14‏/3‏/2010

الاحتكار يقبض على سوق البحص!

رفع الأسعار لإجبار الدولة على تمديد المهل الإدارية للكسارات


كسارة تنهش الجبل (أرشيف)كسارة تنهش الجبل (أرشيف)

«طبخة بحص»، هذا ما أنتجه قرار وزير البيئة محمد رحال في إقفال 81 مقلعاً وكسارة ومرملة من دون إقرار مخطط توجيهي لتنظيم القطاع، بحيث تعززت سيطرة «كسارات فتوش» على سوق البحص في لبنان، فارتفعت الأسعار، وتعالت صرخات أصحاب الكسارات والمرامل، والهدف دوماً تمديد المهل الإدارية

رشا أبو زكي
بعد إعلان وزير البيئة محمد رحال إغلاق نحو 81 مرملة ومقلعاً وكسارة مخالفة، شهدت أسعار البحص والرمل ارتفاعاً وصل إلى 10 دولارات للمتر المكعب، رغم أن هذه المرامل والكسارات لا تستحوذ إلا على نسب هزيلة من السوق اللبنانية. وبعد البحث، تبيّن أن رفع الأسعار ناتج من احتكار 3 شركات تسيطر على معظم السوق المحلية، لسوق الحجارة والبحص، أكبرها الشركة اللبنانية المتحدة للمقالع والكسارات (وهي من الكسارات القليلة المرخّصة) التي تعود ملكيتها الى شقيقي النائب نقولا فتوش!
فقد انتقدت اللجنة المشتركة لنقابتي المهندسين والمقاولين في اجتماع طارئ في بيت المهندس أمس، القرارات «المشرعة والانتقائية المتخذة من الوزارات المعنية القاضية بإقفال المقالع والكسارات العاملة»، التي أدت بحسب المجتمعين إلى شلل كبير في قطاع البناء والأعمار وإلى التلاعب في سوق مواد البناء وكان نتيجته توقف الآلاف من ورش البناء وخسائر تقدر بالملايين من الدولارات.
ورأت اللجنة «أن هذا الإقفال العشوائي الذي يتكرر في فترات متباعدة أو عند كل حكومة جديدة يخفي في طياته الكثير من الشبهات ويضع الكثير من علامات الاستفهام نتيجة سوء فهم لهذا القطاع الحيوي الأساسي الذي يعيش فترة استثنائية من التطور والازدهار». وانتقدت اللجنة الإبقاء على «بعض المقالع والكسارات التي لم تراع الحد الأدنى من دراسة وضعية السوق، وبالتالي من مصالح اللبنانيين، ما عكس ارتفاعاً سريعاً لمادة الباطون الجاهز بلغ أكثر من 10 دولارات للمتر المكعب».

في كل مرة تعود الحكومات والوزارات عن قرارات الوقف فتتوسع مروحة الأضرار

وقد أكدت مصادر متابعة للملف، أن كسارات فتوش هي أكبر المستفيدين من قرار إقفال الكسارات، لأنها تسيطر على أكثر من 50 في المئة من السوق اللبنانية، فرفعت أسعار البحص، فيما عمدت المرامل التي اتخذت فيها قرار الوقف إلى رفع أسعار مخزونها من الرمل، ليرتفع سعر الباطون الجاهز أكثر من 10 دولارات. وأشارت المصادر إلى أن أصحاب الكسارات والمرامل التي أُوقفت عن العمل، تحاول الإفادة من رفع الأسعار المفتعل للضغط على الوزارة لإصدار مهل إدارية تمدد عمل هذه الكسارات والمرامل!
واستغرب نائب رئيس نقابة المهندسين نزيه بريدي، أنه «فجأة، في عز الفورة العمرانية، اتُّخذ قرار إقفال الكسارات غير المرخصة»، وقال: «أنا لست ضد هذا القرار، لكن نريد حلاً، وإلا فسيلحق ضرر بالمشاريع وبنوعية مواد البناء»، لافتاً إلى أن بعض الكسارات المرخصة هي المستفيدة من هذا القرار، سائلاً: «هل هذه الكسارات مطابقة للمعايير البيئية؟». لافتاً إلى أن رفع الأسعار نتج من احتكار عدد قليل من الكسارات التي تسيطر على معظم سوق البحص والرمل في لبنان!
من جهته، يقول الأمين العام لنقابة تجار ومنشئي الأبنية أحمد ممتاز، إن غلاء أسعار مواد الأبنية يأتي في الأساس من ارتفاع الطلب على الأراضي، وخصوصاً في مناطق بيروت وجبل لبنان، حيث تتركز الاستثمارات العقارية. ويشير إلى أن البحص والرمل لا يمثّلان سوى 5 في المئة من كلفة البناء، إلا أن وقف مدّ السوق بهاتين المادتين يؤثر سلباً على القطاع. وشدد ممتاز على ضرورة إعادة تنظيم المقالع والكسارات، لأن «الاحتكار موجود بالتأكيد، وإقفال المعامل والكسارات بهذه الطريقة يؤدي إلى تعزيز الاحتكار»، لافتاً إلى وجوب إقرار المخطط التوجيهي لبناء كسارات على السلسة الشرقية.
ويلفت مصدر في نقابة المقاولين إلى أنه في كل فترة يرفع فيها أصحاب الكسارات أسعار البحص والرمل لزيادة أرباحهم، يستفيد أصحاب الكسارات الصادر بحقها قرار الوقف من هذا الواقع للمطالبة بتمديد مهلهم الإدارية، وفي كل مرة تعود الحكومات والوزارات عن قرارات الوقف، فتتوسع مروحة الأضرار من ارتفاع الأسعار، إن كان على المقاولين، أو حتى على الدولة نفسها من خلال ارتفاع كلفة المشاريع.
وإن كان الابتزاز صنعة المحتكرين والمخالفين، فإن الحكومات المتعاقبة لم تعمل حتى الآن على إقرار مشروع تنظيمي للمعامل والكسارات يحد من الاحتكار ويحافظ على بيئة لبنان. وتلفت مصادر معنية بالملف إلى أن لبنان ينتج البحص والرمل ويلبي الجزء الأكبر من احتياجات السوق، مشيرة إلى ضرورة الإبقاء على هذا القطاع، لكن في أماكن ومناطق لا تضر بالبيئة ولا تؤثر على الطبيعة عموماً. وتوضح المصادر أن إقفال الكسارات والمقالع والمرامل من دون أي إجراء تنظيمي للقطاع يحدد أماكن أخرى يمكن إنشاء المرامل والمقالع عليها، يؤدي حتماً إلى تعزيز الاحتكار وزيادة أرباح الكسارات والمقالع الكبرى، ما يؤدي إلى رفع الأسعار أوتوماتيكياً.
وتلفت المصادر إلى أنه في عام 1996، أنجزت شركة دار الهندسة مسحاً شاملاً للمقالع في لبنان لمصلحة وزارة الأشغال العامة ـــــ مديرية التنظيم المدني، وحددت الشركة في الدراسة الأماكن والمناطق التي اقتُرحت لإنشاء المقالع والكسارات، وأقرت الحكومة المخطط التوجيهي العام للمقالع والكسارات، وحددت بنوده من دراسة دار الهندسة. إلا أن أصحاب المقالع والكسارات القائمة، وأغلبهم بحسب المصادر تابعون لسياسيين من مختلف الاتجاهات والمشارب الحزبية، تصدوا للمخطط التوجيهي، وبالطبع رضخ مجلس الوزراء للمطالب، وأُلغي عدد من المناطق المصنفة، وأُضيفت مناطق أخرى، واستمرت المراوغات لتصل في عام 1999 إلى قرار صدر عن مجلس الوزراء يرمي إلى حصر إنشاء الكسارات والمقالع في السلسلة الشرقية من جبال لبنان، ليصبح المخطط التوجيهي بحكم الملغى! أما في عام 2002، فقد أصدرت الحكومة قراراً تنظيمياً للمقالع والكسارات.



56 قراراً

فقد صدر عن الحكومات والوزارات اللبنانية أكثر من 56 قراراً ومرسوماً وتعميماً منذ عام 1932 حتى عام 2006 في محاولة لتنظيم قطاع الكسارات والمقالع، وفق دراسة أعدّها حزب البيئة اللبناني، ولكن لم يوضع وينفَّذ قانون واحد في هذا الإطار.



حلّ عمليّ؟

اقترحت لجنة المقاولين والمهندسين المشتركة أن يُتّبع حل عملي يقوم من جهة على تمديد المهل الإدارية للمقالع والكسارات مدة سنة لتوفير مواد البحص والرمل، ومن جهة أخرى على ترخيص المقالع والكسارات وفقاً للتعميم الرقم 65/2009 والصادر في الجريدة الرسمية في 22/10/2009 ريثما يصار إلى تعديل التعميم ليشمل مواقع جديدة مناسبة بيئياً. وناشدت الحكومة التدخل المسؤول لإيقاف مسلسل الخفة أو اللامسؤولية التي يجري فيها التعاطي مع هذا الموضوع، ونبّهت إلى جهوزية عند المتعهدين لتوقيف العمل في مجمل المشاريع العامة والخاصة حتى إيجاد الحلول المناسبة.


عدد الخميس ١١ آذار ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق