15‏/10‏/2010

الهدر المستتر في الموازنة!



مكافآت ترتفع 400%... واعتمادات مشفّرة تشبه الفوازير
رئاسة مجلس الوزراء ستنفق 500 مليون ليرة «أعياد وتمثيل» (هيثم الموسوي)رئاسة مجلس الوزراء ستنفق 500 مليون ليرة «أعياد وتمثيل» (هيثم الموسوي)نظرياً، ترسل كل وزارة موازنتها إلى وزارة المال وفيها تفاصيل بنود الإنفاق لإدراجها في مشروع الموازنة. لكن أن تصبح هذه التفاصيل بحاجة إلى معاجم، فتلك ظاهرة تستحق الدراسة، وأن تتضمن البنود في وزارة واحدة مليارات الليرات تحت عنوان: «مكافآت»، «بدل أتعاب»، «تعويضات مختلفة»... فتلك إشارة فاقعة إلى حجم الفساد والتنفيعات وانهيار النظام العام!

رشا أبو زكي
الموازنة كلها مضحكة، يقول أحد المتابعين، ابتسامة تعقبها «خبطة» على الطاولة، «هل معقول أن تتخطى معظم الوزارات القانون وتنفق على أساس موازنة 2010 قبل أن تقر هذه الموازنة؟». معقول طبعاً، ففي بلد أنفق أكثر من 37.5 مليار دولار بين 2006 و2009، من دون تقديم أي توضيح تفصيلي للرأي العام ليعرف المواطنون إلى أين تذهب ضرائبهم المرهقة، ومن دون تقديم تقرير جدي إلى مجلس النواب لينجز قطع حساب مهني وقانوني، يصبح كل شيء معقولاً. وغرائب موازنات الوزارات... عجائب، من رأس الهرم، أي مجلس الوزراء، وصولاً إلى الوزارات الأخرى. فمن يتوقع أن تقول وزارة التربية مثلاً أنها تريد أن تنفق 16.5 مليار ليرة على برنامج «للحدّ من التسرب»... هذا ما ورد حرفياً في موازنة وزارة من المفترض أن تعلّم أطفال لبنان صياغة العبارات... فعلى ماذا تريد أن تنفق الوزارة؟ تسرّب المياه مثلاً؟ لا بل ما هو هذا المشروع؟ كيف يمكن أن تحدّ وزارة تربية التسرب من المدارس بـ11 مليون دولار؟ وهي نفسها قد ألغت في موازنة 2010 بنداً كان معتمداً في موازنة 2005 يشير إلى تقديم مساعدة للتلاميذ على كل يوم حضور فعلي هو 750 ليرة في الابتدائي و1000 ليرة في المتوسط. وقد رصد في مشروع موازنة 2009 لهذا البند 30 مليار ليرة... فلم ألغي هذا النص؟

واه تربية

فقد كانت موازنة وزارة التربية في عام 2005 نحو 877.7 مليار ليرة، وارتفعت إلى 1293 مليار ليرة في موازنة 2010، أي بزيادة قدرها 417.6 مليار ليرة، وبنسبة 47.4%. أما في المقارنة بمشروع موازنة 2009، فقد ارتفعت موازنة التربية 252 مليار ليرة تقريباً... أما رواتب موظفي الوزارة، فهي تمثّل الجزء الأكبر من موازنة الوزارة، أي 303 مليارات ليرة في 2005، و374 مليار ليرة في 2010. أما معظم الأموال الباقية فتصرف على سبيل المثال كالآتي: «نحو 850 مليون ليرة في 2010 (كانت 500 مليون ليرة في موازنة 2005) تصرف من مديرية التعليم المهني والتقني على: مساهمات داخل القطاع العام. وهناك مليار و480 مليون ليرة (كانت 850 مليون ليرة في 2005) تُصرف كمساهمة في هيئات لا تتوخى الربح! فمن هو القطاع العام الذي تصرف عليه الوزارة؟ لا بل كيف تحصل هيئات «لا تتوخى» الربح على مليار ونصف مليار ليرة؟ ولماذا؟ ووفقاً لأي أهداف تتوخاها الوزارة؟ وتأتي قضية صرف 13 مليار ليرة لتدريس «مواد إجرائية»، كإضافة نوعية إلى عجيبة «برنامج التسرب»، فمن جهة لا أحد في لجنة المال والموازنة يعلم ماذا تعني عبارة «مواد إجرائية»، ليس بسبب الجهل اللغوي أو التقني، بل بسبب غياب أي تفصيل يعرّف النواب بنوعية هذا البند وأهدافه وجدواه. فالمواد الإجرائية تعني تدريس مواد تكنولوجية وفنون وموسيقى، وهذا أمر جيّد. لكن ما معنى الحفاظ على الاعتماد في المشروع، وعام 2010 الدراسي انتهى أصلاً ولم يتمتع أي طالب في أي مدرسة رسمية بـ«بيانو» أو على الأقل«دربكّة»!
فضلاً عن ذلك، في الموازنة تحويلات إلى مجلس الإنماء والإعمار، إذ إن الوزارة خصصت للمجلس 67 مليار ليرة لصيانة المدينة الجامعية وتشغيلها، إضافة إلى مليارين و340 مليون ليرة كأعمال نظافة وصيانة وتشغيل لمبنى وزارة التعليم العالي... وكلاهما لزّما لشركتين خاصتين من دون إجراء أي مناقصة شفّافة، ومن دون خلق جهاز داخل الوزارة للقيام بأعمال كهذه! ويأتي الدور إلى المساهمة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بما قيمته 930 مليون ليرة لبرنامج دعم القدرات الإدارية والمعلوماتية... ولهذا الموضوع حديث آخر سيجري التطرّق إليه في تقرير لاحق.

مكافآت ترتفع 400%

كيف تحصل هيئات «لا تتوخى» الربح على مليار ونصف مليار ليرة؟ ولماذا؟

مما لا شك فيه، أن وزارة المهجرين «رواية»، إذ إن موازنتها في عام 2010 بلغت 7.6 مليارات ليرة، بعدما كانت في عام 2005 نحو 5.6 مليارات ليرة، وبارتفاع عن مشروع موازنة عام 2009 قيمته 6.3 مليارات ليرة... فمثلاً، تصرف الوزارة على شيء اسمه «أعمال إضافية» 450 مليون ليرة (كانت 250 مليون ليرة في موازنة عام 2005)، وتصرف 750 مليون ليرة كمساهمة لـ«هيئات ومنظمات لا تتوخى الربح»، وتصرف 250 مليون ليرة كمكافآت (كانت 200 مليون ليرة في 2005). أما الإنفاق الأكثر «وضوحاً»، فهو صرف نصف مليار ليرة عداً ونقداً كـ«عطاءات لجهات خاصة»! (كان المبلغ 250 مليون ليرة في موازنة 2005). أربعة بنود مشفّرة، تستهلك من موازنة الوزارة أكثر من ملياري ليرة من أصل 7 مليارات!
وللمكافآت حصة مميزة جداً من موازنة وزارة المال. فقد ارتفعت نسبتها بين عامي 2005 و2010 تحديداً 400 في المئة، بحيث كانت 400 مليون ليرة في موازنة عام 2005 لتصبح في مشروع موازنة 2010 نحو ملياري ليرة! وفي عهد المكننة، وصرف مليارات الليرات على برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ورد في مشروع موازنة 2010 أن الوزارة تريد أن تنفق 3.5 مليارات ليرة على المطبوعات (كانت 2.5 مليار في عام 2005). أما كلفة «بدل الأتعاب» (غير محددة الوجهة)، فهي 5.3 مليارات ليرة، بعدما كانت 2 مليار ليرة في موازنة 2005. ويأتي بند «تعويضات عن أعمال إضافية» (غير معروف نوعها) بمبلغ 4 مليارات ليرة! (وقد كانت ملياراً و200 مليون ليرة في موازنة 2005). أما «الأجمل» فهو إنفاق 6.5 مليارات ليرة على أمور أطلقت عليها الوزارة لقب «تعويضات مختلفة»! لتصبح حصيلة ما تنفقه الوزارة على أشياء غير مفهومة أبداً أكثر من 21 مليار ليرة، في مقابل إنفاق 1.5 مليار ليرة على إيجارات المكاتب وصيانتها.

مجلس الوزراء «يا عين»!

من يستطيع أن يتخيّل أن رئاسة مجلس الوزراء وضعت في موازنة 2010 رقم 500 مليون ليرة لـ«الأعياد والتمثيل»، و400 مليون ليرة لما سمي «علاقات عامة أخرى»؟ أما المكافآت فبلغت 160 مليون ليرة، وتأتي القرطاسية والكتب والصحف بـ62 مليون ليرة، ومن ثم...«لوازم مكتبية» أخرى بـ15 مليون ليرة. ورغم كل ذلك، أضيفت نفقات مقدرة على المطبوعات بملياري ليرة! ويضاف إلى ذلك ملابس بـ100 مليون ليرة، ونفقات تغذية بـ300 مليون ليرة بعدما كانت 100 مليون ليرة في موازنة عام 2005، و«بدلات أتعاب» 200 مليون ليرة، ونفقات خدمة وتنظيفات 900 مليون ليرة! أما لماذا تنفق رئاسة مجلس الوزراء ملياري ليرة على مشروع أليسار المتوقف، فهو أحجية كأحاجٍ كثيرة من هذا النوع، منها استمرار الإنفاق على إدارات ومؤسسات متوقّفة منذ زمن بعيد، كمصلحة السكك الحديد مثلاً، أو مصافي النفط في طرابلس والزهراني.



276 مليار ليرة

هي الزيادة الحاصلة على موازنة وزارة المال في مشروع موازنة عام 2010، بحيث ارتفعت في النفقات الاستثمارية وحدها 259 مليار ليرة، وإضافةً إلى ذلك تبلغ تقديرات إنفاق الوزارة على أبنية الوزارة 9 مليارات ليرة، و150 مليار ليرة لسداد ديون الاستملاكات.



الموازنات المعلّقة

يؤكّد رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان (الصورة) أن موازنات الوزارات تتضمن العديد من البنود غير المنطقية وغير المفهومة، ويشير الى أنه علّق الموافقة على الكثير من البنود في جميع الوزارات، وخصوصاً في ما يتعلق بالمكافآت، وعلى البنود التي تشير الى المساهمة في القطاع العام وفي الجمعيات والمنظمات التي لا تتوخى الربح، لافتاً الى أنه طلب من الوزارات أن تقدم شروحاً عن هذه المواضيع، وتعليلات بشأن اختيار هذه الجمعية لا تلك. ويلفت الى أن معظم الوزارات (باستثناء وزارة الاتصالات ووزارات قليلة أخرى) صرفت على أساس موازنة 2010 قبل إقرارها، وهذا يعدّ مخالفة قانونية.


عدد الخميس ١٦ أيلول ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق