15‏/10‏/2010

على الغلاف/ يد الحكومة تمتد إلى رغيف الفقراء!


الصفدي يرفع سعر ربطة الخبز 161 ليرة حفاظاً على أرباح الكارتيل

خلال أزمة الخبز السابقة  (أرشيف ــ  خالد الغربي)خلال أزمة الخبز السابقة (أرشيف ــ خالد الغربي)ليست المرة الأولى، وعلى ما يبدو لن تكون الأخيرة. فقصة حماسة وزراء الاقتصاد لضمان مصالح كارتيل المطاحن قديمة ومستمرة. فربطة الخبز سترتفع ابتداءً من اليوم 161 ليرة، حيث خفض زنة الربطة من 1120 غراماً إلى 1000 غرام، ولم ينخفض سعرها بل بقي 1500 ليرة... فمن كان يتصوّر أنه في وضع كهذا سيرتفع سعر الرغيف النحيف السيّئ النوعية؟

رشا أبو زكي
يحدث صباح هذا اليوم: تستيقظ عائلة لبنانية، تشتري ربطة خبر عربي، تلاحظ أن زنة الربطة قد انخفضت، فيبتسم أفراد العائلة ويقولون: «الله يخليلنا وزير الاقتصاد محمد الصفدي، فقد خفض زنة الربطة 120 غراماً لكي لا يرفع سعرها إلى أكثر من 1500 ليرة»، وستتابع العائلة حياتها الطبيعية.
في المقابل، سترتفع أصوات التأييد من قبل وسائل الإعلام للوزير الجريء، الذي قرر أن يخفض وزن الربطة وألا يرفع سعرها، والذي قرر القيام بإجراء كهذا لكي لا يدخل في عملية دعم استيراد القمح، مع ما يستتبع خطوة كهذه من هدر ضخم للمال العام، (كما حصل خلال الأعوام السابقة، حيث وصل حجم الدعم إلى 60 مليون دولار خلال عام وشهرين)... هذا ما يظنّه الصفدي، وهذا هو مبرر خفضه زنة ربطة الخبز من 1120 غراماً إلى 1000 غرام، على أن يبقى سعرها 1500 ليرة، أي ما يعني أنه رفع سعر كل ربطة خبز 161 ليرة لبنانية، بقرار اتخذ المواربة أسلوباً في النص. إلا أن قرار رفع سعر ربطة الخبز سيلازم الصفدي، وخصوصاً أنه اتُّخذ لكي يحمي أرباح المطاحن الخيالية، ويحصّن كارتيل يتحكم في لقمة عيش اللبنانيين.
إلا أن قصّة أخرى ظهرت في سياق تتبّع مصدر قرار رفع سعر الخبز في غفلة عن الكثيرين. فقد اتخذ مجلس الوزراء قراراً بشراء كميات من القمح لتخزينها وبيعها للمطاحن بأسعار أقل من الأسعار الحالية، كي لا ينعكس الارتفاع العالمي لسعر هذه المادة على الأسعار المحلية. ويروي أكثر من وزير أن هذا القرار اتخّذ في ظل انشغال الوزراء بمناقشة قضية شهود الزور، فإذا بالوزير الصفدي يقرر دعم المطاحن خلال شهر آب من دون علم الأفران، فما كان من المطاحن إلا أن سلّمت الأفران الطحين بأسعار تزيد على السعر المحدد من الوزارة (480 ألف ليرة) بين 20 ألف ليرة و70 ألفاً (بحيث راوح سعر طن الطحين بين 500 و550 ألف ليرة)، وبذلك استطاعت المطاحن خلال فترة الدعم الحكومي المستتر أن تستفيد من قمح رخيص، ومن أرباح قياسية!

قمحة... وشعيرة

ففي جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في بيت الدين في 18 آب الماضي، اتُّخذ قرار يقضي بشراء كميات من القمح كاحتياطي للبنان، بحيث تباع للمطاحن بأسعار تبقي سعر طن الطحين الرسمي عند 480 ألف ليرة، وبذلك لا يتأثر المواطنون بارتفاع الأسعار العالمية الناتجة من حرائق روسيا والفيضانات التي ضربت العديد من الدول الأخرى... وقد اشترت الوزارة كميات من القمح، بلغ سعر الطن في الدفعة الأولى 333 دولاراً، وفي 7 أيلول اشترت الحكومة الدفعة الثانية وهي 25 ألف طن من الولايات المتحدة وبلغ سعر الطن 357.62 دولاراً، شاملاً التكلفة والشحن للتسليم في بيروت بنهاية تشرين الأول المقبل... وخلال هذه الفترة، ارتفع سعر القمح العالمي من 180 دولاراً في تموز الماضي إلى ما بين 300 و320 دولاراً بين منتصف آب ومنتصف أيلول. وعلى هذا الأساس، طلب الصفدي من المطاحن بيع الطحين للأفران بين 23 آب لغاية يوم أول من أمس بـ480 ألف ليرة (320 دولاراً)، واعداً إياهم ببيعهم كمية القمح نفسها التي باعوها للأفران خلال هذه الفترة، على أن يكون سعر الطن 260 دولاراً، وهكذا يكون قد دعم المطاحن بـ60 دولاراً على كل طن من القمح، ومكبّداً الخزينة 85،5 دولاراً على كل طن (الفرق بين سعر الشراء وسعر المبيع).
إلا أن ما حدث خلال هذه الفترة لم يكن كذلك، إذ إن قرار الدعم هذا لم تعلم به الأفران، وبذلك رفعت المطاحن سعر طن الطحين على الأفران إلى ما بين 530 و550 ألف ليرة. ويشير صاحب مطاحن الشهباء، أحمد شبارق، إلى أن الوزير وعد المطاحن بأنه مقابل إبقاء سعر الطحين الرسمي على حاله، وهو 480 ألف ليرة، سيسلّمنا حوالى 17 ألف طن من القمح بسعر 260 دولاراً للطن الواحد، وبذلك يكون قد قدّم نوعاً من الدعم للمطاحن لعدم زيادة سعر الطحين، لافتاً إلى أن المطاحن تشتري القمح حالياً بسعر 325 دولاراً، بعدما كان منذ شهرين تقريباً 180 دولاراً، وخلال هذه الفترة كانت الأفران تتسلّم طن الطحين بـ480 ألف ليرة في أرض المطحنة و500 ألف ليرة واصلاً إلى الفرن. إلا أن رئيس نقابة الأفران كاظم إبراهيم أكد عكس ذلك، لافتاً إلى أن الأفران لم تكن تعلم بوجود دعم للمطاحن، فالتزمت الصمت حيال رفع المطاحن أسعار الطن إلى ما بين 530 و550 ألف ليرة، معتبرة أن هذا الرفع يتزامن مع الارتفاع العالمي للأسعار «ليتبيّن في ما بعد أن المطاحن كانت تبيعنا بسعر مرتفع، وفي المقابل تحصل على دعم حكومي»!

قصة الرغيف النحيف

وفي المحصلة، استطاعت المطاحن أن تحصل بين منتصف آب ومنتصف أيلول على أرباح قياسية، تمثّلت في رفع السعر على الأفران من جهة وحصولها على قمح مدعوم من جهة أخرى... انتهت فترة الدعم، وذلك بالتزامن مع انتهاء جولات الصفدي ولقاءاته مع ممثّلي أصحاب المطاحن والأفران، فكانت الخلاصة بيان أصدره الصفدي يوم السبت الماضي عنوانه «وزير الاقتصاد أبقى السعر المحدد لربطة الخبز»، وفيه حرفياً «صدر عن وزير الاقتصاد والتجارة محمد الصفدي قرار أبقى بموجبه سعر ربطة الخبز 1500 ليرة لبنانية (ألف وخمسمئة ليرة لبنانية) حداً أقصى، وحدّد وزنها بـ1000 غرام (ألف غرام) حداً أدنى.
وأكد الوزير الصفدي أن مراقبي حماية المستهلك لديهم أوامر مشددة بالسهر على تنفيذ مضمون هذا القرار». انتهى البيان، ونظرة الدهشة مرسومة على وجه كل من قرأه، إذ لم يذكر الصفدي في قراره عبارة «خفض زنة الربطة»، لا بل قال إنه «أبقى سعر الربطة عند 1500 ليرة»! فيما الحقيقة تقول إن الصفدي بقراره هذا خفض سعر الربطة من 1120 غراماً إلى 1000 غرام، ما يعني أنه زاد سعر ربطة الخبز 161 ليرة، أي ما نسبته 10،7 في المئة من ثمن الربطة، أي إن العائلة المكوّنة من 5 أشخاص خسرت رغيفاً من ربطتها، وما زالت تدفع الثّمن ذاته!
واستدرك الصفدي في اتصال مع «الأخبار» بعد سؤال «لماذا رفعتم سعر الخبز؟»، بقوله «لقد خفضنا زنة الربطة»! على أيّ حال علّل الصفدي قراره بارتفاع سعر القمح من 170 دولاراً إلى 350 دولاراً بسبب أزمة القمح العالمية، لافتاً إلى أنه اختار القرار الأفضل، لكون دعم القمح شهد ممارسات تخللها الهدر وإساءة الاستعمال، ولم يستفد المواطن بالطريقة الصحيحة، «فاكتشفنا أن مشاريع الدعم تضرّ ولا تفيد»، لافتاً إلى أن «الوزارة لا تأخذ قراراً إلا بعد دراسته، ومشيراً إلى أن دراسات الوزارة تفيد بأن أرباح الأفران هي 10% على الطن والمطاحن بحدود 3% على الطن!

ترحيب من المطاحن... لا الأفران

رحّبت المطاحن طبعاً بهذا القرار، وعدّه شبارق عادلاً. فالمطاحن ستبدأ منذ اليوم بتسليم الأفران طن الطحين بـ650 ألف ليرة (433 دولاراً)، علماً بأنها تشتري طن القمح بـ320 دولاراً. وبحسب هذه المعادلة، فإن المطحنة تتقاضى إيرادات على كل طن من القمح المطحون 113 دولاراً، وبعد حسم الأكلاف، فإن المطاحن تحقق أرباحاً بقيمة لا تقل عن 100 دولار في كل طن قمح، وهذا يتناقض مع ما جاء في دراسات وزارة الاقتصاد، إذا سعى قرار الصفدي إلى المحافظة على أرباح المطاحن المرتفعة، وفي المقابل سيدفع المواطنون 5 آلاف ليرة شهرياً، أي ما يوازي 48 مليون دولار سنوياً (على أساس وجود 800 ألف عائلة في لبنان)، في مقابل إبقاء أرباح المطاحن في مستوى مرتفع! لكنّ شبارق رأى أن هذا الإجراء عادل، إذا ما وضع أمام خيار دعم القمح المستورد، نظراً إلى ما ساد خلال فترة الدعم السابقة من سرقة ونهب وواسطات وتدخلات سياسية!
إلا أن أصحاب الأفران لم يكن لديهم الرأي نفسه، إذ يشير علي إبراهيم (نقابة أصحاب الأفران) إلى أن المطاحن تربح من طحن طن القمح حوالى 100 دولار، فيما مطاحن العراق لا تحصل سوى على 10

الصفدي: دراسات الوزارة تفيد بأن أرباح الأفران هي 10 % على الطن والمطاحن بحدود 3 % على الطن!

المطاحن في لبنان تربح من طحن طن القمح حوالى 100 دولار، فيما سعر طحن طن القمح في العراق 10 دولارات

أو 15 دولاراً على طحن الطن لمصلحة الدولة، وكذلك في معظم دول العالم، لافتاً إلى أن المطاحن تربح المليارات يومياً، وبدلاً من خفض أرباحها، رفعت المطاحن سعر طن الطحين للأفران من 480 ألفاً إلى 650 ألف ليرة. وقال إبراهيم «سيأتي يوم حيث سننفخ الكيس هواءً ونبيعه للمواطنين على أنه خبز!»، وتابع «يجب إنهاء الكذب على الناس. يجب عدم خفض زنة الربطة للقول إننا لم نرفع السعر، فليرتفع السعر، أو فلتتخذ إجراءات أخرى».
أما رياض السيّد (صاحب فرن)، فلفت إلى وجود ملاحظات على قرار الوزير، حيث إن خفض الوزن يؤدي إلى زيادة عدد ربطات الخبز، وبالتالي زيادة الأكلاف الصناعية، وخصوصاً في ما يتعلق بالنايلون، فيما رفع زنة الربطة إلى 1300 غرام مقابل زيادة سعرها إلى ألفي ليرة يعدّ أكثر عدلاً، فيما أشار كاظم إبراهيم (نقابة أصحاب الأفران) إلى وجود مطاحن تسلّم طن القمح بـ680 ألف ليرة لا 650 ألفاً! لافتاً إلى أن خفض زنة الربطة هو قرار سليم، بدلاً من السير مجدداً بقضية الدعم.

مقدمة للبدء مجدداً بالدعم؟

سعادة أصحاب المطاحن في مقابل غضب أصحاب الأفران واستياء المواطنين، مزيح نفسي يعدّ وفق رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن مقدمة للدخول إلى «لعبة» الدعم وهدر المال العام من جديد.
وقد أشار غصن إلى أن قول الوزير إنه «يحافظ على سعر ربطة الخبز هو ضحك وتآمر وغش للمواطنين»، إذ إن خفض الزنة يعني رفع السعر، أي تحرير سعر الربطة، لافتاً إلى أنه كان أجدى بالوزير أن يستدرك ارتفاع أسعار القمح الذي تحدث عنه العالم منذ بدء الفيضانات والحرائق، ليشتري مخزوناً يقي المواطنين شرّ المطاحن والأفران، مشيراً إلى أن أصحاب المطاحن يربحون على كل طن من القمح المطحون بين 70 و100 دولار، حيث إن كلفة الطحن لا تتعدى في معظم الدول 10 دولارات، وأنه كان الأجدى به خفض أرباح كارتيل المطاحن لا زيادة الأعباء على كاهل المواطنين في مادة أساسية كالخبز.
بدوره، رفض رئيس جمعية المستهلك زهير برو رفع سعر ربطة الخبز من دون تأليف لجنة فنية تضمّ ممثّلين عن الأفران والمطاحن ووزارة الاقتصاد وجمعية المستهلك لدراسة أوضاع ربطة الخبز من ناحية المواصفات والوزن وتحديد الحدّ الأقصى للأرباح، لافتاً إلى أن المطاحن كما الأفران تحصل على نسب أرباح عالية جداً، ومشيراً إلى أن صدور القرار بهذه الطريقة هو «مواربة وتحايل على الحقيقة تستحق الإدانة».



60 مليون دولار

هي كلفة دعم القمح خلال سنة وشهرين، عبر دعم 17 ألف طن من القمح شهرياً، منها 4 آلاف طن تفيض عن حاجة صناعة الخبز العربي المدعوم، أي ما كلفته 12 مليون دولار هدرت من المال العام لمصلحة كارتيل المطاحن والأفران.



ليأكل الفقراء قشور القمح!

يؤكد علي إبراهيم (نقابة أصحاب الأفران) أن نوعية الطحين الذي تتسلّمه الأفران سيئ، ولا يحمل الخواص الغذائية التي من المفترض أن تتوافر في الخبز، بل إن السوء وصل الى درجة عالية جداً، ويظهر ذلك من اضطرار الأفران الى زيادة كميات الملح أضعافاً لكي تستطيع خَبز الطحين، أما رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن فيشير الى أن وزارة الاقتصاد لو كانت موجودة بصورة حقيقية لكانت قد أغلقت كل هذه المطاحن لأنها تطعم المواطنين قشور القمح، فاللعب بحياة الناس وصحتهم جريمة تدخل أصحاب المطاحن ووزارة الاقتصاد كلها الى الحبس.


عدد الاثتين ٢٠ أيلول ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق