17‏/1‏/2010

«هوليداي إن» الشاهد على الخراب



الخلافات تمنع ترميمه بعد 20 سنة على نهاية الحرب


المبنى المهجور منذ الحرب (بلال جاويش)المبنى المهجور منذ الحرب (بلال جاويش)يُعرف بمبنى فندق الهوليداي إن، إلا أن هذا الفندق الذي ارتبط اسمه بالحرب الأهلية في منطقة عين المريسة، هو جزء من مبنى كبير اسمه «سان شارل»، بدأت فكرة إنشائه في الستينيات، وانطلقت أعماله في السبعينيات، وبعد انتهاء الحرب، بقي الجزء الأكبر من المبنى مجبولاً بحكايات الحرب، والسبب: خلافات بين المساهمين!

رشا أبو زكي
أكبر استثمار كويتي في لبنان لا يزال في قبضة الحرب الأهلية اللبنانية، فمبنى السان شارل أو ما يعرف بمبنى «فندق هوليداي إن» في عين المريسة، الذي واجه حرائق وصواريخ وقذائف الميليشيات بفعل تصميمه الهندسي القادر على مواجهة هزة أرضية بقياس 9 درجات على مقياس ريختر، دخل في كوما الموت الاستثماري، نتيجة الخلافات المشتعلة بين المساهمين... وبدلاً من أن يصبح هذا المشروع منافساً شرساً للفنادق الضخمة الموجودة في محيطه، بقي ركاماً لا حياة فيه ولا نبض! ولمركز سان شارل قصة بدأت في الستينيات ولم تنته فصولها بعد...
ففي منتصف الستينيات، تأسست شركة «المركز المدني سان شارل» (وهي شركة مساهمة لبنانية)، بهدف شراء الأرض التي بني عليها مستشفى سان شارل التابع لراهبات ألمانيات في عين المريسة، بحسب وزير المال السابق ورئيس مجلس إدارة الشركة سابقاً إلياس سابا، وذلك بعدما تمكّن المحامي اسكندر سارة من إقناع الراهبات ببيع الأرض، ونقل المستشفى إلى منطقة في خارج بيروت، وهذا ما حصل، إذ انتقل المستشفى إلى منطقة الحازمية، واستطاعت الشركة الناشئة شراء الأرض البالغة 10 آلاف و300 متر، وتألف مجلس الإدارة من 10 أعضاء، بينهم سارة وسابا وصاحب شركة سيل العقارية أرنست عابديني، وهو سوري حاصل على الجنسية اللبنانية، وقد أصبح رئيساً لمجلس الإدارة. تأسست الشركة برأسمال 10 ملايين ليرة، موّلها عابديني ومصرفان لبنانيان، هما الأهلي ومصرف لبنان والشرق الأوسط (أفلسا ووضعت اليد عليهما بعد فترة). وبعد شراء الأرض، أعدّت شركة لبنانية وشركة موجنسكي الفرنسية الشهيرة، خرائط هندسية لإنشاء أكبر مجمّع سكني وتجاري في لبنان، على أن يضم المجمّع برجاً يتكوّن من 29 طبقة، وقربه مبنى مثلث الشكل، وسوق تجارية تمتد على مساحة العقار. إضافة إلى 40 ألف متر مربع من الكاراجات تحت الأرض. وكان من المفترض أن تقسّم وحدات البرج بين مكاتب وشقق سكنية، فيما المبنى المثلث مخصص للمكاتب...

دخول الكويتيين

إلا أن إكمال عملية البناء كان بحاجة إلى زيادة رأسمال الشركة من 10 ملايين ليرة إلى 35 مليون ليرة، وهنا اقترح سابا زيادة رأس المال 10 ملايين ليرة، واستدانة 20 مليون ليرة. ولتنفيذ الاقتراح، تعهد سابا بتأمين هذا المبلغ من الكويتيين، على أن تكون معهم أكثرية الأسهم، وعلى هذا الأساس رفع الشركاء رأسمال الشركة، وامتنعوا عن الاكتتاب إلى حين وصول المستثمر الكويتي المنتظر. واستطاع سابا إقناع وزير المال الكويتي جابر الأحمد بالدخول في المشروع، وقال الأخير إنه يريد المساهمة بأمواله وأموال ورثة أمير الكويت عبد الله سالم الصباح، وهكذا أصبح لابن الشيخ عبد الله، وهو الشيخ سعد الصباح (كان رئيس مجلس الوزراء وأصبح أمير الكويت في عام 2006) 53% من الأسهم.
بدأ بناء المشروع في تشرين الأول من عام 1970، وعيّن سابا وزيراً للمال، فرأى أنه لا يمكن الجمع ما بين العمل الاستثماري والعمل الوزاري، فترك مجلس الإدارة. وفي عام 1973، وبعدما انتهت ولايته الوزارية، عاد سابا إلى مجلس إدارة الشركة. وفي مطلع عام 1974 نشب إشكال ما بين عابديني (32% من الأسهم)، والشيخ سعد، بعدما رفض مجلس الإدارة إعطاءه موافقته في الحصول على هواء المبنى المثلث وتحويله إلى «ترّاس». عندها استقال من رئاسة المجلس ليخلفه سابا حتى عام 2003. اكتشف مجلس الإدارة في عام 1974، أن السكان لا يرغبون في السكن بالبرج لأسباب تعود إلى طبيعة المنطقة المجاورة للحانات الليلية، فَحُوِّل نصف البرج إلى مكاتب، والنصف الآخر إلى فندق. وبعد مفاوضات مع فندق هوليداي إن، وافق الأخير على إقامة فندق 5 نجوم في البرج، مؤلف من 520 غرفة ومن دون إيجار، وإنما عبر اقتطاع نسب مئوية من مدخول

الخلافات بدأت منذ فترة طويلة وتفجرن في العام 2002

الغرف والطعام والمشروبات وبقية الخدمات. واستطاع الفندق الوصول إلى نسبة اشغال 103% في سرعة قياسية، وأنشأت الإدارة مطعماً دواراً في الطبقة 27 الذي تحوّل إلى أهم مطعم في لبنان، فيما المبنى المثلث أجّر بالكامل إلى شركات عالمية. واستطاع الفندق وحده تحقيق 3 ملايين ليرة في سنة واحدة فقط، إلا أن الحرب بدأت في عام 1975، وتحوّل السان شارل إلى خط تماس بين القوى المتصارعة، ومن ثم سيطر الجيش السوري على البرج حتى عام 1991. بدأت شركة المركز المدني بعملية تنظيف المجمّع في نهاية عام 1991، فأخرجت أكثر من 100 شاحنة ذخائر، وأكثر من 30 هيكلاً عظمياً، وكُشف على الأساسات والأعمدة ورمّمت بكلفة مليوني دولار، وفق ما يقول سابا، ومن ثم جرى تأهيل السوق التجارية. إلا أنه بعد وفاة عابديني وتوريث الأسهم لأولاده، لم يوافق هؤلاء على إعادة ترميم البرج، على الرغم من أنه لا يزال متيناً، لكنهم أُقنعوا بإعادة تأهيل المبنى المثلث. وإثر ذلك، أُجّر كامل المبنى وأصبح ينتج سنوياً 1،5 مليون دولار.

زيادة رأس المال

وفي عام 2002، بدأ مجلس إدارة «شركة المركز المدني» التفكير باستكمال ترميم المجمع كله، وقد قدرت التكاليف آنذاك بين 70 مليون دولار و80 مليوناً، وفق ما قالت فادية ابنة الشيخ سعد العبد الله الصباح، إلا أن هذا الإجراء كان يتطلّب زيادة رأس المال، وجرت اتصالات مع شركات دولية للفنادق من أجل إعادة تشغيل الفندق باسم آخر. إلا أن ولدي عابديني لم يوافقا على زيادة رأس المال، وأرادا بيع حصّتهما، على أن يخمّن المشروع بـ 130 مليون دولار، إلا أن الجانب الكويتي لم يوافق، فكان الإشكال الثاني، وتوقّف التفكير بأي عملية ترميم للمبنى.
وفي عام 2003 استقال سابا من منصبه، وانتخبت الجمعية العمومية لمركز «المدني سان شارل» مجلساً جديداً لإدارته برئاسة الشيخة فادية سعد العبد الله الصباح، وعضوية الشيخ عبد الله علي العبد الله السالم الصباح نائباً للرئيس والمحامية سهام حاراتي والمهندس إيلي صحناوي والمحامية هدى طبارة... وفيما تشاع أخبار عن إعداد مشاريع لتطوير المبنى، فإن أوساط المساهمين تؤكّد أن الخلافات لا تزال قائمة، وبالتالي سيبقى مبنى الهوليداي إن شاهداً على الخراب إلى أجل غير مسمّى.



4.5 ملايين دولار

هي تكلفة إعادة تأهيل المبنى المثلّث التي قامت بها إدارة مركز سان شارل في عام 1997. وهذا المبنى ذو جاذبية بالنسبة إلى المستثمرين، لأنه يقع قرب برج مشهور جداً منذ الحرب الأهلية



المستأجر الوحيد

قرب البرج، وفي المبنى المثلث، يقع البنك اللبناني الكندي، ولوجود هذا البنك قصة خاصة. فقبل الحرب، كان في مكانه بنك كندي آخر، وكان قد استأجر الطابق الأرضي من المبنى. وخلال الحرب استحوذ البنك اللبناني الكندي على معظم أسهم البنك القديم. وبعد انتهاء الحرب، طلب مجلس إدارة سان شارل من جميع المستأجرين القدامى أن يُعلموه برغبتهم في العودة، وأن يدفعوا جزءاً من كلفة ترميم المبنى المثلث، فعاد البنك وحده
من بين جميع المستأجرين، وشغل مساحة إضافية في المبنى.


عدد السبت ١٦ كانون الثاني ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق