15‏/10‏/2010

لا خصخصة لضرائب الخلوي

نحاس يعلن الحرب على بائعي الدولة: مخططاتكم لن تمرّ

(بلال جاويش)(بلال جاويش)«نشكر الله أنهم فشلوا ورحلوا وانتهت مع رحيلهم حقبة كانت مظلمة في قطاع الاتصالات في لبنان، وكانت مصدر قلق للبنانيين وللوطن». بهذه الكلمات، اختصر الوزير شربل نحّاس موقفه من محاولات «تيار لبناني معيّن» لفرض خصخصة ضرائب الخلوي على حساب المكلّف اللبناني... فأعلن بوضوح في افتتاح مؤتمر عربكوم 2010 أمس أن ذلك لن يحصل، ولن يبقى المواطن اللبناني رهينة هذا الفساد

رشا أبو زكي
لم يفاجئ وزير الاتصالات شربل نحّاس الكثيرين ممن شاركوا في جلسة افتتاح مؤتمر عربكوم 2010 في «حبتور غراند أوتيل» أمس، فمعظم المعنيين بقطاع الاتصالات، ولا سيما من الشركات الخاصّة، كانوا ينتظرون منه موقفاً واضحاً يزيل بعض الالتباسات التي تركتها الحملات المنظّمة عليه منذ تولّيه مهماته في الوزارة.
حاول الوزير نحّاس أن يوضح الصورة على الشكل الآتي: «قطاع الاتصالات في لبنان معوّق بسبب القيود التي تكبّله، فهو كان ضحية نجاحه وضحية فشل السياسات المالية التي تحكمت بالبلد في خلال فترة طويلة. وللسببين معاً، تحوّل هذا القطاع الى محطّ لطامعين كثر، وتحوّل في الوقت نفسه الى مطرح ضريبي استثنائي، وثاني مورد للخزينة اللبنانية. فانتهى الأمر، بين طمع الطامعين والاقتطاع الضريبي، الى هدر الفرص تباعاً. وبدل أن تتحول الشركات اللبنانية في هذا القطاع الى أدوات قادرة على توسيع خدماتها وتصديرها وعلى الإسهام في تطوير قطاع المعلومات والاتصالات في الدول الشقيقة، جرى تنظيم عَمْدي لهجرة الكفاءات والخبرات التي كانت متراكمة في لبنان... فارتفعت الأسعار وضُيّق على انتشار الخطوط وعلى الاستثمارات، وتوسّعت بنتيجة ارتفاع الأسعار والندرة الناتجة من هذه السياسات، الممارسات الملتوية من سوق سوداء واحتكارات موضعية وأعمال غير شرعية وفسخ عقود اعتباطي...
وكلّ ذلك أدى الى إساءة بالغة للعلاقات مع القطاع الخاص والمؤسسات التجارية والقطاعية الدولية... وتكرّست ضمن القطاع الخاص وضمن القطاع العام ممارسات مرتبكة ومربكة. ويا للأسف لم تتوقف المسألة عند هذا الحد، بل حصل تمادٍ إضافي وخطير، فتطوع البعض، بخلاف المصلحة الوطنية، وبخلاف مصلحة قطاع الاتصالات، ليحاولوا تحويل الاحتكار العام الى احتكار خاص، تحت عنوان خصخصة مزيّفة، وهم أنفسهم، الذين فسخوا عقود التشغيل الخاص، ليطرحوا الخصخصة بوصفها نقلاً لاحتكار مالي. نشكر الله أنهم فشلوا ورحلوا وانتهت مع رحيلهم حقبة كانت مظلمة في قطاع الاتصالات في لبنان، وكانت مصدر قلق للبنانيين وللوطن».
هذه الصورة، يقول نحّاس، لا تقتصر على مفاعيل مرحلة العجز والمراهنات ومحاولات قنص قطاع الاتصالات، بل طاولت مختلف أوجه الحياة العامة وحمّلت البلد إرثاً ثقيلاً جداً ودفعت بالمواطنين وبالبنى المؤسسية للدولة الى مخاطر شديدة.
انطلاقاً من ذلك، أعلن نحّاس أن الخصخصة كما يطرحها «تيار لبناني معيّن» لن تتمّ لأنّها غير سليمة، ولأن البيان الوزاري للحكومة الحالية قال عكسها بوضوح، «لن يحصل بيع جباية الضرائب على حساب المكلّف اللبناني... لن يحصل ذلك أبداً، ولن يبقى المواطن اللبناني رهينة هذا الفساد».
أضاف نحّاس «ارتضينا أن نشارك في تحمّل الإرث والهمّ، ونأمل من الذين بنوا هذا الإرث وأنشأوا هذا الهم أن يرتضوا فينا»!
وكانت كلمة نحاس صارخة في وجه من يحاول تعطيل «التجربة الجديدة»، وهو لم يسمّ رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، إلا أن مضمون الكلمة كان كافياً لفهم أن الرسالة موجّهة إليه، ولا سيما أن نحّاس كان قبل يوم من هذا المؤتمر قد أطلّ على شاشة otv مع الزميلة ماغي فرح ليقول «إن القيّمين على الأوضاع الماليّة، أرادوا، عن سوء نيّة، أن يبقوا نوعية خدمة الخلوي سيئة بهدف تجاري أساسي، يقوم على بيع القطاع بسعر رخيص لتزيد أرباح الشاري، وذلك بعد أن يدخل المواطنون في مرحلة القرف من الخدمة، تمهيداً لإقناعهم بجدوى بيع القطاع... ولكن بكل بساطة هذه اللعبة المكشوفة لن تحصل».
ورأى نحّاس أن التجارب الفاشلة مفيدة لبناء الخبرة، فسوء الإدارة المالية التي حكمت البلد خلال المرحلة الماضية وضعت لبنان في أكثر من مرة على شفير أزمة اقتصاديّة، ولا يمكن اليوم القبول باستمرار هذه التجارب، وعلى الجميع أن يمارسوا مسؤولياتهم في حماية المال العام، وتحديداً في القطاع الذي يُمارسون صلاحياتهم عليه... وهذا ما دفع بالمتضررين الى خوض حروبهم، فمصالحهم تقضي بإبقاء وضعية قطاع الاتصالات سيئة ومرتفعة الكلفة وفاقدة الفاعليّة... وكانوا قد نجحوا في ذلك نتيجة قرار اتخذه فريق سياسي ـــــ اقتصادي يريد أن يواصل جباية الأموال السهلة من جيوب الناس عبر الخلوي ما دام ذلك ممكناً، والآن حان الوقت لكسر هذا القرار، فالبيان الوزاري تطرق الى إعادة هيكلة قطاع الاتصالات وتحريره بما يتلاءم مع القوانين، ولكن بما يعطي الاتصالات دورها الكامل في النمو الاقتصادي، ليس بوصفها مورداً مالياً أو ريعياً، وهذا هو معنى التحرير الذي يفسح المجال لاستثمارات القطاع الخاص على أساس مساهمته في الإنتاج وليس على أساس منطق الريع والضريبة... مشيراً الى أن الضرائب تمثّل ثلثي إيرادات الاتصالات حالياً، ولهذا لا يمكن خصخصة القطاع إلّا إذا جرى الفصل بين الشق التجاري من الإيرادات والشق الضريبي.
والفرصة سانحة راهناً، وفق نحاس، لاستعادة القرار، فقد بدأت الامور تتحرك:

نشكر الله أنهم فشلوا ورحلوا وانتهت مع رحيلهم حقبة كانت مظلمة

- ففي العام الماضي، قام الوزير جبران باسيل بتجربة أثبتت مختبرياً حدود وقصور المقاربة المحاسبية التي كانت سائدة في السابق، بحيث إن إطلاق مبلغ معين من الاستثمارات لتوسيع سعة شبكتي الخلوي وخفض ـــــ ولو محدود ـــــ للأسعار، أديا، في خلال سنة واحدة، الى إبقاء الدخل على المستوى نفسه، وزيادة عدد المشتركين في الهاتف الخلوي بنسبة 80%. فهل من شك في المعاينة؟
- تم تجديد وإعادة صوغ عقود الخلوي مع الشركتين المديرتين للشبكتين اللتين تملكهما الدولة، بهدف تأمين شروط تحفيزية تساعد هاتين الشركتين على أن تؤديا دورهما كقطاع خاص تنافسي، لا الحصول على أجر فحسب.
- تم التوافق في مرحلة تحضير مشروع الموازنة على إرساء علاقات تعاقدية ضمن مؤسسة القطاع الأمّ، أي الوزارة وشكلها الآخر أي أوجيرو، من خلال عقود مفصلة لكل نوع من الخدمات.
- انطلق العمل بمشروع تمديد الألياف البصرية بالتوازي مع وصول الكابل البحري IMEWE الذي سيحرر خدمة تبادل المعلومات على أشكالها، عند المستهلكين وعند الموردين وعند مقدمي خدمات الإنترنت.
- تم في خلال الأيام الأخيرة وبتسارع، إرساء علاقات تعاون وتفاهم واضحة بين وزارة الاتصالات والهيئة المنظمة للاتصالات بحيث تكون الصورة جلية.



65 %

من العائدات الإجمالية للخلوي تمثّل مكوّنات ضريبية وشبه ضريبية، فيما 10% تمثّل خدمات غير مفوترة. ويبقى 25% منها فقط تتصل بالعمل التشغيلي والتجاري... ومن هنا فإن ثلثي مكونات فاتورة الخلوي هي ضريبية يسددها المشترك للدولة فوق الكلفة الفعلية لاستخداماته الهاتفية



ما أجمل أن نقتطع من الخلوي!

أوضح وزير الاتصالات شربل نحاس أنّ السياسات المالية الفاشلة أوصلت البلاد مرّات عدّة الى شفير الأزمة، فتم الإنقاذ في المرّة الأولى بتدخل خارجي في باريس – 2، وتمّ الإنقاذ في المرّة الثانية عبر ارتفاع أسعار النفط حيث صدّرنا الى الخليج أكثر من مليون ونصف مليون شاب وشابّة لكي يحوّلوا لنا الأموال... ففي ظل سياسات كهذه جرى التوصّل إلى خلاصة مفادها: «نقتطع من الخلوي لكي نجبي عائدات. ولهذا أصبح السعر مرتفعاً جداً... وبعدما فعلوا ذلك، عادوا الى محاولاتهم للبيع لكي تتحول هذه العائدات إليهم... هذا جزء من «الإرث السيّئ» الذي تتحمّل البلاد عواقبه حالياً.


عدد الجمعة ١٤ أيار ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق