26‏/4‏/2010

جورج قرم: جرى الاستغناء كلياً عن آليات مراقبة الإنفاق العام الهامشية أصلاً


حاورته رشا أبو زكي
«إنها قصة سوريالية»، يقول وزير المال الأسبق جورج قرم، إذ إن تجاهل وزارة المال والحكومة اللبنانية المخالفات الدستورية التي حصلت خلال الإنفاق في الأعوام السابقة من دون موازنات ومن دون اعتماد القاعدة الاثني عشرية يدفع قرم إلى الاستغراب، لا بل إلى طرح سؤال: ألا يوجد من يرفض أو يسأل؟

لبنان حالياً على أبواب إقرار موازنة عام 2010، فكيف يمكن قراءة هذه المرحلة بعد 5 سنوات متتالية من دون موازنات وبعيداً عن القاعدة الاثني عشرية؟

لا يمكن قراءة هذه المرحلة إلا من زاوية واحدة، هي أن لبنان يعيش في حالة مستمرة من المخالفات الدستورية الكبيرة جداً، إذ إن عدم وجود موازنة مصدق عليها لا يعني أن الحكومة تستطيع أن تنفق كما تشاء، لأنّ ثمة قاعدة دستورية واضحة تقول إنه إذا تأخرت الحكومة في إقرار الموازنة، فلا يمكنا أن تصرف سوى وفق القاعدة الاثني عشرية، أي وفق النفقات التي كانت معتمدة في آخر موازنة أُقرت، أي وفق موازنة عام 2005، فكيف وصلنا إلى زيادة 83% من الإنفاق بين عام 2005 و2009؟ كيف يمكن درس الموازنة المقدمة حالياً بتأخير كبير وتقويمها، من دون أن تعلن وزيرة المال ماذا حصل في السنوات السابقة؟
أنا مستغرب جداً. يوجد مجلس نواب، لكن لا يوجد نائب واحد يسأل عن سبب زيادة النفقات بهذا الشكل وسبب عدم الالتزام بالدستور.
يوجد مجلس وزراء ناتج من وفاق وطني، ولا يوجد وزير يسأل وزارة المال ماذا حصل في السنوات الماضية، وأين ذهبت النفقات الإضافية!

ما حصل في السنوات الماضية لم ينحصر في زيادة النفقات وعدم تطبيق الدستور في ما يتعلق بالقاعدة الاثني عشرية، إذ جرت زيادة اعتمادات لم تكن ملحوظة أصلاً في موازنة عام 2005، ومنها مثلاً اعتمادات الهيئة المنظمة للاتصالات، فكيف يمكن خرق القانون والدستور بهذه السهولة؟

الأكيد أنه استُغني بالمطلق عن آليات مراقبة الإنفاق العام، التي كانت هامشية في السابق.
ففي قانون المحاسبة الحالي، المفروض أن تقدم وزارة المال قطع حسابات للسنوات التي لم يكن فيها موازنة ليصدق مجلس النواب على الإنفاق الذي حصل، لكن ذلك لم يحدث، والمفروض أن يراجع ديوان المحاسبة القيود ويبرئ ذمة الحكومة ووزارة المال في الحسابات. الواضح أنّ ثمة استهتاراً كبيراً، وللأسف فإن الناخبين يعيدون إلى مواقع السلطة القوى السياسية نفسها، فيما المجتمع المدني واقع تحت نفوذ المساعدات الآتية من أوروبا وأميركا.
أما الأحزاب السياسية، وخصوصاً التي كانت معارضة، فهي بعيدة عن القضايا الاقتصادية، وعتبي عليها كبير جداً، فقد لاحظت في اتصالاتي مع أركان المعارضة أن عقلهم هو في القضايا الإقليمية الكبرى أو المناورات السياسية المحلية الضيقة، فشد انتباه هذه الزعامات إلى القضايا الاقتصادية صعب جداً، أما النقابات فغائبة تماماً.

هل ترى أن موازنة عام 2010 تحاول رسم صورة جديدة عبر تجاهل ما حصل في الأعوام السابقة؟

ـــــ كلا، أسس موازنة عام 2010 لا تزال قائمة على النهج نفسه الذي اتُّبع في السابق، فخدمة الدين العام تمثّل 47% من نفقات الموازنة، كذلك فإن هيكلية الضرائب لا تهدف إلى تناول الأرباح الرأسمالية أو الريعية الطابع، فأكبر مصدر إثراء، وهو القطاع العقاري، بمنأى عن الضريبة، وسوليدير جددت امتيازها الضريبي لمدة 15 أو 25 سنة، فيما لا تطرق للضريبة الموحدة على الدخل، والأملاك البحرية لا تزال محتلة، وإذا كان الاقتصاد اللبناني مصنوعاً من أجل فئة تمثّل 4% من الشعب اللبناني تتهرب من الضريبة، وكل الشرائح الأخرى تريد أن تتحمل الضرائب المباشرة وغير المباشرة، فنحن في وضع شاذ ومجحف.

بين زيادة الضرائب والخصخصة، أين يقع الخيار الصائب؟

إن الجدال في موضوع فرض الضرائب أو اعتماد الخصخصة هو جدال ملغوم، لأن الخصخصة تعني بيع أصول ثمينة للدولة، وبالتالي لا يمكن وضع خيارات تراوح بين التنازل عن هذه الأصول أو إجراء تعديلات في مستوى الرسوم والضرائب، وخصوصاً في ظل الابتزاز الذي يقوم به الفريق المنادي بالخصخصة للفريق الأكثر حرصاً على ممتلكات الدولة، وهذا الابتزاز قائم على وهم، إذ إن زيادة الضرائب حصلت بنسبة مرتفعة جداً حين أُقرت الرسوم على البنزين. الأكيد هو وجود خيار ثالث، وهو النظر بجدية في آلية خفض كلفة الدين العام الذي يحصل عبر إعادة النظر في سياسة الفوائد في البلد.
فاليوم أصبح مستوى الفوائد العالمي بين 0 و1.5 في المئة، وهنا نسأل: لماذا لم يحصل أي خفض جدّي للفائدة في لبنان؟ إذ لا تزال المصارف تجني هوامش أرباح هائلة من الدين العام، وما زلنا في الحلقة المفرغة، بحيث لم يجرؤ أحد على كسرها.

ما هي المقومات الداعمة لاستمرار هذا النهج، رغم تبعاته الاقتصادية التدميرية؟

إن همّ البنك المركزي هو تحقيق أرباح كبيرة للقطاع المصرفي، إذ هناك ظاهرة شاذة سائدة منذ عام 1992 حتى اليوم، وهي أنه مهما كان معدل النمو، نرَ أن الأرباح المصرفية ترتفع، وإن كان النمو سلبياً. وفي نظرة عامة، نجد أنه منذ 10 سنوات لم نتقدم خطوة واحدة في إدارة النظام النقدي. إن منطق الـ«مونتي كارلو» يسيطر على الاقتصاديين وعلى فئة واسعة من القيادات السياسية، وهذه هي نتيجة أفكار ميشال شيحا، فمونتي كارلو التي تقع في سوليدير وبعض المناطق كانت الرد السريع على سؤال: هل تريدون لبنان هانوي أو هونغ كونغ أو مونتي كارلو؟
وكأن لبنان لا يقوم إلا على سياحة في مساحة لا تزيد على 50 كيلومتراً مربعاً في سوليدير وبعض مناطق الاصطياف! فأين نذهب بما بقي من الأراضي اللبنانية؟

لكن أليس هناك من يقف في وجه هذه الممارسات؟

ـــــ هناك سيطرة للمنطق الاقتصادي الخاطئ المدعوم بالجشع للمال. إذ يتصرف زعماؤنا كأنّ لدينا آبار نفط، وما زلنا نتذكر حين عُدّ الخلوي أنه نفط لبنان، رغم أن إيرادات الخلوي تأتي من جيبة المواطنين، لا من تحت
الأرض.
حتى إنه أُقصي خبراء البنك الدولي الذين يحاولون انتقاد الوضع الاقتصادي السائد، إذ نُقل اثنان من مديري البنك الدولي من لبنان نتيجة محاولتهما تصويب الواقع!
وهذا النقل جاء بأمر من واشنطن التي تدعم دعماً مطلقاً فريقاً سياسياً مهما كانت توجهاته وأفعاله. إنها ثقافة اقتصادية منحطّة.
إذ ثمة نموذج لبناني أعوج يجب أن يتعدل، وثمة قدرات إنتاجية في لبنان يجب أن تستغل.

ما هي الخطوة الأولى التي يجب المبادرة إلى تنفيذها؟

ـــــ يجب أن يتحول جزء من الدين العام الذي بحوزة المصارف اللبنانية إلى دين عائم ودائم وبفائدة معقولة، ما يوفّر أكثر من مليار دولار سنوياً. ويجب عدم إصدار سندات الخزينة إصداراً متلاحقاً كما يجري حالياً، إضافة إلى خفض الفوائد المعتمدة على هذه الإصدارات، إن كانت بالدولار أو بالليرة اللبنانية، وهذا يحتاج إلى مفاوضات بين الدولة والمصرف المركزي وجمعية المصارف بهدف إدارة الدين العام على أسس مختلفة.



موجتان

عرف لبنان موجتين لخفض الفوائد على الدين العام: الأولى خلال ولايتي في حكومة سليم الحص، حيث نجحت بعد معركة مضنية مع البنك المركزي وجمعية المصارف، في خفض متوسط العائد على سند الخزينة من 22.5% إلى 14.14%. والموجة الثانية إثر باريس 2، حين طلبت الحكومة من الجهات المانحة قروضاً ميسرة بفائدة 5% على 15 سنة، فاشترطت هذه الجهات خفض المصارف اللبنانية فوائدها


عدد الاربعاء ٢١ نيسان ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق