15‏/10‏/2010

قصّة احتلال محالّ الصاغة!


سوليدير تؤجِّر عقارات باعتها قبل 12 عاماً... وأصحاب الحقوق يقاضونها

من يوقف سوليدر عن مخالفاتها؟ (بلال جاويش)من يوقف سوليدر عن مخالفاتها؟ (بلال جاويش)أصبح الحديث عن مخالفات سوليدير واستسهالها الاستيلاء على أملاك المواطنين، كمن يلوك الكلمات من دون جدوى، فلا أحزاب ولا رؤساء ولا وزراء ولا قضاء يتحرك، وآلة هضم الحقوق مستمرة! وآخر فضائح الشركة ـــ الدولة: تأجير محال ومكاتب في سوق الصاغة سبق أن باعتها في عام 1998 إلى عدد من الصاغة وسددوا 5 في المئة من قيمة كل محل ومكتب!

رشا أبو زكي
إنها أعجوبة القرن الواحد والعشرين التجارية، فشركة سوليدير، لم تكتف بهضم مستحقات أصحاب الحقوق في الوسط التجاري، ولم تتوقف عند الاستيلاء على الأملاك العامة البحرية والبرية، ولا بتوسيع مهماتها بخلاف الدور المفترض أن تقوم به وهو «إعادة إعمار وسط بيروت»... فإذا بها تؤجّر حالياً محال ومكاتب في سوق الصاغة الجديد في وسط بيروت إلى شركات أجنبية، وهي، أي سوليدير، كانت قد باعت المكاتب والمحال نفسها إلى صاغة لبنانيين في عام 1998، وقد دفع هؤلاء 5 في المئة من قيمة هذه المحال بانتظار أن يدفعوا المبلغ الباقي فور استلامهم أملاكهم! لا بل إن المخالفة هذه ترتكب في عز نزاع قضائي يدور بين سوليدير والصاغة المخدوعين، وهذا النزاع تطور في الجلسة الاستجوابية الأخيرة في أيار الماضي إلى حد أن محامي سوليدير أساء إلى القاضي في قاعة المحكمة، ووجّه إليه سيلاً من الاتهامات والإساءات والتجريح... ما دفع الأخير للتنحي عن القضية «صوناً لسمعة القضاء»! فكيف عملت «دولة سوليدير» لاحتلال أملاك المواطنين؟ وكيف استطاعت تأجير عقار مبيع وموضوع إشارة على صحيفته العقارية؟
فلنكتشف ألعاب سوليدير...

عملية البيع... تمّت

باشرت شركة سوليدير في عام 1994 بدراسة مشروع بناء أسواق بيروت، وفيما كانت أسواق بيروت قديماً تتضمن سوقاً مشهورة للصاغة، قررت الشركة إنشاء سوق جديد للصاغة «إحياءً للتراث»... وعلى هذا الأساس، أخرجت سوليدير تجار الذهب من سوق الصاغة القديم مقابل أسعار زهيدة جداً بحيث دفعت 600 دولار للمتر الواحد، على أن يقسّم هذا المبلغ على المستثمر والمالك. وفي عام 1998 أرسلت سوليدير بواسطة مدير المبيعات نعمان عطا الله كتاباً تضمن دعوة للصاغة للتفاوض لشراء المحال والمكاتب في السوق الجديد المنوي إنشاؤه على مساحة عشرة آلاف متر مربع، وقدمت الشركة عرضاً للصاغة وخرائط السوق، كما قدمت طلب شراء فيه تحديد للقياسات مع تسعير للمتر المربع الواحد بين 7.500 و8.500 دولار أميركي، إضافة إلى تسهيلات في الدفع تقوم على دفع 5% من المبلغ الإجمالي كـ«وعد في البيع»، و20% دفعة ثانية بعد عام من توقيع عقد البيع، على أن يُدفع المبلغ الباقي خلال السنوات الأربع اللاحقة. وحُدّدت نهاية عام 1999 لتسليم المحال والمكاتب للصاغة.
وخلال خمسة أيام اشترى الصاغة المساحة كاملة وفق العرض المقدم، ودفعوا إلى شركة سوليدر 5% من قيمة كل وحدة اشتُريت، ويشير رئيس نقابة تجار الذهب والمجوهرات نعيم رزق إلى أنه «كما علمنا أنه في عام 1998 كانت سوليدير بحاجة إلى سيولة لإعادة إعمار السوق، بحيث دعتنا إلى دفع القسط الأول للمباشرة بالعمل». وبعد 9 أشهر توجه الصاغة لدفع القسط الثاني «ففوجئنا بأن سوليدير لا تملك رخصة بناء بسبب وجود مخالفة وطلبت منا كنقابة وكتجار مساعدتها في الحصول على رخصة. على الأثر قمنا بزيارة رئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود ومحافظ بيروت ناصيف قالوش وبقينا خمس سنوات متواصلة نعمل بجهد لحصول الشركة على الرخصة»... وفي عام 2005، قال رئيس مجلس إدارة سوليدير أمام 300 صائغ في معرض للمجوهرات في بيال «مبروك، حصلنا على الرخصة وبعد شهرين سيُفتتح السوق».
الافتتاح لم يتم وفق وعد الشماع، وكان المبرر «العمل لم ينجز بعد». فيما المدير العام لسوليدير منير الدويدي قال في العدد الرقم 9567 من جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 6 شباط 2005 حرفياً إن «جميع المحال معروضة للإيجار إلا تلك الواقعة في سوق الذهب، لأن أصحاب محال المجوهرات يفضلون التملك».
وفي عام 2006 أرسل الشماع للصاغة مديراً اسمه منيب حمود، الذي أبلغ النقابة أنه خلال شهرين سيُسلّم السوق إليهم، ويضيف رزق «ولكننا طالبناه بالعطل والضرر عن 8 سنوات تأخير، وقال حينها إنه سيتم التعويض من خلال إعفائنا من حوالى 25% من إيجارات مواقف السيارات». وبعد فترة وقّع أحد الصاغة واسمه داوود مراد أول اتفاقية لسداد الدفعة الثانية لسوليدير، وحاول عدد من الصاغة أن يقوموا بخطوة مماثلة، فرد ممثلو سوليدير «طوّلوا بالكم لأن السوق لم ينتهِ بعد».

عملية البيع... أُلغيَت!

المماطلة استمرت حتى عام 2009، حين أرسلت سوليدير كتاباً عن طريق الكاتب العدل إلى الصاغة تقول فيه إن سوليدير لا تريد بيع المحال والمكاتب، وطلبت من الصاغة أن يتسلّموا المبالغ التي دفعوها إلى سوليدير منذ 11 سنة! وهنا يقول نعيم «لا عاقل ولا مجنون يقبل بهذا الموضوع، فقد عمّروا السوق بأموالنا واستعملوا أسماءنا كتجار للقول إن السوق بيعت، وساعدنا سوليدير للحصول على رخصة بناء، وانتظرنا هذه المماطلة، ووعدنا بالتعويض، وبعدها يريدوننا أن نرضى بأن تسحب منّا وحدات اشتريناها»... وبعد استلام الكتاب، زارت نقابة الصاغة رئيس الجمهورية ميشال سليمان وقدموا له الملف كاملاً، فألّف لجنة من القصر الجمهوري وقال إنه سيعالج الموضوع شخصياً وتمنى على الصاغة عدم التحرك حفاظاً على موسم الاصطياف، وكذلك فعل رئيس مجلس النواب نبيه بري.
فشلت المحاولات، فرفع الصاغة دعوى قضائية ضد سوليدير، «وخلال شهر استطعنا وضع إشارة على الصحيفة العقارية واتصلوا بنا من محكمة بداية بيروت للاستماع إلينا وإلى سوليدير. وفيما شرحنا كل معطيات القضية، فإن محامي سوليدير كانت أجوبته دائماً على أسئلة رئيس المحكمة هي: «لا جواب».
أعطى رئيس المحكمة القاضي محمود مكيه مهلة 15 يوماً للرد، ومن ثم عقدت الجلسة الثانية وبقيت أجوبة سوليدير كما في المرة السابقة. ويشير رزق إلى أنه في أيار الماضي وبعد صدور قرار إعدادي استدعت المحكمة كلاً من ناصر الشماع ونائبه ماهر بيضون والمدراء منير دويدي ومنيب حمود ونعمان عطا الله، ولم يأت إلى المحكمة سوى عطا الله والدويدي. وكان حاضراً حوالى مئة صائغ. وبعد طرح الأسئلة على عطا الله أقر بأنه قد بيعت المحال والمكاتب للصاغة، وأن الصاغة ساعدوا سوليدير في الحصول على رخصة بناء، وأشار إلى أن التقصير كان من سوليدير في عدم إتمام عملية البيع. كما وجه رئيس المحكمة إلى دويدي سؤالاً عما قاله في جريدة «الشرق الأوسط»، فأجاب: «نسيت».

سوليدر تهين القضاء!

محامي سوليدير اساء الى القاضي في قاعة المحكمة، ووجّه اليه سيلاً من الاتهامات والاساءات والتجريح

الصاغة ساعدوا سوليدير في الحصول على رخصة بناء

أما الأسوأ، فهو ما حصل في نهاية الجلسة، حين وقف محامي سوليدير سامي نحاس وقال لرئيس المحكمة: «كنا نتمنى لو نكون من تجار الماس والذهب لكان رئيس المحكمة قد استجاب لطلباتي وتجاوب مع طروحاتي ووافق على طرح أسئلتي ولو كانت غير منتجة أو مرتبطة بالنزاع»! فيما كان نحاس نفسه قد طلب نقل الدعوى من محكمة الاستئناف في بيروت، وقد رُدّ الطلب... وعلى الأثر طلب مكيه في كتاب وجهه إلى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف في بيروت بتاريخ 31 أيار 2010 أن يتنحى عن النظر في ملف الدعوى بسبب «التمادي في التجريح والإساءة وقد لا يكون هذا نهاية المطاف...» كما أعاد تنحيه لـ«الحفاظ على سمعة ومكانة وهيبة القضاء، وحيث أنني أستشعر الحرج في متابعة النظر في هذه الدعوى».

شقير: انسوا محالكم!

وامبراطورية سوليدير لم توقف ضغوطها، فما عرضته من أسعار لقاء المتر المربع الواحد في عام 1998، قد ارتفع أضعافاً، والفارق ثروة حقيقية! ولتأمين الحلول تدخل رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل محمد شقير، بتكليف من سوليدير، للوساطة مع الصاغة، وفيما من المفترض أن يكون شقير إلى جانب الصناعة اللبنانية نظراً للمنصب الذي يمثّله، فإذا به يقول للصاغة خلال اجتماعه بهم حرفياً: «انسوا المحال، هم يريدون التعويض عليكم فقط»، فجاءت الردود أن «هذه المحال للصاغة ولن يتنازلوا عنها وسنقوم بتحركات لوقف مخالفات سوليدير بحقنا»، فإذا بشقير يرد بأنه «لا يمكنكم القيام بتحركات لأن سعر المتر المربع سيهوي إلى ما دون الدولار»! فكانت الردود الرافضة، عندها قال شقير «إنه عرض سوليدير وأنا وسيط»!
وفي ظل استمرار النزاع القضائي على المحال والمكاتب في سوق الصاغة، اكتشف الصاغة منذ أيام أن سوليدير حسمت القضية لمصلحتها، واحتلت المحال، لتؤجّرها! لا بل إن المستأجرين، في السوق الذي بني «لإحياء تراث صناعة المجوهرات في لبنان»، هم شركات مجوهرات أجنبية! وهنا، يقول رزق إنه «إضافة إلى المخالفة القانونية الواضحة، فإن تأجير شركات أجنبية في سوقنا يعتبر خطيراً جداً على الاقتصاد والصناعة اللبنانية. إذ إن دورنا ودور السوق كان إحياء التراث لا ضرب تراث صياغة المجوهرات بالإنتاج الأجنبي.



120 جوهرجي

هو عدد المؤسسات التي سددت الدفعة الأولى لشراء المكاتب والمحال في سوق الصاغة، ويملك هذه المؤسسات حوالى 76 صائغاً غالبيتهم من أبرز الصاغة في العالم العربي، ويشير دويدي إلى أنه تمت المصالحة بين سوليدير و33 جوهرياً عبر دفع تعويضات لهم، فيما استمر 43 آخرون في الدعوى القضائية.



تحذير إلى مستأجري المحال

قال رئيس نقابة تجار الذهب والمجوهرات نعيم رزق (الصورة) «نحذّر كل شخص يتقدم لاستئجار أو استثمار أيّ من محالنا، لأن وجوده هو احتلال». وناشد رزق الرئيس ميشال سليمان التحرك «لأننا سنبدأ بالعمل على الأرض وسنباشر تحركاتنا، وندعو القضاء إلى تعجيل البت بهذه القضية لأننا لن نسمح بأن يستمر هذا الموضوع 11 سنة إضافية، وسنخرج بمؤتمر صحافي قريباً نعلن خلاله شكل التحرك وتوقيته. وفي حال عدم التجاوب سنمارس حقنا القانوني لأن للصبر حدوداً». ودعا الرؤساء الثلاثة ووزير العدل إلى اعتبار ملف سوق الصاغة بمثابة إخبار، يستدعي التحرك العاجل.


عدد الاثنين ٢ آب ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق