15‏/10‏/2010

استغلال معاناة الكهرباء



انقطاع تام في بعض المناطق... وأصحاب المولدات يرفعون التعرفة

خلال إحدى التحركات من أجل الكهرباء (أرشيف ــ هيثم الموسوي)خلال إحدى التحركات من أجل الكهرباء (أرشيف ــ هيثم الموسوي)لطالما كانت مأساة اللبنانيين أداة لدى معظم القوى السياسية، إذ تُستغَل لتصويب الأهداف إلى مرمى «الأعداء». إلا أن المدهش في هذا الإطار، هو أن كل قوة تستطيع تجيير هذه المأساة لمصلحتها، فيصبح في النتيجة الجميع متهمين... هذا ما يحدث الآن في أزمة الكهرباء، المواطنون يموتون «شَوباً» والسياسيون يتناحرون

رشا أبو زكي
لنفترض أن الاعتراضات على الحالة المزرية للكهرباء ذات خلفية سياسية، إلا أنه لا أحد يمكنه تغليف واقع حال الأُسر وتجميله وتسييسه، في ظل العتمة المطبقة والحر الشديد ليلاً ونهاراً، الذي يُعَدّ مأساوياً فعلاً. ففي منطقة الخندق الغميق مثلاً، يعيش المواطنون منذ السبت الماضي في حضرة الظلام المطبق، وفقراء المنطقة الذين جهزوا «مونة رمضان» في بداية الشهر، كانوا أكثر المتضررين من تلف هذه «المونة» بسبب انقطاع الكهرباء، وقد دفع الحر الشديد ليل أول من أمس الأسر والشبان في هذه المنطقة ومحيطها إلى الشارع، ملتزمين الصورة النمطية للاعتراضات: إحراق إطارات ومناوشات مع القوى الأمنية. والحالة هذه تنطبق على عدد كبير من القرى والبلدات خارج بيروت، التي عادت إلى الشمعة، وإلى السهر في الشارع لعل الهواء الحار أقل مرارة من حر المنازل وعتمتها!... وإن كان انقطاع الكهرباء نقمة في معظم المناطق، إلا أن المواطنين في بعض أحياء الضاحية الجنوبية، وخاصة في منطقة السان تيريز، يتمنون لو أنها لا تأتي! فقد شهد أبناء هذه المنطقة يوم أمس كارثة حقيقية، بعدما جاءت الكهرباء بقوة 60 فولت لتحرق الأدوات الكهربائية في عدد كبير من المنازل!

معاناة تتحول محور نزاع!

ومعاناة اللبنانيين كالعادة تحولت إلى حربة بيد السياسيين، وكل فريق وظّف «العتمة» وفق مصالحه الخاصة! وكالعادة أيضاً، اختلط «الحابل بالنابل»، فاصطفّ كل من تيار المستقبل والتيار العوني جنباً إلى جنب في موضوع «تسييس التحركات»، الأول للدفاع عن رئيس الحكومة سعد الحريري، والثاني للدفاع عن وزير الطاقة جبران باسيل! وتيار المستقبل ربط أزمة الكهرباء بإقرار الموازنة، وذلك للضغط على لجنة المال والموازنة للإسراع في إقرار موازنة تحمل وزناً ثقيلاً من المخالفات! وإذا برئيس لجنة الطاقة النيابية النائب محمد قباني يضع العتمة التي تسيطر على بيوت اللبنانيين في إطار الدفاع عن سياسات الرئيس رفيق الحريري الكهربائية، مختصراً حقبة الأخير بعامي 1997 و1998، حيث «وصلت التغذية إلى قمتها 24/24»! ورأى قباني أن «الضغط على رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري بمعظمه ليس في موضوع الخدمات، بل في السياسة»، لافتاً إلى أن «التحركات التي تحصل باسم الكهرباء تثير سؤالاً عمّا إذا كانت كلها عفوية أو أن لها خلفية سياسية»!
أما موقف التيار العوني، فجاء على لسان عضو تكتل «التغيير والإصلاح» النائب آلان عون، الذي رأى أن «التيار الوطني الحر اعتاد التعرض لإطلاق نار في كل ملف»، قائلاً إنّ هناك تضخيماً في «الاحتجاجات على الكهرباء ومحاولات لتوظيفها سياسياً، وبالتالي لا عصا سحرية لمعالجة الموضوع، بل هناك مسار».
وإطلاق النار الذي يتحدث عنه عون منبعه حركة أمل. فقد توجه عضو كتلة التنمية والتحرير النائب قاسم هاشم في حديثه أمس مباشرة إلى باسيل، قائلاً: «تمنينا على أهلنا في قضاءي حاصبيا ومرجعيون التمهل في عدم القيام بأي تحرك سلبي لإعطاء الوزارة فرصة لاعتماد العدالة في توزيع التيار، لكن المعنيين ظنوا أن التمهل يعني الضعف، لذلك لا بد من مطالبة وزير الطاقة بالاطلاع على الحقيقة في كل ما يجري، وتصحيح الخلل والتزام التوزيع العادل للتيار بين مختلف المناطق... وإلا فإننا سنحرض أهلنا على رفع الصوت واتباع كل الأساليب المتاحة لنيل حقوقهم»!
أما حزب الله، فرأى أن التحركات غير مسيسة، وهي تلفّ جميع المناطق. وأبعد النائب علي عمار بعد لقاء جمع وفداً من حزب الله بوزير الطاقة والمياه جبران باسيل، السهام عن باسيل ليوجهها إلى الحكومة، وقال إنه «مع احترامنا للمراسيم الحكومية، إلا أن التمييز بين المناطق في ساعات التغذية هو مخالفة دستورية، لأن من المفترض أن يكون المواطنون سواسية في الحقوق والواجبات»، ناقلاً عن المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان أن نسبة الجباية في الضاحية هي أعلى نسبة في لبنان على الإطلاق وقد وصلت إلى 93%.
أما وزير الأشغال العامة غازي العريضي فرأى أن أزمة الكهرباء هي فضيحة تاريخية، داعياً إلى إقرار الموازنة، ومن ثم تنفيذ خطة الكهرباء وفق المراحل التي أدرجت فيها. ودعا إلى استئجار محطات كهربائية، وإن موقتاً، «وليتحمل الجميع المسؤولية والكلفة».

الاحتجاجات مستمرة

الخندق الغميق والملا في عتمة مطلقة... والبقاع يحرق الإطارات

وهكذا، بعد التحركات الاحتجاجية وقطع الطرقات التي امتدت إلى جميع الأراضي اللبنانية، بسبب التقنين القاسي للكهرباء، وخصوصاً في الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع والشمال، أشعل أهالي عدد من المناطق أول من أمس الإطارات في الخندق الغميق والملا تحديداً، لتمتد التحركات إلى طريق صيدا القديمة. وحصلت مواجهات بين الشبّان والقوى الأمنية، فيما رفعت شعارات ومطالب بإعادة التيار الكهربائي إلى المنطقة. وقد أشار عدد من الشبان إلى أن مؤسسة الكهرباء تتذرع منذ السبت الماضي باحتراق محول الكهرباء في الخندق الغميق، إلا أنها حتى اليوم لم تُصلح العطل! كذلك، قطع عدد من الشبان إحدى الطرقات الرئيسية في حي الشيخ حبيب في بعلبك احتجاجاً على الانقطاع شبه الدائم للتيار الكهربائي. وطالب المحتجون بتوزيع التيار داخل المدينة بعدل، مهددين بتوسيع دائرة قطع الطرقات، وصولاً إلى باحة القلعة الأثرية. وقد فتح عناصر قوى الأمن الداخلي الطريق بعد نحو نصف ساعة من إقفالها.
واللافت في هذا الإطار، أن أصحاب المولدات عادوا لاستغلال حاجة الناس للكهرباء، فرفعوا تعرفة الـ5 أمبير إلى 100 ألف ليرة، وفق ما يؤكد أحمد الفضل الذي دفعه هذا الواقع كذلك إلى الشارع! أما في منطقة الزهراني التي تشهد بدورها انقطاعاً متواصلاً في التيار الكهربائي، فعلمت «الأخبار» من مصادر مطّلعة أنّه في إحدى الجلسات التي جمعت الفاعليات في تلك المنطقة مع إحدى المرجعيّات السياسيّة، كشف موظّف في مؤسسة الكهرباء في معمل الزهراني أنّ عمالاً في المؤسّسة استبدلوا أخيراً المحوّل الكبير في المحطّة بمحوّل أصغر بقدرة تحمّل متواضعة، ما يؤدّي إلى فصل التيار ساعات طويلة، حتّى في خلال فترات التغذية المحدّدة وفقاً لجدول. ونُقل المحوّل الكبير لتزويد شرقيّ صيدا بالكهرباء!



11 مليار دولار

هو حجم الإنفاق على الكهرباء حتى الآن وفق رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب روبير غانم، من دون تنفيذ خطة لإصلاح القطاع. وقال غانم إنّ هناك في لبنان مسؤولين، لكن ليس هناك مسؤولية، موضحاً أنه كان هناك المزيد من الخطط الموضوعة لإصلاح قطاع الكهرباء ولم يفعلوا شيئاً.



قطع طريق بيروت ـــ دمشق

أشار مراسل «الأخبار» في البقاع، أسامة القادري، إلى أنّ مجموعة من الشبان أضرمت، عند الثانية من بعد منتصف ليل أول من أمس، النار في الإطارات المطاطية وسط طريق بيروت ـــــ دمشق الدولية في منطقة بر الياس ديرزنون، احتجاجاً على ما تتعرض له منطقة البقاع من تقنين قاسٍ وصلت فيه ساعات الانقطاع إلى 18 ساعة في اليوم، ما أدى إلى قطع الطريق قرابة ساعتين على التوالي، وتطلب بالتالي من القوى الأمنية والعسكرية التدخل وفتحها بالقوة بعد فشل الاتصالات في فتحها مقابل عودة التيار الكهربائي إلى المنطقة أوقات «السحور».


عدد الثلاثاء ٢٤ آب ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق