11‏/1‏/2010

575 قصة في «سوق الروشة»

عمره 24 عاماً ولا يزال مقفراً حتى اليوم!

هل تدبّ الحياة مجدّداً في السوق؟ (مروان بو حيدر)هل تدبّ الحياة مجدّداً في السوق؟ (مروان بو حيدر)أصبح عمر سوق الروشة 24 عاماً، إلا أن محاله ومكاتبه، التي يصل عددها إلى 1086 وحدة، لا تزال مقفرة، والسوق، الذي نشأ في «عز الحرب»، لم يخرج حتى الآن من تداعياتها، فكل محل حكاية، إلا أن هناك حكاية واحدة تربط بين 575 صاحب بسطة كانوا يعملون على كورنيش الروشة. جمعوا الأموال لبناء سوقهم، فإذا به يعاكس آمالهم!

رشا أبو زكي
في منطقة الجناح، في الجهة المقابلة للمدينة الرياضية، تقبع 4 مبان ضخمة، متشابهة الشكل، موحدة الألوان، مزنّرة من الأسفل بسلسلة من المحال، أما الطوابق الأربعة الممتدة فوقها، فتتألف من عدد مهول من المحال الصغيرة المتراصفة والمتلاصقة، التي أكل الصدأ أبوابها الحديدية، وأخفت الظلمة معالمها... في أعلى أحد المباني الأربعة كتبت عبارة حمراء ضخمة «سوق الروشة الجديد»، إلا أن عوامل الإهمال والطبيعة فعلت فعلها بالأحرف الحمراء، ليصبح الأسود هو الغالب، فسوق الروشة لم يعد جديداً كما يدل اسمه، لقد أصبح عمره 24 عاماً، وحتى الآن لا يزال مقفراً إلا من بعض الحشرات والقوارض التي تتنقل بحرية في فضائه وداخل محاله، وبات موطناً للكثير من القطط التي تكاثرت في بعض طوابقه.
سوق الأشباح هذا يخفي قصصاً وروايات مذهلة، تجمع في أحداثها 575 صاحب بسطة، كانوا يعرضون بضائعهم منذ عام 1978 على طول كورنيش الروشة، فإذا بالاجتياح الإسرائيلي في عام 1982 يغلق السوق لتجرفه لاحقاً آلة الدولة المتواطئة... فجمع أصحاب البسطات الأموال بعضهم من بعض، واشتروا أرضاً لبناء هذا السوق، ليفاجأوا في عام 1986، وبعد انتظار 3 سنوات، بأن ما وعدوا أنفسهم به، ليس إلا سوقاً مسخاً لا يقارب في مقايسه ما اتُّفق عليه بين أصحاب البسطات واللجنة المنبثقة عنهم للإشراف على المشروع، وبالتالي لم يحقق السوق، بشكله ومضمونه، الآمال التي علّقت عليه، فولد ميتاً، كما يقولون.
فقد تبلورت فكرة إنشاء السوق في عام 1982، بعد تدمير السوق الشعبي المرتجل، الذي كان يمتد على طول كورنيش الروشة، إثر الاجتياح الإسرائيلي، وكان يعمل فيه حوالى 600 تاجر.
فقد تألّفت لجنة تأسيسية تمثل 575 صاحب بسطة (وافقوا على المساهمة بالمشروع) للمباشرة في تشييد سوق شعبي جديد يضم أصحاب البسطات وآخرين، وتألفت اللجنة من 12 شخصاً يرأسهم ناظم ضيا، ومن ثم أُنشئت شركة مساهمة اسمها «شركة الروشة» بعد الاتفاق مع بنك «مبكو» (الذي أفلس لاحقاً) لتأمين تسهيلات لمن يريد المساهمة في المشروع.

يضع المساهمون اللوم في توقف العمل على لجنة المالكين ومجلس إدارة شركة الروشة

حليم الأحمدية، وهو صاحب محل سمانة، افتتح محلّه في الطابق السفلي من سوق الروشة منذ 13 عاماً، وكان عضواً في اللجنة التأسيسية للسوق، يروي أن 575 صاحب بسطة جمعوا الأموال واشتروا قطعة أرض مساحتها 10 آلاف و500 متر في منطقة الجناح، ودفع كل مساهم 20 ألف ليرة لشراء أسهم في المشروع (كل سهم بألفي ليرة)، وثمن المحل 70 ألف ليرة، واتُّفق مع شركة هندسية اسمها شركة «ذو الفقار عثمان» للمباشرة بإنشاء السوق. وقد اتفق أصحاب البسطات مع إدارة شركة الروشة على أن يكون السوق كله طابقاً واحداً مفتوحاً، يضم حوالى 600 محل كبير وأن يتضمن عليّة ومكيّفاً، وفوق هذا السوق يمتد طابقان يضمان مكاتب تباع، وبذلك يستعيد أصحاب المحال ما دفعوه في مرحلة التأسيس، وفي عام 1983 بدأ العمل وانتهى في عام 1986، وكانت النتيجة خيبة كبيرة للمساهمين! فإذا بالنتيجة تكون، وفق المساهم السابق سليمان محفوظ، سوقاً يتألف من 4 «بلوكات» أو مبان، يضم كل مبنى طابقاً سفلياً و3 طوابق فوق الأرض (تتوزع طابقين للمساهمين على شكل محال وطابقين للمالكين على شكل مكاتب) إضافة إلى طوابق تحت الأرض وهي عبارة عن مستودعات، ويتألف كل مبنى من 250 وحدة تتوزع بين مكتب أو محل، ليصبح مجموع الوحدات التي تؤلف السوق 1086 وحدة متراصفة أما المحال فانتهت صغيرة جداً لا تتضمن أي عليّة ولا مكيّف!
يضع المساهمون اللوم في توقف سوق الروشة عن العمل على لجنة المالكين ومجلس إدارة شركة الروشة، واللجنة يرأسها منذ زمن طويل نواف عمار، أما الشركة المساهمة فقد رأس مجلس إدارتها علي ضيا حتى وفاته، ليتسلم المنصب بعده كامل فنيش.
ويقول محفوظ إن السوق صمم لكي لا يعمل، إذ إن المحال متراصفة بطريقة سيئة وأُنشئ بطريقة طوابق، بعكس ما اتفق عليه المساهمين قبل إنشاء المبنى، ويشرح أنه اشترى أحد المحال في السوق إلا أنه لم يفتتحه يوماً، ويعتبر أن اللجنة التأسيسية للسوق قامت بما يشبه غش المساهمين في عملية التصميم، فقد كان من المفترض أن يكون السوق كله طابقاً واحداً مفتوحاً، إلا أن اللجنة وبعكس ما وعدت صمّمت السوق بطريقة لا تخدم مصالح المساهمين، ويلفت إلى أن المساهمين كانوا أساس المشروع، إلا أن إدارة شركة الروشة ألّفت لجنة للمالكين التي سيطرت على كل شيء. لافتاً إلى أن الكثير من المساهمين وقعوا في مشكلات مادية إذ إن دفع 90 ألف ليرة للمشروع لم يكن باليسير في ذلك الوقت حين كان الدولار يوازي ليرتين لبنانيتين، فباعوا محالهم بأبخس الأسعار لأعضاء مجلس إدارة الشركة الذين استحوذوا كذلك على غالبية الأسهم، وأصبح مجلس الإدارة يصوت لنفسه ويجدد لنفسه.
أما المساهم السابق أحمد ضيا، فقد باع محله في عام 1987 بحوالى 75 ألف ليرة، بعدما تبين أن السوق لم ينشأ بحسب الاتفاق، ويشير إلى أنه والكثير من التجار بنوا الكثير من الأحلام على هذا السوق، إلا أن شكل السوق لم يكن مشجعاً لاستكمال الأقساط للمصرف، فكان من الأفضل بيعه، ويشير ضيا إلى أن من يدير هذا السوق يتصرف بلا حسيب أو رقيب بحيث تباع المحال وتشترى ولا أحد يعلم بما يحصل.
ويشير الأحمدية إلى أن الحرب في عام 1986 كانت سبباً من أسباب عدم العمل في سوق الروشة، ولا سيما أن منطقة الجناح كانت تعتبر منطقة عسكرية حينها، ما أدى إلى تأخير افتتاح السوق حتى عام 1991، ويلفت إلى أن ما بين هذين التاريخين أصبح هناك تناقل للأسهم بعد بيع المحال عن طريق الشركة، بحيث يحتفظ أعضاء مجلس الإدارة ولجنة المالكين بالأسهم ويبيعون المحال التابعة للمساهمين الراغبين في التخلي عن محالهم، وبالتالي أصبحت غالبية الأسهم بيد أعضاء مجلس الإدارة، فيما يشرح مدير مكتب لجنة المالكين في السوق عباس عمار، أن هناك مساهمين أصبحوا ملاكين وآخرين باعوا محالهم. ويلفت إلى أن اللجنة تخضع كل 3 سنوات لانتخابات.
على أي حال، أصبحت النتيجة أن السوق الذي يضم 1086 وحدة لا يعمل فيه سوى 50 وحدة، معظمها مقاه، أما السوق فأصبح في غفوة تشبه الموت!



200 ألف دولار

أصبح سعر المحل في سوق الروشة وفق أسعار العقارات المحققة خلال الفترة الحالية، ويشير بعض أصحاب المحال الى أنهم ندموا على بيع محالهم قبل افتتاح السوق، وبعضهم الآخر يقول إنهم لو لم يبيعوا محالهم لبقوا حتى اليوم يعانون من الديون المتراكمة عليهم.



عرض من الحريري

يقول مدير مكتب لجنة المالكين في سوق الروشة عباس عمار إن الصفقة الوحيدة التي شهدها سوق الروشة هي عرض قدمه رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري (الصورة) في تحويل السوق إلى مدرسة، إلا أن السعر الذي طلبه المالكون والمساهمون كان أكبر من المعروض فلم تتم الصفقة. فيما يعتبر محفوظ أن مجلس الإدارة كما اللجنة لا يريدان بيع السوق كونهما مستفيدين، كما أن جمع المساهمين والمالكين للتوافق على هذه الخطوة أمر صعب حتى الآن.


عدد الاثنين ١١ كانون الثاني ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق