15‏/10‏/2010

على الغلاف/ موازنة المخالفات الدستوريّة: المشروع في الأدراج


رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان (أرشيف ـ هيثم الموسوي)رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان (أرشيف ـ هيثم الموسوي)من سيشكّك بعد الآن بوجود نيّات «تعطيلية» تعترض سبيل إقرار مشروع موازنة عام 2010؟ فهذا المشروع الذي أخّرت وزيرة المال ريا الحسن تقديمه إلى مجلس الوزراء نحو 3 أشهر عن الموعد المحدد في البيان الوزاري، عاد لينام في أدراج رئاسة الحكومة منذ منتصف الشهر الماضي، علماً بأن طبيعة المشروع والمخالفات الجمّة فيه تدفع إلى الاعتقاد بأن التصديق عليه في المجلس النيابي سيستغرق وقتاً طويلاً

رشا أبو زكي
تنفّس البعض الصعداء عندما أعلنت وزيرة المال ريا الحسن، في منتصف الشهر الماضي، أنها قدّمت مشروع موازنة عام 2010 إلى الأمانة العامّة لمجلس الوزراء. بل إن الوزيرة نفسها لم تتوان عن وصف هذه الخطوة بأنها «إنجاز» قائم بذاته، لكون الحكومات المتعاقبة جَبَتْ الإيرادات وأنفقتها على هواها، من دون إصدار أي قانون يجيز لها ذلك، منذ عام 2005!
لم تتعرض أي حكومة للمساءلة في هذا المجال. لم يرَ عقاب صقر وعمّار حوري وخالد زهرمان وكل جوقة «لبنان أولاً» (مثلاً) أن في هذا السلوك انتهاكاً فاقعاً للدستور والقوانين الناظمة لعمل المؤسسات... كذلك لم ينتفض أي من نواب حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر صوناً لكرامة المجلس النيابي التي تُهتك مع كل طلعة شمس... ولم يهتف أحد بأولوية احترام المهل الدستورية ومواقيت الاستحقاقات: الانتخابات البلدية شيء والموازنة شيء آخر، وكذلك الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، شيء ثالث!
أولى المخالفات
تنص المادة 83 من الدستور على أن «كل سنة، في بدء عقد تشرين الأول، تقدّم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة لنفقات الدولة ودخلها عن السنة المقبلة ويقترع على الموازنة بنداً بنداً».
لقد اعتادت الحكومات مخالفة هذه المادّة الدستورية بسبب انعدام المساءلة. إلا أن هذه المخالفة اتخذت أشكالاً «فاقعة» جداً منذ عام 2005. فالحكومة آنذاك لم تضع أي مشروع للموازنة إلا في أواخر العام المعني، ولم يقرّه المجلس النيابي إلا في مطلع العام اللاحق، أي في عام 2006. ومنذ ذاك التاريخ، لم تكتفِ الحكومة بعدم احترام الموعد الدستوري لتقديم مشروع الموازنة، بل ذهبت أبعد من ذلك، إذ لم تتقدّم من المجلس النيابي بأي مشروع للموازنة يخص الأعوام 2006 و2007 و2008 و2009. وها هي تقطّع عام 2010 من دون أن تفعل ذلك، علماً بأن الحكومة الحالية التزمت في بيانها الوزاري بتقديم مشروع الموازنة إلى المجلس النيابي قبل نهاية شهر كانون الثاني... ولكنّ المخالفة الأفظع كانت في السنوات الماضية، عندما أجازت الحكومات لنفسها الإنفاق على أساس مشاريع قوانين لموازنات لم ترَ النور قط... ألا يستحق المسؤولون عن ذلك ملاحقتهم قضائياً (اسألوا الخبراء في الدستور والقوانين)؟

مماطلة... مماطلة

لقد استمرّت وزيرة المال بالمماطلة حتى منتصف نيسان الماضي، قبل أن تتقدّم بمشروعها لموازنة هذا العام وتسجّله لدى الأمانة العامّة لمجلس الوزراء تحت الرقم الصادر 773/ م ص بتاريخ 15/4/2010. وبررت المماطلة بوجود خلافات بين القوى السياسية المشاركة في الحكومة على خلفية وسائل تمويل الإنفاق الإضافي، إذ إن فريق سعد الحريري بقيادة فؤاد السنيورة كان يصرّ على زيادة الضريبة على القيمة المضافة إلى 15%، ثم طرح زيادتها إلى 12%، وذلك قبل أن ينكشف المخطط الحقيقي المتمثّل في فرض التوافق السياسي على إطلاق أكبر موجة خصخصة في البلاد شرطاً لإمرار موازنة منفوخة تحمل إنفاقاً توزيعياً ـــــ سياسياً أكثر بكثير مما تحمل إنفاقاً استثمارياً يُتذرّع به للانقضاض على ما بقي من وسائل الدولة ووظائفها.
سرعان ما انخرط الجميع في المخطط، ولا سيما الرئيس نبيه بري الذي كلّف علي حسن خليل بتقديم اقتراح قانون ينقل صلاحيات من المجلس النيابي إلى الحكومة، ويجيز لها منح عقود امتياز وتلزيم أصول وخدمات عامّة إلى شركات أجنبية ومحلية، ونقل إدارات عامّة إلى إدارات خاصّة، وتسليم احتكارات تتحكم فيها الدولة إلى القطاع الخاص... عندها ظنّ الجميع أن مشروع الموازنة سلك طريقه نحو المجلس النيابي، إلا أن بعض الظن إثم. فالمشروع لا يزال نائماً في أدراج سهيل بوجي منذ أكثر من 21 يوماً، ولم يُدرج على جدول أعمال أي جلسة لمجلس الوزراء حتى الآن. بل إن أي وزير أو نائب أو حزب أو جمعية أو نقابة لم يتعامل معه حتى اللحظة كأنه موجود، ما عدا بعض الهمروجات الإعلامية والصحافية التي رافقت المؤتمر الصحافي لريا الحسن، عندما أعلنت أنها حقّقت «إنجازها» الفريد.

أين هو المشروع؟

يعتقد أكثر من وزير أن هناك قُطباً مخفية لا تزال موجودة تمنع الحريري من دعوة مجلس الوزراء إلى مناقشته. فهو، أوّلاً، يحبّذ أسلوب السنيورة في الإنفاق من خارج القانون وخلافاً للدستور... هذا السلوك يجعله أكثر تحكّماً بالمال العام. وهو ثانياً لا يريد أن يفتح فتوح الإنفاق على بعض البنى التحتية في الكهرباء والمياه والاتصالات والطرقات ووسائل النقل ومعالجة النفايات والصرف الصحّي واستصلاح الأراضي وإقامة المناطق الصناعية... إلا بعد أن يتأكّد من أن شركاته وشركات شركائه في السياسة والمحاصصة والأعمال ستنال قضمات حرزانة من جبنة لا تزال تبدو شهية لما فيها من عوائد ريعية واحتكارية الطابع!
لا تزال هناك عقدة في الاتصالات، إذ بدا حتى الآن أنه القطاع الأكثر إثارة للشهوات بالمقارنة مع القطاعات الأخرى، وهذا ما دلّت عليه جولات المصرفيين بقيادة الوزير عدنان القصّار على جميع المعنيين، وهذا ما أوحت به الحملة الفاشلة على وزير الاتصالات شربل نحّاس واستقالة رئيس الهيئة المنظّمة للاتصالات كمال شحادة... وأخيراً، إعلان الحسن من الولايات المتحدة أن الإدارة الأميركية قبلت تمديد اتفاقية تمويل بقيمة 75 مليون دولار لدعم الخزينة حتى نهاية هذا العام، وهي مشروطة ببيع رخصتَي الهاتف الخلوي!

موازنة المخالفات

إذاً، لا تزال الأمور تراوح مكانها، وليس هناك أي إشارة على تغيير ما في الاتجاه، وهذا ما يدفع رئيس لجنة المال والموازنة النيابية النائب إبراهيم كنعان إلى التحذير من أن ظهور إشارة على التغيير الآن لا يعني أن مشروع الموازنة سيبصر النور قريباً. فهو يحتاج إلى أسابيع من المناقشات والمناورات في مجلس الوزراء، وإلى أسابيع أطول في اللجان النيابية، قبل أن يبلغ عتبة الهيئة العامّة، أي في أقل تقدير، سيستغرق الأمر 3 إلى 4 أشهر.
إلا أن كنعان لا يخفي أن الأمور لن تكون بهذه السرعة حتى. فالمشروع كما اطّلع عليه من قنوات غير رسمية، يبدو مكتظّاً بمخالفات فظيعة للدستور وقانون المحاسبة العمومية، فضلاً عن أن هذا المشروع لا يتضمن موازنة شاملة وسنوية ومحصورة بالنفقات والإيرادات، ما يعني أن اللجنة ستستغرق وقتاً طويلاً في النقاش من أجل التصدّي لهذه المخالفات.
ويذكّر كنعان بأن لجنة المال والموازنة ناقشت وقدّمت خلال إعداد الموازنة الشهيرة منهجية عمل واضحة جداً، تدعو من دون لبس أو مواربة إلى التزام الدستور وعدم تهريب قوانين لا علاقة لها بالنفقات والإيرادات عبر الموازنة. والوزيرة الحسن التي حضرت بعض اجتماعات اللجنة، أكدت أنها ستلتزم بالمنهجية، فإذا بالموازنة تخرج إلى النور بـ120 بنداً مخالفاً للدستور من أصل 130 بنداً!

من بين 130 مادة تؤلّف مشروع الموازنة، عشر مواد فقط تنسجم مع أحكام الدستور والقانون

لا يزال قطاع الاتصالات الأكثر إثارة للشهوات مقارنة مع القطاعات الأخرى

كنعان: يحتاج المشروع إلى أسابيع من المناقشات الحكومية، وإلى أسابيع أطول في اللجان

ويشير النائب كنعان إلى أن المادة الثالثة من قانون المحاسبة العمومية حددت الموازنة بأنها «صك تشريعي تقدّر فيه نفقات الدولة ووارداتها عن سنة مقبلة، وتجاز بموجبه الجباية والإنفاق». كذلك عرّفت المادة الخامسة من قانون المحاسبة العمومية قانون الموازنة، فنصت على أن «قانون الموازنة هو النص المتضمن إقرار السلطة التشريعية لمشروع الموازنة. يحتوي هذا القانون على أحكام أساسية تقضي بتقدير النفقات والواردات وإجازة الجباية وفتح الاعتمادات للإنفاق وعلى أحكام خاصة تقتصر على ما له علاقة مباشرة بتنفيذ الموازنة».
ويعلّق وزير المال السابق إلياس سابا على مشروع الحسن، بأنه انطلاقاً من الدستور، تعدّ موازنة العام 2010 (بغض النظر عن عدم التزامها بالموعد الدستوري لإقرارها) غير دستورية، لكونها لا تشتمل على أي من عناصر الشمولية والسنوية وتبيان النفقات والإيرادات حصراً.
وتعدّ موازنة عام 2010 غير قانونية، وفق كنعان، الذي أعدّ دراسة علمية وقانونية أظهرت أنه بين 130 مادة تؤلّف مشروع موازنة عام 2010، يتبيّن أن هناك عشر مواد فقط تنسجم مع أحكام الدستور والقانون!
ويشير كنعان إلى أنه في موضوع إحالة مشروع القانون من وزارة المال إلى مجلس الوزراء، فقد تأخر هذا الاستحقاق الدستوري أكثر من 6 أشهر، معتبراً أن لهذا التأخير تأثيراً سلبياً من ناحية «سلق» إقرار الموازنة، متمنياً أن تكون النقاشات جدية. أما حين تصل الموازنة إلى مجلس النواب، فهناك آلية تُعتمد دستورياً، وهي تبدأ بدرس المشروع في اللجنة البرلمانية للمال والموازنة، على أن تعقد جلسات مناقشة لكل إدارة بحضور الوزير المعني ووزير المال أو من يمثّله، ومدير الموازنة ومراقبة النفقات (إقرار النفقات)، ومن ثم تُدرس الواردات وتُقرّ، وتُدرس النصوص القانونية والجداول وتُقرّ، ويُدرس آخر قطع حساب ويُقرّ، ويقدم مقرر اللجنة تقريراً عن دراسة الموازنة ويُرفع مع مشروع الموازنة إلى رئاسة مجلس النواب، بحيث تُناقش الموازنة في الهيئة العامة للمجلس وتصدّق بنداً بنداً.
وبالتالي، فإن عملية كهذه تستلزم وقتاً ليس يسيراً، فيما شهر أيار قد بدأ ولم يناقش مجلس الوزراء الموازنة. ومن هنا، إذا انطلقت النقاشات اليوم، فلن تنتهي عملية إقرار الموازنة في مجلس النواب قبل حزيران أو تموز المقبل، فيكون حتى ذلك الحين قد صُرف جزء كبير من موازنة عام 2010 على الرغم من أن أهمية الموازنة هي أن تقرّ ومن ثم تصرف الأموال وفق البنود المقرّة مسبقاً. ومن هذه النقطة تحديداً، تبدأ المخالفات.



مصير الموازنة... بيد البرلمان

ماذا لو أقرّت الموازنة بصيغتها الحالية المخالفة للدستور وقانون المحاسبة العمومية؟
يقول رئيس لجنة المال والموازنة، النائب إبراهيم كنعان، إنه لا يستطيع أن يحكم على الموازنة قبل أن تصل هذه الأخيرة إلى اللجنة بصيغتها النهائية. لكن التناقض الظاهر حتى الآن، هو أن وزيرة المال صرّحت بأنها أخذت بـ80% من المنهجية القانونية التي أقرتها اللجنة، ما يدل على صوابية المنهجية، لكنها لم تلتزم بذلك، فقدّمت موازنة إلى مجلس الوزراء مخالفة بأكثر من 90 في المئة من بنودها للأحكام القانونية الملزمة! إذ تضمنت نصوصاً لا صلة لها بالموازنة، وخصوصاً تلك التي ترمي إلى تعديل قوانين نافذة. فإذا كانت الحكومة مصرة على تعديل هذه القوانين، تستطيع أن ترسلها على نحو مستقل عن الموازنة ووفقاً للأصول.
انطلاقاً من ذلك، يقول كنعان إنه سيتعامل مع الموازنة وفق القانون، «إذ تستطيع اللجنة أن تعدّل البنود أو ترفضها أو تقبلها ضمن إطار الدستور». وهذا التعامل لن يكون وفق روحية معركة بين اللجنة والوزارة «فنحن في ساحة واحدة لدرس المشروع ومناقشته وإخراجه على نحو قانوني يراعي أحكام الدستور والعدالة والإنماء المتوازن، وإنّ مَن تأخر 5 سنوات قبل إصدار موازنة للبنان، يستطيع أن يعطينا شهرين داخل مجلس النواب لمناقشة البنود من دون الوقوع تحت تأثير الوقت الضيق».
وفي السياق القانوني هذا، يأتي اقتراح كنعان بإعطاء المجلس النيابي حقه الكامل في مجال التشريع، وهو من أبرز صلاحيات المجلس. والاقتراح يشير إلى أنه عند ورود مشروع الموازنة العامة إلى لجنة المال والموازنة، يجب أن يصار إلى تقسيم المشروع إلى قسمين:
1ـــــ القسم الذي يراعي أحكام المادتين الثالثة والخامسة من قانون المحاسبة العمومية، وهو القسم المتعلق بتحديد الواردات والنفقات، وبإجازتي الجباية والإنفاق، وبجداول الواردات والنفقات، وبالنصوص المتعلقة حصراً بتنفيذ الموازنة.
2ـــــ القسم الذي يخالف أحكام المادتين الثالثة والخامسة من قانون المحاسبة العمومية، وهو القسم المتعلق بالنصوص الرامية إلى إجراء تعديلات على قوانين نافذة، أو بإحداث ضرائب جديدة أو بمنح إعفاءات أو بشؤون وظيفية أو بتعديل هيكليات أو سواها...
فيقبل القسم الأول ويوضع له برنامج درس، ويطلب إلى الحكومة استرداد القسم الثاني لتقديمه، إذا شاءت، بمشاريع قوانين مستقلة وفقاً للأصول التي ترعى مبادرة السلطة التنفيذية في الحقل التشريعي...
اقتراح ومنهجية وتصويب وإصلاح لأهم صك تشريعي يحدد كيفية التعاطي مع مالية الدولة، كلها مرهونة بمدى التزام الحكومة، كما مجلس النواب، بفصل السلطات، وبمدى اعتبار لجنة المال والموازنة لجنة رقابية لا مركزاً لإمرار قرارات وزارية من دون مناقشة، وعلى مدى صدقية النواب كما الوزراء والتزامهم كلامهم المنادي بالإصلاح... المالي خصوصاً.


عدد الخميس ٦ أيار ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق