15‏/10‏/2010

تنفيعات بـ 5 ملايين دولار!



تعويضات لـ3 شركات لم تكن في مرفأ بيروت عند صرفها

التمييز بين متعهدي مرفأ بيروت (مروان طحطح)التمييز بين متعهدي مرفأ بيروت (مروان طحطح)«تحقيقاً لمبدأ المساواة»، بهذا تبرّر الحكومة الحالية قرارها الأخير بتعويض شركة ميشال صفير للتعهدات بمبلغ مليونين و490 ألف دولار، كتعويض صرف اقتصادي عن فترة عملها في مرفأ بيروت بين عامي 1975 و1989، وذلك أُسوة بشركتين قبضتا تعويضاً ضخماً عام 2007 لقاء أعمال تعهدات نفّذتاها خلال الحرب... إلّا أنّ مبدأ المساواة كان محصوراً بـ3 شركات من بين 25 شركة تعهدات كانت عاملة في المرفأ!

رشا أبو زكي
القضية تتعدّى حدود المنطق، وتتحدّى القوانين والدستور، الذي يدعو إلى المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، لتصل إلى مرحلة هدر المال العام لتمرير تنفيعات سياسية لثلاث شركات كانت تعمل خلال الحرب في مرفأ بيروت، عبر تعويضات قاربت الـ 5 ملايين دولار! إذ كان يعمل في مرفأ بيروت متعهّدو عتالة المستوعبات، ويبلغ عددهم حوالى 25 متعهداً، أوقفت الحكومة عملهم بعد إنشاء محطة الحاويات في المرفأ، فدفعت لهم عام 2003 نحو 12.375 مليون دولار كتعويضات صرف اقتصادي من الخدمة، باستثناء 3 متعهدين حصلوا وحدهم على نحو 5 ملايين دولار، بينهم متعهد جرت الموافقة على تعويضه 2.490 مليون دولار في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء! سبب هذه التنفيعة يظهر أن هذه الشركات تابعة لحزب الكتائب، وأخرى لتيار المستقبل، والأخيرة مدعومة مباشرة من القصر الجمهوري!

تمييز واستثناءات

فقد بدأت منذ بداية التسعينات عملية تطوير مرفأ بيروت وتوسيعه، بحيث جرى تجديد منشآته وتوسعته ليضمّ 4 أحواض، إضافةً إلى رصيفين جديدين، واشترى متعهدو عتالة المستوعبات معدات جديدة تتناسب مع التطويرات الحاصلة، بملايين الدولارات... إلا أنه في 2004 بدأ صرف المتعهدين، تمهيداُ لافتتاح محطة المستوعبات الجديدة عام 2005، وبعد تحركات من جانب المتعهدين تضمّنت إضراباً أوقف عمل المرفأ 4 أيام، لم تتجاوب الحكومة مع مطلبهم بحصة في المشروع الجديد للحفاظ على ديمومة عملهم، واستغلال المعدات الباهظة الثمن التي اشتروها، بل صدر قرار عن مجلس الوزراء في 6 آب 2004 يقضي بتعويض المتعهدين بـ12 مليوناً و375 ألفاُ و877 دولاراً، على أن تشمل هذه التعويضات نحو 22 متعهداً، وتُقتطع هذه المبالغ من واردات مرفأ بيروت.
ونص القرار على آلية احتساب التعويض، التي تقوم على احتساب حجم الأعمال عام 2003 وتقسّم على 12 شهراً، ومن ثم تُضرب بـ13 سنة (هي فترة عمل المتعهدين من عام 1991 حتى 2003)، وبذلك حصل المتعهدون على تعويضات ما بين 150 ألف دولار و300 ألف دولار، على أن يلتزم المتعهدون إخراج معداتهم من الحرم المرفئي، وتوقيع مخالصة وبراءة ذمة تجاه الدولة وإدارة المرفأ.
إلا أن القرار المذكور استثنى شركتين، هما شركة سونابور وشركة عبد الرحمن شهاب الدين، من هذه التعويضات، أمّا السبب، فهو أن هاتين الشركتين كانتا تعملان خلال الحرب، وبالتالي صدر قرار عام 2007 بتعويضهما عن الفترة ما بين عامي 1977 و1989، وفيما يشدّد قرار مجلس الوزراء في 2004 على اعتماد ذات آلية احتساب التعويض، التي اعتُمدت مع جميع المتعهدين، فإنّ القرار الصادر عام 2007 لم يلتزم بذلك، أمّا المبرر، فهو «انتفاء إمكان الحصول على معلومات عن المداخيل الشهرية للشركتين خلال هذه الفترة». وهكذا حصلت كلتا الشركتين على تعويض قياسي بلغ 2.490 مليون دولار لكلّ منهما!

خلفيات القرار

وحلقة التمييز لم تكن قد اكتملت بعد، إذ إنه في العام الماضي تقدّم صاحب شركة ميشال صفير للتعهدات بطلب التعويض عليه أسوة بشركتي سونابور وشهاب الدين، مبرراً الأمر بأن الشركة قامت بأعمال عتالة ما بين 1975 و1989. وعلى الأثر أُلّفت لجنة من وزراء العمل والاقتصاد والمال لدراسة عرض وزير الأشغال العامّة غازي العريضي تعويض شركة صفير، وذلك بعدما وافقت اللجنة على هذا الطلب، انطلاقاً من «مبدأ المساواة المكرّس دستورياً، والمقرّر قانونياً، الذي يستوجب معاملة جميع المواطنين على قدم المساواة، ومن دون تفريق». وهكذا قرر مجلس الوزراء في 23 حزيران الماضي تعويض صفير بـ 2.490 مليون دولار!
إلا أن حصر «التعويضات الإضافية» بشركتي عبد الرحمن شهاب الدين وسونابور، ومن ثم مؤسسة ميشال صفير، له خلفيات، ووقائع تدحض نيّات الحكومة في «المساواة».
إذ تشير مصادر «الأخبار» إلى أن هذه التعويضات ليست سوى هدر للمال العام لتحقيق تنفيعات سياسية للشركات الثلاث االتي لم تكن وحدها العاملة خلال الحرب، ولم تواصل عملها في المرفأ عند إنشاء محطّة الحاويات... لأن معظم شركات التعهدات الأخرى عملت ما بين 1975 و1989، وبالتالي، فإنّ حصر التعويض الإضافي بهذه الشركات ليس مبرَّراً لا بالمنطق ولا بالقانون، لا بل إن الأساس الذي بُني عليه قرار دفع التعويض هو شراء شركات التعهدات

معظم شركات التعهدات الأخرى عملت ما بين 1975 و1989، أي أن حصر التعويض الاضافي بـ 3 شركات ليس مبرراً

معدّات متطورة منذ 1991، أي ما بعد انتهاء الحرب الأهلية، وفي هذه الحالة فإن أيّاً من الشركات الثلاث لم تشترِ هذه المعدات لكونها قد أوقفت عملها في المرفأ قبل انتهاء الحرب، لا بل إنّ مبدأ التعويض يقوم على «صرف اقتصادي» من الخدمة، والشركات الثلاث أوقفت عملها قبل اتخاذ قرار صرف المتعهدين... وهنا يبدأ البحث عن الأسباب الحقيقية لإعطاء 3 شركات مبلغاً يوازي نصف ما دُفغ تعويضاً لـ22 متعهداً نفّذوا الأعمال نفسها خلال الحرب، واشتروا معدات ضخمة لتسيير عمل المرفأ ما بعد الحرب.
وهنا، تؤكّد المصادر أنّ هذه التعويضات كانت «تنفيعة» من جانب رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري، إذ إنّ شركة سونابور تعود معظم أسهمها لحزب الكتائب اللبنانية، فيما كانت شركة شهاب الدين «تحت يد» الحريري نفسه، أمّا ميشال صفير، فقد كان عضواً في حزب الكتائب سابقاً، وقد تلقّى دعماً كبيراً من «القصر الجمهوري» لتمرير قرار التعويض. لا بل تؤكد المصادر أنّ ميشال صفير كان خارج لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية، وأنّه عاد منذ عامين تقريباً، وبالتالي فهو قد ترك أعمال التعهدات منذ فترة طويلة!
وتلفت المصادر إلى أن سبب صرف متعهدي عتالة المستوعبات هو إنشاء محطة مستوعبات جديدة في المرفأ، وفيما قبض المتعهدون الـ22 تعويضات عن صرفهم من الخدمة، فإنّ الشركات الثلاث «المحظية» لم تعمل في المستوعبات إلا فترة قصيرة جداً، وبمعدات غير مخصصة لعتالة المستوعبات، أما السبب، فهو أنّ البضاعة التي كانت تأتي إلى المرفأ خلال الحرب حتى عام 1984 تقريباً لم تكن بمعظمها موضّبة في مستوعبات بسبب عدم قدرة المرفأ حينذاك على استقبالها!



700 ألف

هو عدد الوحدات النمطية في محطة المستوعبات في مرفأ بيروت، وتبلغ مساحة محطة المستوعبات 600 ،244 متر مربع، وتحوي 4 روافع أرصفة جسرية، و8 روافع باحات، و6 غفات تستيف، و3 روافع للمستوعبات الفارغة، و30 مقطورة، و4 جرارات، و4 قاطرات.



الإعداد لتحرّكات

يتّجه متعهدو عتالة المستوعبات، الذين جرى تعويضهم عن الفترة الممتدة بين 1991 و2003، إلى بدء تحركات للمطالبة بمعاملتهم أُسوة بالشركات الثلاث، التي تلقّت تعويضات مرتفعة، إذ تسيطر عليهم حالة من الغضب فهم لا يزالون عاملين في المرفأ، ويسيّرون عمله، فيما الشركات الثلاث، شهاب الدين، وسونابور، وصفير، أوقفت عملها في المرفأ. وتشدد المصادر على أن المتعهدين الـ22 التزموا الصمت حيال شركتي شهاب الدين وسونابور، إلا أنهم سيخرجون من الصمت بعد تعويض شركة صفير في عهد حكومة «الوحدة الوطنية»


عدد الاربعاء ٢١ تموز ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق