15‏/10‏/2010

تحويل بيروت إلى «سوليدير» كبرى


المستأجرون القدامى يرفضون مشروع قانون تحرير الإيجارات

الحكومات اللبنانية المتعاقبة نفضت يدها من جميع الحلول الاجتماعية والسكنية (بلال جاويش)الحكومات اللبنانية المتعاقبة نفضت يدها من جميع الحلول الاجتماعية والسكنية (بلال جاويش)لا تزال لجنة الإدارة والعدل النيابية تدور في محلّها بحثاً عن طريقة لإمرار مشروع قانون يحرر عقود الإيجارات القديمة... يعلم أعضاء هذه اللجنة أنهم يعبثون بحياة عشرات آلاف الأُسر غير القادرة على ضمان ديمومة سكنها في ظل الانفصام التام بين بدلات الإيجار ومستوى المداخيل المحلية، إلا أن هناك من يضغط بقوّة لتهجير هذه الأُسر وتشريدها لكي تتاح له مساحات عقارية إضافية في بيروت للمضاربة عليها

رشا أبو زكي
تعتذر عن انفعالها، بعدما شعرت بأنها تمثّل حالة شاذة بين حشد من المستأجرين القدامى، سمعتهم طويلاً ومن ثم انتفضت لتقول: «أنا أملك منزلاً ورثته عن أبي، إلا أن عائلة تسكنه منذ 60 عاماً، وتورثه إلى أبنائها، أما أنا وعائلتي فنعاني من دفع إيجار للمنزل الذي نسكنه وقد وصل هذا العام إلى 600 دولار... لا يتعدى دخل عائلتي مليوني ليرة شهرياً، في حين أن من يسكن منزلي هم من أثرياء بيروت، هل تجدون معادلة كهذه عادلة أم ظالمة؟»، تلتفت الرؤوس إلى الصحافية التي لم تستطع كبت معاناتها الشخصية، ويبدأ المستأجرون القدامى بالهمهمة، فالمعادلة صعبة حقاً، والمالكة هذه من فئة ذوي الدخل المحدود نفسها التي تحاول لجنة المستأجرين القدامى الدفاع عنها. لا بل من هنا تبرز القضية، فالحكومات اللبنانية المتعاقبة نفضت يدها من جميع الحلول الاجتماعية والسكنية التي من المفترض أن تصوغها لتنظيم قطاع السكن في لبنان. لم تعمد خلال السنوات الماضية إلى إقرار أي خطة للإنماء المتوازن واللامركزية الإدارية والاقتصادية، ما أدى إلى انعدام فرص العمل في الأرياف وسيل لا ينقطع من الهجرة نحو الخارج ونحو المدن الرئيسية وضواحيها، وخاصة بيروت، لا بل تقلص عدد الشقق المعدة للإيجار، بسبب توجه شركات الاستثمار في قطاع البناء وكبار تجار العقارات نحو الشقق المعدة للبيع، إلى جانب الارتفاعات المتكررة في أسعارها، الأمر الذي بات معه ذوو المداخيل المتوسطة والمحدودة عاجزين عن استئجار مسكن، فضلاً عن أنهم عاجزون عن الشراء أصلاً، لأن القروض المتاحة تفوق قدراتهم على سدادها.
وأحجمت الحكومات المتعاقبة منذ عام 1992، عن إقرار أي خطة لمعالجة أزمة السكن والحد منها، واستمرت في تلزيم سوق السكن للقطاع الخاص وفق مصالحه وشروطه، جاعلة من قطاع العقارات في لبنان مقصداً «سياحياً» أو مرتعاً للمضاربات، إذ لا ضريبة تفرض على الربح العقاري، ولا متابعة تذكر لوضع السكان وخصوصاً في بيروت، فكان الحل: وضع المالكين في مواجهة المستأجرين القدامى، والمحرك الدائم للخلاف: مشروع إيجارات جديد لا تزال ألسنة رؤساء لجان الإدارة والعدل تلوكه منذ سنوات طويلة، ولم تستطع أن تتوصل إلى صيغة توفق ما بين مستأجرين قدامى فقراء بمعظمهم، ومالكين يضمون عدداً لا بأس به من الفقراء أيضاً، لا يتقاضون لقاء إيجار مسكنهم سوى القليل من المال!

طمأنات... ووعود

يشير عضو اللجنة إيلي عون إلى أن ما تناقشه اللجنة ليس سوى أفكار حتى الآن، وهي تشمل تقديم الحوافز للمستأجرين قبل عام 1992. ويلفت إلى أن النقاشات تتركز على نوع الحوافز والتقديمات، لافتاً إلى أن الاتفاق حتى الآن يشمل تحرير الإيجارات خلال 6 سنوات، ويحق بعدها للمالك استرجاع المأجور، كذلك يحق للمستأجر تمديد إيجاره 3 سنوات إضافية، مع تقديم تعويضات للمستأجرين في حال إخلائهم المأجور، ويؤكد أن مشروع القانون سيتضمن فقرات عن الإيجار التملكي، بما يوفر ضمانات للمستأجرين القدامى، وخصوصاً أصحاب الدخل المحدود.
ويقول رئيس لجنة الإدارة والعدل روبير غانم إنه «لا أحد في لجنة الإدارة والعدل يريد تهجير 150 ألف مستأجر ووضعهم في الشارع»، لافتاً إلى أن مشروع القانون لا يزال في صيغته الأولية، لا بل «سيأخذ بعض الوقت وسيصدر خلال الشهرين المقبلين». ويشرح غانم أن المشروع سيصدر متكاملاً مع أمور عدة، منها الإيجار التملكي، ومنها حوافز لإنشاء أبنية لذوي الدخل المحدود، أبنية يكون معدلها 90 متراً، إضافة إلى إنشاء صندوق تعاضد لمساعدة الذين ليس بإمكانهم الاقتراض.

بين المستأجر والمالك

إلا أن عضو لجنة المستأجرين قاسم المصري يشرح أن هذه الحلول فارغة ويطلقها مشترعون ملّاك أو أثرياء لا يشعرون بالمستأجرين ومعاناتهم، لافتاً إلى أن أعمار المستأجرين القدامى تزيد على العمر المسموح به للحصول على قروض للسكن، وبالتالي فإن ما تعرضه لجنة الإدارة والعدل لن يفيد سوى قلة من المستأجرين. ويشرح المستأجر عمر العيد أنه لا يمكن فتح حوار مع الدولة إلا بعد سحب قانون «روبير غانم»، لافتاً إلى أنه حتى الآن لا يعرف المواطنون ماهية النصوص التي تناقشها اللجنة وفحواها!
وتفيد الإحصاءات بوجود 200 ألف مستأجر في بيروت وضواحيها، وتؤكد لجنة الدفاع عن المستأجرين القدامى أن من بين هؤلاء 175 ألف مستأجر من ذوي الدخل المحدود والفقراء، وتشير اللجنة إلى أن إقرار الحكومة في تموز من عام 1992 قانون التعاقد الحر للإيجارات الجديدة مكّن المالك من استغلال حاجة المستأجر وعرض

لجنة الإدارة والعدل تسير وفق توجهات اقتصادية لا تخدم مصالح صغار المالكين

البدلات الباهظة عند بدء الإيجار وفرض الزيادات التعجيزية عند التمديد بدون أي ضوابط تحدد نسب الزيادات. ويقول عضو اللجنة كاسترو عبد الله إن لجان المستأجرين طالبت مراراً وتكراراً بإقرار قانون جديد ينظم قطاع السكن ويحقق التوازن بين العرض والطلب في سوق الإيجارات ويوازن بين إمكانات ذوي المداخيل المحدودة والمتوسطة وبدلات الشقق المعروضة للإيجار، لافتاً إلى أن لجنة الإدارة والعدل تسير وفق توجهات اقتصادية لا تخدم مصالح صغار المالكين، بل مصالح شركات المقاولات الكبرى والشركات العقارية والمصارف، وتستهدف تحويل بيروت وضواحيها إلى ما يشبه شركة سوليدير كبرى، وتؤدي إلى تهجير عائلات المستأجرين وتستكمل عملية الفرز الطائفي والطبقي...
وإن كان المستأجرون يطالبون بتحديد جدول مهل تحرير العقود بين 7 و9 سنوات، فإن المالكون القدامى يرفضون ما تبحثه لجنة الإدارة والعدل في موضوع تحرير عقود الإيجارات خلال 6 سنوات، مطالبين بأن لا تتعدى مهلة تحرير المأجور ثلاث سنوات، لا بل يعلنون رفضهم التعويض على المستأجر، لكون المالكين قد حُرموا بدلات الإيجارات العادلة سنوات طويلة، سائلين: «من يعوضنا خسارتنا منازلنا التي كان يشغلها المستأجرون ببدلات رمزية أكثر من ربع قرن؟»، داعين الحكومة إلى دفع التعويضات إلى المستأجرين، لأنها المسؤولة عن هذا الوضع، لا المالكون القدامى.



35%

هي النسبة التي يطالب بها المستأجرون في تحديد تعويض الإخلاء من قيمةالمأجور، داعين إلى إشراك المؤجر والمستأجر في لجنة تخمين المأجور، عبر تسمية خبير من كل منهما.



مؤتمر عام للمستأجرين

دعت لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين إلى عقد مؤتمر وطني عام يقرر المستأجرون خلاله وعبر لجانهم والهيئات الداعمة لهم خطة الدفاع عن حقهم في السكن وحماية مصادر رزقهم، وذلك الساعة الرابعة والنصف من نهار الخميس الواقع فيه 24 حزيران 2010 في قاعة قصر الأونيسكو ـــــ بيروت . كذلك دعت المستأجرين إلى تنظيم لجانهم ومناقشة المخاطر المحدقة بعائلاتهم وإصدار التوصيات ورفعها إلى المؤتمر العام، إلى جانب مطالب الهيئات والاتحادات النقابية والديموقراطية والاجتماعية والثقافية والنسائية والشبابية والأحزاب السياسية.


عدد الاثنين ٧ حزيران ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق