً في العالم بحيث يمكن الانتهاء من بناء طبقة مثلاً بعشرة أيام»... إلا أن البرج كان مقصداً جاذباً للميليشيات خلال فترة الحرب، نظراً لموقعه الاستراتيجي، ولارتفاعه الشاهق الذي يسمح بالكشف على مساحات واسعة من بيروت. وكذلك كان مرمى القذائف في الحروب الدائرة، وبالتالي تعرض للكثير من الأضرار خلال الحرب. ومع انتهاء الحرب وبداية مرحلة «إعادة الإعمار» في لبنان، وُضع البرج أمام خيارات متعددة. فقد بدأت شركة سوليدير تنهش الوسط التجاري، وعَين رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري كانت على برج المر، فبدأ بمفاوضات مع المر لشراء الأرض التي أقيم عليها البرج لإدخالها من ضمن الأراضي التي تسيطر عليها سوليدير وفق هدف «إعادة إعمار وتطوير وسط بيروت». المفاوضات طالت، وبحسب المصادر، فإن المر كان يرفض العروض التي تقدمها سوليدير لشراء البرج من منطلقات متعددة. فالمر رأى أن ما عرضته «سوليديير» هو أقل من السعر الحقيقي للبرج. ومن جهة أخرى، أراد المر الحفاظ على هذا المَعْلَم الذي أصبح مرتبطاً مباشرة باسمه، وهو يعلم أن سيطرة سوليدير عليه ستؤدي في النهاية إلى هدم البرج. وقد استمر الأخذ والرد بين المر وسوليدير فترة طويلة، وكانت المفاوضات تخبو حيناً وترتفع حدتها حيناً آخر حتى وصلت إلى القضاء.
وفي عام 2000 تقريباً، كان التجاذب بين المر والحريري لا يزال قائماً، وكان الحريري في موقف ضعف أمام رئيس الجمهورية إميل لحود الذي يدعم المر بقوة، إلا أن مفاجأة حدثت خلال اجتماع مجلس إدارة سوليدير، تمثلت بقرار إبقاء يد سوليدير على البرج وعدم إعادته إلى المر. وانتشر حينها خبر عن أن الحريري عقد صفقة ما مع الجانب السوري مكّنته من اتخاذ قرار كهذا.

مشاريع... ولا تنفيذ!

مع دخول برج المر ضمن نفوذ سوليدير، مرّت عليه مشاريع عديدة، لكن سوليدير لم تنفذها، إذ تشير مصادر متابعة للملف إلى أن الصيغة الهندسية التي أُنشئ برج المر وفقها أصبحت لا تراعي متطلبات العصر، فيما المساحة الداخلية للطبقات غير مدروسة، والسقف داخل الوحدات منخفض بسبب أخطاء حسابية، فيما المصاعد غير عمليّة... إضافة إلى العديد من الثُّغر التي جعلت مصير البرج غير مرتبط بأي عملية إعادة تأهيل.

سوليدير تتحدى المر بقرار تملّكها البرج في عزّ الوجود السوري

وتلفت المصادر إلى أنه منذ نحو 8 سنوات قررت سوليدير هدم البرج، ولزّمت شركة أميركية للقيام بهذه المهمة، وقد حُدّد تاريخ الهدم، إلا أنه في الأيام الأخيرة لم تلتزم شركة التأمين بوعدها، فأُجِّل هذا الخيار. إلا أن فكرة جديدة بدأت «سوليدير» بدراستها، هي إنشاء «مركز بيروت التجاري» في محيط البرج، على أن تُزاد على البرج تطويرات عقارية تجعله مركزاً للخدمات تابعاً مباشرة للمركز التجاري. وتشمل هذه التطويرات توسيع البرج عبر جعل المبنى الحالي بمثابة قفص للدرج والمصاعد الكهربائية، إضافة إلى إقامة برج مماثل قرب برج المر. وقد أعدّت «سوليدير» لهذا الغرض كل الدراسات، وصولاً إلى إعداد دفتر الشروط وإعداد دراسات جدوى وغيرها، كذلك أشارت شركة «سوليدير» حينها إلى أنها تعتزم إسناد مهمة الإشراف على البرج الذي كان مقرراً بناؤه قرب برج المر إلى المعمار البريطاني العالمي نورمان موستر... إلا أن هذا المشروع أُلغي من دون إعلان السبب، وعادت فكرة الهدم لتسيطر على مصير برج المر.

نزاعات مستمرة

يقف في وجه هدم البرج عائق أساسي، هو بحسب مصادر مطّلعة، أنّ كلفة الهدم تصل إلى 3 ملايين دولار، وهذا المبلغ تراه سوليدير باهظاً جداً، وبالتالي تؤكد المصادر أن «سوليدير» بدأت الإعداد لعرض الأرض التي أُقيم عليها برج المر للبيع، وبذلك تكون كلفة الهدم على عاتق الشاري. إلا أن مصادر أخرى تشير إلى أن هذه الأرض معروضة للبيع أصلاً ولا تنتظر سوى تقديم العروض المناسبة، لا بل تؤكد أن مشروع هدم البرج أصبح بعيداً عن خطط «سوليدير». فيما تشير مصادر أخرى إلى أن الوزير المر لا تزال لديه اعتراضات قانونية على أسلوب التملك وطريقته. وبحسب المصادر، فإن الصراع لم يتوقف حتى بعد إعلان قرار مجلس إدارة سوليدير، وخصوصاً أن المر بات أكثر حرصاً على استرداد برجه بعد ارتفاع أسعار العقارات إلى مستويات قياسية. وتلفت إلى أن هذه الاعتراضات تكبح «سوليدير» في المباشرة بأي مشروع، بانتظار الانتهاء من هذا النزاع!
لكن مهما كان السبب، فإن «برج المر» ليس على أجندة عمل سوليدير حالياً، إذ يقول المسؤول الإعلامي في الشركة نبيل راشد لـ«الأخبار» إن الشركة لا تزال تعمل في مشاريع أسواق بيروت، وإن برج المر سيأتي ضمن المرحلة اللاحقة من العمل. وأشار إلى أن هذا المشروع غير مطروح حالياً، وأنه «ليس لدى سوليدير ما تتكلم عنه في هذا الإطار». وأضاف أنه لا معطيات متوافرة لدى سوليدير لتقديمها في ما يتعلق ببرج المر.

أهمية البرج تزداد

يرتفع برج المر نحو 100 متر عن سطح الأرض، ويقع هذا البرج في الشطر الغربي من العاصمة بيروت، فيما يقع «برج رزق» الثاني لجهة الارتفاع في الشطر الشرقي منها، وهذان البرجان هما الأقدم في لبنان، وقد شهد كلاهما الحرب الأهلية وكانا مسرحاً للمعارك المتواصلة.
وفي ظل عدم تطويره، لا يستطيع برج المر أن يتحدى فورة المشاريع المقبلة إلى لبنان التي ترتكز على بناء أبراج، وخصوصاً في محيطه! إذ تفيد المعلومات عن مشاريع لبناء 4 أبراج بالقرب من فندق فينيسيا، بعد شراء أرض من شركة سوليدير تبلغ مساحتها 55 ألف متر مربع، وستنفذ هذا المشروع شركة S.V.PROPERTIES، على أن يشرف على التصاميم المعمار البريطاني نورمان موستر، وبالتالي فإن الأهمية العقارية لبرج المر تزداد في ظل فورة البناء وأسعار العقارات، وقد يمثّل ذلك جزءاً من الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بإبقاء البرج خارج المشاريع المطروحة حالياً.


عدد الاثنين ١٨ كانون الثاني ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق