26‏/1‏/2010

قانون الإيجارات التهجيري!


«الإدارة»: حتمية تحرير العقود القديمة ـ المستأجرون القدامى: نريد البديل!

في انتظار سياسة سكانية شاملة (بلال جاويش)في انتظار سياسة سكانية شاملة (بلال جاويش)أزمة اجتماعية جديدة تلوح في الأفق، ضحاياها المباشَرون هم المستأجرون القدامى، إذ إن لجنة الإدارة والعدل النيابية تتجه لإقرار مشروع قانون جديد للإيجارات يرمي إلى تحرير عقود الإيجارات المعقودة قبل عام 1992، ويقضي بزيادة بدلات الإيجار تدريجاً في المرحلة الانتقالية، ويسهّل استرداد المأجور من المالك... وكل ذلك من دون وضع سياسة إسكانية وتنفيذها لحماية عشرات آلاف الأسر التي تُقيم في مساكن مستأجَرة منذ سنوات طويلة

رشا أبو زكي
تفيد إحصاءات إدارة الإحصاء المركزي (عام 2005) بوجود نحو 201 ألف عائلة تقيم في مساكن مستأجرة، معظمها مساكن قديمة تعود عقود إيجاراتها إلى ما قبل عام 1992، تاريخ إقرار قانون تحرير عقود الإيجارات الجديدة... هذه الأُسر مهدَّدة بالتشرد إذا أخذ مشروع قانون تحرير العقود القديمة طريقه للتصديق عليه في الهيئة العامّة للمجلس النيابي بعد إقراره في لجنة الإدارة والعدل النيابية. يرى المستأجرون القدامى أنّ هذا التهديد جدي جداً، إذ إنّ تجربة السنوات الماضية، في ظل قانون حرية التعاقد، دلّت على ضعف شديد في سوق الإيجارات، يترافق مع ارتفاع خيالي في بدلات الإيجار المفروضة، وبالتالي ثبَت عدم صحّة المزاعم السابقة عن أنّ تحرير عقود الإيجارات يؤدّي إلى تنشيط هذه السوق وزيادة العرض بما يضبط الأسعار ويمنع ارتفاعها إلى مستويات تتجاوز كثيراً مستويات المداخيل المحلية. وبحسب دراسات وتقارير كثيرة، فقد تحوّلت سوق الإيجارات، المحدودة أصلاً، لتلبية الطلب من اللبنانيين العاملين في الخارج ورعايا دول الخليج الذين يصطافون في لبنان.

سلبيات تحرير العقود

لم يشمل قانون تحرير عقود الإيجارات في عام 1992، المستأجرين قبل عام 1992، وهو لم يضع أي حماية للمستأجر، سوى أن لا تقل مدة العقد عن 3 سنوات، ما ساهم بزيادة حدّة الأزمة التي يعانيها ذوو الدخل المحدود والفقراء في جميع المناطق اللبنانية، بحيث أصبح المستأجرون رهائن لدى المالكين، يفرضون بدلات الإيجار التي يتخيّلون أنها عادلة، ويمارسون الابتزاز لنيل ما يريدون في ظل القانون الذي أعطاهم الحق باسترداد المأجور ولو بعد 20 عاماً من إشغاله من المستأجر، الذي يكون قد سدّد أكثر من السعر الحقيقي للمسكن. وعلى الرغم من السلبيات التي تركها قانون تحرير عقود الإيجارات بعد عام 1992، يتجه المجلس النيابي لإقرار قانون جديد يحرّر عقود الإيجارات القديمة، وقد قطعت لجنة الإدارة والعدل النيابية شوطاً بعيداً في هذا المجال، إلا أنها ربطت القانون الجديد بشرط «إيجاد حلول بديلة للمستأجرين القدامى»، وهذه النقطة تحديداً تجدها لجنة المستأجرين القدامى مجرّد وعود، متخوفة من إقرار القانون الجديد من دون إيجاد بدائل تحمي المستأجرين من التشرد أو توفّر لهم تعويضاً يخولهم شراء منزل بديل!
وتخوّف لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين القدامى يبدو في محلّه، بعدما تقدمت بمشاريع قوانين عديدة لتوفير مساكن بديلة للمستأجرين القدامى أو مساعدات لتملّك المنازل التي يستأجرونها، لتبقى سنوات طوالاً أسيرة أدراج مجلس النواب. لا بل صدر قانون في عام 2006 رقمه 767، ولم تصدر حتى اليوم مراسيمه التنفيذية، على الرغم من أنه عدّل قانون المؤسسة العامة للإسكان ليجد حلاً لذوي الدخل المحدود، عبر «الإيجار التملكي» وهو لمدة ثلاثين عاماً من دون أي دفعة أولى ودون أي شروط تعجيزية، وفي نهاية هذا العقد يصبح المستأجر مالكاً. كذلك أُطلقت وعود منذ سنوات عديدة بإعلان حوافز للمستثمر الذي يريد توظيف أمواله لبناء شقق تُعَدّ للتأجير التملكي لا للمستملك، على أن لا تتعدى مساحة الشقة مئتي متر مربع... وبالطبع حتى الآن لم تنفّذ الوعود... فهل سيباغت مجلس النواب المواطنين بإقرار قانون «تهجيري» هدفه بحسب أحد المصادر العقارية «خلق أراضٍ إضافية في بيروت (التي ليست فيها أي مساحات خالية حالياً) لتوفير عقارات جديدة وبيعها لأصحاب رؤوس الأموال ومعظمهم مستثمرون عرب»؟

مخيبر: إنهاء حالة التأميم!

تشير دراسات الإحصاء المركزي إلى أن عدد المستأجرين يبلغ 201 ألف مستأجر، بينهم 50 ألفاً و333 مستأجراً في بيروت، 106 آلاف مستأجر في جبل لبنان، و22 ألفاً و418 مستأجراً في الشمال، و 6 آلاف و114 في البقاع، و14 ألفاً و505 في الجنوب، وألفين و363 مستأجراً في النبطية، ويمثّل هؤلاء نحو 22.9% من مجمل المساكن.
ويقول عضو لجنة الإدارة والعدل غسان مخيبر إن اللجنة اصطدمت بفكرة عدم وجود أي إحصاء حديث يشير إلى عدد المستأجرين في لبنان، إذ إن أرقام الإحصاء المركزي تعود إلى عام 2005، كذلك ليست ثمة دراسة متكاملة عن وضع المساكن والسكان في لبنان. ويلفت إلى أن دراسة الإحصاء المركزي لا تبيّن عدد المستأجرين القدامى بالنسبة إلى عدد المستأجرين الإجمالي، وبالتالي لا يظهر بالتحديد عدد المستأجرين قبل عام 1992 الذين سيشملهم قانون الإيجارات الجاري إعداده! ويلفت إلى ضرورة وضع سياسة إسكانية عامة، لكونها حالياً غير محددة المعالم، لا بل شبه معدومة.
فقانون الإيجارات قبل عام 1992 يشبه إلى حد ما التأميم، وفق مخيبر، لأن العلاقة ما بين المستأجر والمالك علاقة استملاكية، مع تحميل المالك الذي يتلقى إيجاراً زهيداً كل الأعباء المتعلقة بالمسكن. أما المعضلة فتقع في عملية التوفيق ما بين حقوق المالك وحقوق المستأجر، وخاصة أن هذا الأخير غالباً ما ينتمي إلى الفئة الأكثر فقراً، ويسكن في مناطق ارتفعت فيها أسعار الشقق ارتفاعاً جنونياً، وبالتالي، يقول مخيبر، إن لجنة الإدارة والعدل بدأت في بلورة بعض التصورات، وقد وُضعت اقتراحات أبرزها: زيادة الحوافز المالية والضريبية لتسهيل تملّك اللبنانيين لمنازلهم، عبر التقديمات التي تعطيها المصارف التجارية والقروض المدعومة من مصرف لبنان ومصرف الإسكان ومؤسسة الإسكان. إضافة إلى إعطاء الحوافز الضريبية والاقتصادية والتشريعية التي تشجع المستثمرين على زيادة عدد المنازل الموضوعة في سوق الإيجار، وخاصة في ما يتعلق بالمساكن ذات البدلات المتدنية. والأهم بالنسبة إلى مخيبر، صياغة مراسيم تطبيقية للقانون المتعلق بالإيجار التملكي، وهو من الأدوات المساعدة لتملّك المساكن.

تحرير حتمي!

وهذه الإجراءات والاقتراحات تقع، وفق مخيبر، في إطار تطوير السياسات الإسكانية التي تنقسم إلى جزء تشريعي وجزء تنظيمي ومالي وضريبي، إلا أن هذه التدابير قد تأخذ وقتاً في إقرارها وتنفيذها. وبالتالي، يرى مخيبر أن هذا الواقع يجب ألّا يعوق إقرار قانون جديد للإيجارات، ويرى أن هذا القانون هو اللبنة الأولى لتنفيذ السياسة الإسكانية.
ويشير إلى أنه جرى الاتفاق حتى الآن على نقاط أو مبادئ ضابطة، أهمها حتمية الوصول إلى تحرير كامل لعقود الإيجارات بعد فترة زمنية تمتد ما بين 4 إلى 8 سنوات، على أن ترتفع الإيجارات تدريجاً خلال هذه الفترة، وصولاً إلى البدل التأجيري الرائج تجارياً. والنقطة الثانية هي إتاحة المجال خلال هذه الفترة للمالك الذي يريد استعمال مأجوره أو استرداده لإمكان إخلاء المأجور وفق أصول وشروط ولقاء بدل يسدده المالك للمستأجر. أما النقطة الثالثة فتتعلق بتخصيص حالات المساكن التي ما زالت تتسم بصفات «الفخامة» بأحكام خاصة... فيما بقي النقاش مفتوحاً بشأن ما إذا كان يحق للمستأجر في نهاية فترة تحرير العقود الحصول على تعويض، إذا أراد المالك عدم التمديد للإيجار! وفيما قانون الإيجارات قبل عام 1992 هو لمصلحة المستأجر، فإن القانون الجديد، «سيوازن بين مصلحة المستأجر والمالك».

الدبس: هذه هي الحلول

إلا أن رئيسة لجنة الدفاع عن المستأجرين القدامى، ماري الدبس، تؤكد وجود 200 ألف عائلة ستُشَرَّد في حال تحرير العقود التأجيرية من دون إيجاد بدائل منصفة للمستأجرين، إذ إن معظم المستأجرين القدامى تعود فترة استئجارهم للمساكن إلى الفترة التي تسبق الحرب الأهلية، وهؤلاء دفعوا قيمة المنزل الذي استأجروه، لا بل أضعاف هذه القيمة، فضلاً عن أن معظم هؤلاء غير قادرين على سداد الإيجارات المعتمدة حالياً والمرتفعة جداً. لكن الدبس تشير إلى وجوب مراعاة المالكين الصغار، مع إيجاد حلول منصفة للمستأجرين القدامى، وتلفت إلى أن اللجنة كانت قد اقترحت اعتماد الإيجار التملكي من خلال تدخل الدولة عبر المؤسسة العامة للإسكان، بحيث إنه إذا كان المالك يريد بيع منزله للمستأجر يدفع ثلثي قيمة المنزل وفق تقويم تجريه لجنة خاصة، وفق الآلية التالية:
1ـــــ إذا أراد المستأجر البقاء في منزله: تحصل المؤسسة العامة للإسكان على التعويض الذي دفعه المالك للمستأجر، على أن تتكفل بتوفير الجزء الباقي من سعر الشقة من المصارف التجارية وتدفعها للمالك، فيما يدفع المستأجر قسطاً شهرياً للمؤسسة العامة للإسكان لتصبح الشقة التي كان يستأجرها ملكه بعد سداده الأقساط. وقد عُرض هذا الاقتراح في عام 2005 على عدد من الوزراء والنواب ونال موافقتهم.
2ـــــ إذا لم يوافق المالك على إبقاء المستأجر، ويريد الأخير شراء منزل آخر:

قانون يتعلق بالإيجار التملّكي صدر منذ عام 2006 ولم تصدر حتى اليوم مراسيمه التنفيذية

فلتنشئ الدولة مساكن شعبية على ممتلكاتها بدلاً من تأجيرها لأصحاب رؤوس الأموال ببدلات زهيدة

أ ـــــ توجد مجموعة كبيرة من أراضي المشاعات وأراضٍ للدولة يمكن تحويلها إلى مساكن شعبية، بحيث يجري توفير بديل لكل من يترك منزله، لكن في إطار المدينة التي يسكن فيها، لكون معظم المستأجرين القدامى ذوي دخل محدود، وغالباً ما يكون عملهم في المدن الكبرى. وحينها أجريت دراسات عن كلفة الشقة السكنية البديلة التي ستُقام، بحيث تصل إلى ما بين 30 إلى 50 ألف دولار، ما يسهّل عملية دخول المستأجرين القدامى في مشروع الإيجار التملكي مع المؤسسة العامة للإسكان، بعد أن يحصلوا على تعويضهم من المالكين.
ب ـــــ إذا لم يوافق المالك على إبقاء المستأجر، ويريد الأخير استئجار منزل آخر: توفير مساكن شعبية تشرف البلديات على تأجير الشقق فيها للمستأجرين القدامى ببدلات منخفضة. وتلفت الدبس إلى أن هذا المشروع عُرض كذلك على مجلس النواب، ونال الترحيب من عدد كبير من الوزراء والنواب، واختفى!
وتشير الدبس إلى أن لجنة المستأجرين القدامى نقلت عن رئيس لجنة الإدارة والعدل روبير غانم، إن اللجنة تبحث المشاريع «ليتبين في ما بعد أن ما قاله يمثل جزءاً من الحقيقة، إذ تبيّن أن الصيغة المطروحة هي إقرار القانون من دون أي بديل للمستأجرين، وتلفت إلى أن الدولة تؤجّر الأملاك العامة البحرية بمبالغ زهيدة جداً لأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين، إذاً «فلتبن على أملاكها مجمعات سكنية لذوي الدخل المحدود بدلاً من الانحياز إلى الأغنياء».
والعلاج الجدي لموضوع المستأجرين القدامى لا يمكن أن يكون من دون سياسات إسكانية تُطَبَّق قبل إقراره القانون، هذا ما يشدد عليه رئيس جمعية المستهلك زهير برو، مستنداً إلى تجارب معظم دول العالم، وآخرها سوريا، بحيث يجب تقديم تسهيلات على القروض السكنية وإنشاء مساكن شعبية تساهم فيها الدولة، وبعدها يصار إلى إصدار قانون جديد للإيجارات، مشيراً إلى أن عدم اتباع هذه الصيغة سيخلق من دون أدنى شك أزمة سكنية واجتماعية لن تصيب سوى الفقراء، مشيراً إلى أن إقرار قانون كهذا قبل وضع السياسة الإسكانية البديلة سيكون، إذا اعتُمد، جزءاً من السياسات الاقتصادية الخاطئة المتبعة من الحكومات المتعاقبة، التي لا يهمها سوى رمي مشاكلها على الطبقات المتوسطة والفقيرة كما يجري في السياسات الضريبية.



22.9 في المئة

هي نسبة الوحدات السكنية المشغولة بالإيجار من مجمل الوحدات السكنية المبنية في لبنان، بحسب إحصاءات عام 2005، وتتركز معظم المساكن المؤجّرة في جبل لبنان (105 آلاف و732 مأجوراً) وبيروت (50 ألفاً و333 مأجوراً)، أي أكثر من 77% من مجمل المساكن المؤجّرة.



المالكون القدامى: نحن المتضررون

يقول رئيس لجنة الدفاع عن المالكين القدامى جورج رباحية، إن المالك ليس مؤسسة خيرية وليس هو من أنجب المستأجرين ليكون مسؤولاً عنهم، لافتاً إلى أن الدولة تتكارم من جيوب المالكين، ودعا إلى وضع حد أدنى للإيجار، لكون المالك لا يستطيع العيش بـ20 ألف ليرة كإيجار شهري من دون أن يكون لديه أي نوع من الضمانات الاجتماعية، لافتاً إلى أن المالكين يرفضون تشريد المستأجرين، ولكن يرفضون تجويع المالكين كذلك، رافضاً أن تتعدى الفترة الانتقالية لتحرير العقود ثلاث سنوات. وقال إن التعويض يعطى للمتضرر لا لمن ألحق الضرر بالآخرين، «ونحن المتضررون».


عدد الثلاثاء ٢٦ كانون الثاني ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق