9‏/4‏/2010

جنون الفساد: صحة اللبنانيين في خطر!

بزورات وزيوت مسرطنة وأجبان وفراريج منتهية الصلاحية... في الأسواق

(هيثم الموسوي)(هيثم الموسوي)

لم يجد أحد المتابعين لملفات الفساد في لبنان حين سؤاله عن حجم المواد الغذائية والأدوية الفاسدة الموجودة في السوق اللبنانية سوى تكرار عبارة «أعوذ بالله، أعوذ بالله» لوصف حالة الفساد التي تعدت حدود المصالح التجارية نحو تهديد المواطنين بالموت. فبعد الدواء والقمح، كرّت سُبحة الفضائح لتشمل: الفروج والبزورات والأجبان والزيوت... والآتي أعظم!

رشا أبو زكي
أدوية مزوّرة، مواد غذائية فاسدة، سلع مصنوعة في إسرائيل، مأكولات تحتوي على مواد مسرطنة وأخرى منتهية الصلاحية، لحوم فاسدة، قوانين مفصّلة على قياس عدد من التجار، شبكات ومافيات تضم عدداً من المؤتمنين على صحة المواطنين... فضيحة تلو فضيحة تنخر عقول المستهلك اللبناني، ولا تعرّض صحته للأمراض فقط، بل للموت، وذلك من دون أي حراك من السلطات الرقابية، إلا في حالات نادرة، بعضها كان لخدمة الوكيل الحصري، ولم يكن في خدمة الناس وأمنهم وسلامتهم وصحتهم!
الجميع سمعوا بفضائح الأدوية المزورة المستوردة، وفضائح الأغذية الفاسدة والطحين المغشوش، وآخرها فضيحة القمح غير الصالح للاستخدام البشري الذي كان يُعَدّ للدخول إلى السوق المحلية لصناعة الخبز، لكن تتبع الفضائح يكشف عن سلسلة لا تنتهي، تشمل الأجبان والبزورات والدواجن (التي دخلت السوق اللبنانية منذ فترة، على الرغم من انتهاء صلاحيتها)، ما يطرح تساؤلات كبيرة وكثيرة تطال الجهات الرقابية والوزارات المكلفة حماية المواطنين من عدد من التجار الفاسدين، وخصوصاً أن تتبع خيوط الفضائح يوصل إلى حلقة مترابطة، حلقة تضم عدداً من النافذين، بينهم أشقاء وأقرباء لوزراء ونواب وسياسيين! فمن يحمي اللبنانيين من جشع مافيات السلطة والتجارة؟
إنّ الدواء مادة أساسية تمسّ صحة المواطنين، لكن في لبنان يشهد الدواء منذ سنوات فضائح غريبة عجيبة، إذ لا يمر شهر من دون الحديث عن وجود أدوية مزورة أو منتهية الصلاحية أو مهرّبة. وآخر قصص المافيات، كانت قصة دواء الـ«بلافيكس» المزوّر (يسبب الموت لمرضى القلب) الذي اجتاح لبنان عبر مافيات دوائية مدعومة سياسياً، لتلحق هذه الحادثة فضيحة الأدوية الباكستانية الأخيرة (التي لم تتضح معالمها بعد)، التي استوردها عميل جمركي. وفيما أكد وزير الصحة العامة محمد جواد خليفة وجود عمليات تهريب منظّمة للأدوية، يشير عضو لجنة الصحة النيابية السابق إسماعيل سكرية لـ«الأخبار» إلى أن تهريب الأدوية هو من أكبر الفضائح في لبنان، لافتاً إلى أن 95% من الأدوية المهربة يُهرّب عبر مرفأ بيروت. أما الباقي فيُهرّب من طريق مطار بيروت الدولي. وهناك تاجر واحد فقط يهرّب عبر الحدود البرّية.

تهريب الفروج من أميركا اللاتينية عبر دبي الى لبنان على أنه انتاج إماراتي

ويشرح مصدر متابع لـ«الأخبار» أن عمليات التهريب تكون من خلال التواطؤ مع عدد من كبار موظفي الجمارك في المرفأ. أما في المطار، فيوجد من يستقبل الأدوية المهربة على باب الطائرات بعلم الجهات الرقابية هناك، وهذه الأدوية مرتفعة الثمن. كذلك يجري تهريب بعض المعدات الطبية المرتفعة الثمن بالطريقة ذاتها، وتعرف طريقة التهريب هذه بـ«تجار الشنطة».
أما قضية القمح، فقد تحولت إلى مسلسل لم تنته حلقاته التي بدأت منذ سنوات، إذ بعد سلسلة الفضائح في عملية دعم القمح المستورد، وارتفاع صرخات أصحاب الأفران بسبب رداءة القمح، تفجّرت الفضيحة في مرفأ بيروت كذلك. فمنذ أيام، ضُبطت شحنة تحتوي على 3800 طن من القمح الفاسد التي استوردتها شركة «هاريكو» اللبنانية لصاحبها محمود الحريري، وكانت هذه الشحنة على وشك دخول السوق اللبنانية بعدما اتخذ قرار إفراغها في أهراء المرفأ قبل وصول نتائج الفحوص!
وكشفت مصادر «الأخبار» عن دخول شحنة كبيرة من البزورات آتية من إحدى الدول المجاورة، السوق اللبنانية أخيراً، حيث تبين أنها منتهية الصلاحية وتحتوي على نسبة مرتفعة من مادة الفلاتوكسين (مادة مسرطنة)، وتشير إلى أنه حصلت تدخلات وضغوط كبيرة لإدخالها السوق عبر مرفأ بيروت. وشددت المصادر على أن هذه الشحنة وُزِّعت على عدد من المحامص والمحالّ!
في هذا الإطار، يقول رئيس جمعية المستهلك، زهير برو، إن الحدود البرية والبحرية والجوية «مخردقة»، ويضيف أنه ليس هناك التزام بعدد الفحوص ونوعيتها، التي يجب إجراؤها. فمثلاً، من المفترض إخضاع الجبنة المستوردة لفحوص جرثومية، إلا أن كميات ضخمة من الجبنة دخلت السوق اللبنانية أخيراً بعدما خضعت لفحوص كيميائية! موضحاً أن المختبرات المختصة تُصدر نتائج لإمرار السلع بغض النظر عن التقيد بنوع الفحوص الواجب إجراؤها لكل نوع من أنواع السلع، ويقول: «المهم أن يصدروا ورقة، حتى لو كتب عليها أن السلعة المعينة خالية من الهواء»!
ويلفت رئيس نقابة أصحاب الصناعات الغذائية اللبنانية جورج نصراوي إلى وجود كميات من المواد الغذائية التي تُهرَّب إلى لبنان من سوريا للتهرب من دفع الأموال أو لعدم وجود شهادات منشأ أو شهادات صحية. ويشرح أن هذه المواد الغذائية تباع في السوق اللبنانية من دون معرفة السلطات الرقابية، وبذلك تصل إلى المستهلك اللبناني، وغالباً ما تكون قد فسُدت نتيجة وسائل نقلها غير المراعية للشروط الصحّية. ويلفت نصراوي إلى وجود مواد غذائية، وخصوصاً في ما يتعلق بمشتقات الحليب، وضعها سيئ جداً، وهي تستورد عبر وسائل نقل تخالف القانون. وكذلك تُستورَد معلبات منتهية الصلاحية أو ستشارف على الانتهاء. ويرى نصراوي أن الرقابة في مرفأ بيروت أصبحت أكثر تشدداً أخيراً بسبب زيادة الفضائح، وبالتالي كل ما يُستورَد يخضع للتحليل، مشيراً إلى أن ثقة المستهلك اهتزت بسبب المخالفات الموجودة.

95% من الأدوية المهربة تدخل عبر مرفأ بيروت

وإن كانت المواد الغذائية الفاسدة تدخل لبنان عبر التحايل على القانون وبالتواطؤ مع المكلفين منع دخولها، فإن زيت الزيتون الفاسد والمزور يدخل بيوت اللبنانيين بطريقة مقوننة! إذ يقول رئيس لجنة الزيتون في اللقاء الوطني للهيئات الزراعية في لبنان جورج قسطنطين عيناتي إن زيت الزيتون المستورد المزور يمثّل سبباً أساسياً في ارتفاع نسبة الوفيات بمرض السرطان. وذكّر بشحنات الزيت التي منع دخولها إلى دول الخليج بسبب احتوائها على مادة «بانزوبيرين» المسببة للسرطان، فحُوّلت على لبنان بكل سهولة وسوّقت فيه على أنها زيت إسباني. ولفت إلى أن هذه الشحنات هي من زيت الجفت المستورد من أحد البلدان الأوروبية والمستعمل في استخراجه مادة النفطة أو مادة الهيكسان. والمفترض أن يستعمل هذا الزيت لصناعة الصابون، لكن مافيا الزيت العالمية تعيد تكريره لخفض حموضته ثم تغير لونه المائل إلى الزرقة بمواد يمنع استعمالها حتى في تلوين المبيدات الزراعية. والأدهى أن عبوات هذه الشحنات كتب عليها باللغة العربية زيت زيتون نقي، وعلى الجانب الآخر كتب باللغة الأجنبية زيت جفت الزيتون. ويشير عيناتي إلى أنه صدر قرار مجلس الوزراء بناءً على كتاب وزير الاقتصاد محمد الصفدي في عام 2008 يسمح بموجبه استيراد الزيوت والدهون المكررة في الخارج من دون حاجة إلى إعادة تكريرها في لبنان ضمن بواخر وشاحنات لا تستوفي الشروط، ما جعل لبنان مرمى لنفايات زيوت العالم، لكن بطريقة أصبحت قانونية!
والمواد الغذائية المستوردة والفاسدة تشمل كذلك الفروج المستورد، واللحوم! إذ كشف رئيس نقابة الدواجن علي الحاج حسن لـ«الأخبار» أن عدداً من التجار يستوردون الفروج الفاسد من دول في أميركا اللاتينية، ولا سيما البرازيل، بأسعار زهيدة جداً، ومن ثم يصدرونه إلى المنطقة الحرة في دبي، حيث يُغيّر القالب الخارجي للفروج ويوضع عليه أنه من صناعة الإمارات، وتزوَّر شهادات المنشأ، ليعاد تصديره إلى لبنان وفق اتفاق تيسير التجارة العربية. ويلفت الحاج حسن إلى اكتشاف هذه العملية خلال تتبع خيوط محددة، بحيث تبين تورط تجار لبنانيين وإماراتيين بهذا الموضوع. لا بل يؤكد الحاج حسن أن حجم هذه الفراريج يصل إلى ما بين 25 و30 في المئة من الاستهلاك المحلي للفروج المجلد في لبنان!
وللحوم قصص وروايات! فقد لفت مصدر إلى أنه في عام 2008 دخل إلى السوق اللبنانية 10 آلاف طن من اللحم الهندي السيئ النوعية، وبيع في المحالّ والسوبر ماركت على أنه لحم بلدي بأسعار مرتفعة. فيما أوقفت سوريا 500 كيلوغرام من اللحوم الفاسدة المهربة من لبنان، ما عُدّ أنه جزء من شحنات كبيرة هُرِّبت قبل اكتشاف الكمية المذكورة، ليظهر أن هذا اللحم منتهي الصلاحية ومجهول المصدر والإنتاج وغير مراقب صحياً أو مخبرياً! (صحيفة الوطن السورية 11 آذار 2010). وتشرح ندى نعمة، من جمعية المستهلك، أن ما يعرفه اللبنانيون هو الصفقات الكبيرة، أما الصفقات الصغيرة التي تُدخل اللحوم الفاسدة إلى لبنان، فيمكن متابعتها من خلال حالات التسمم المتزايدة من جراء استهلاك اللحوم. وتشرح قائلة إن اللحوم الفاسدة تدخل لبنان بكميات ضخمة وبتواطؤ من الجهات المعنية كافة، فيما القانون لا يفرض مراقبة نوعية اللحوم المستوردة، بحيث تنحصر العملية الرقابية بعمر المواشي واللحوم لا أكثر! وتلفت إلى أن لبنان يستورد أكثر من 95% من اللحوم، ونسبة كبيرة منها فاسدة!
إلا أن أمين سر نقابة مستوردي ومصدري اللحوم المجمّدة، سميح المصري، يرى أن «هذه دعايات»، لافتاً إلى أن اللحوم تخضع لفحوص دقيقة قبل إدخالها السوق اللبنانية، فيما تلك غير المطابقة للمواصفات لا تدخل السوق اللبنانية.



10 آلاف طن

من اللحوم الفاسدة دخلت السوق اللبنانية في عام 2008 ليتبيّن أنها من مصدر هندي وغير صالحة للاستهلاك، وقد بيعت في المحالّ والسوبرماركت على أنها لحم بلدي بأسعار مرتفعة



غياب المختبر المركزي

يقول النائب السابق إسماعيل سكرية إن القانون يؤكد أن استيراد أي شيء طبي يجب أن يكون لهذا المستحضر ملف من بلد المنشأ، ثم تؤخذ عينات من الأدوية على أن تفحص في المختبر المركزي، إلا أن هذا الأخير غير موجود، وفي غيابه ومع استخدام «العلاقات» والرشى تدخل الأدوية الى السوق من دون رقابة، مشككاً في حقيقة أن الأدوية تخضع لفحوص في مختبرات خارجية، ويلفت الى أن العديد من الأدوية يتأخر إدخالها وتطول فترة تخزينها بسبب ضغوط تقوم بها شركات أدوية احتكارية كبرى لتأخير وصول ادوية تنافس منتجاتها!


عدد الجمعة ٩ نيسان ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق