15‏/10‏/2010

الموازنة المنقوصة... قصداً!

دراسة إبراهيم كنعان: انتهاك واضح لمبدأ الشمولية [1]

الموازنة صك تشريعي تقدر فيه نفقات الدولة ووارداتها(هيثم الموسوي)الموازنة صك تشريعي تقدر فيه نفقات الدولة ووارداتها(هيثم الموسوي)ليست المطالبة بشمولية الموازنة ترفاً، بل بند دستوريّ أساسيّ يعطي الموازنة صفتها كقانون، يجمع كل إيرادات الدولة ونفقاتها خلال عام معيّن، إلّا أن مشروع موازنة عام 2010 يتجاهل هذا الشرط كما هي حال الموازنات السابقة، فينحو منحى تكريس صيغة الدويلات في الدولة، إذ يُبقي نفقات الصناديق والهيئات العامة والقروض والهبات خارج دائرة الرقابة تسهيلاً لأداء وظائف لا علاقة لها بالموازنة!

رشا أبو زكي
أعدّ رئيس لجنة المال والموازنة النيابية النائب إبراهيم كنعان دراسة شاملة عن مشروع موازنة عام 2010، كاشفاً مخالفاته الدستورية وانتهاكاته لقانون المحاسبة العمومية، ولا سيما لجهة تهريب تعديلات قانونية وضريبية يحتاج إمرارها إلى مشاريع أو اقتراحات قوانين منفصلة، فضلاً عن عدم التزامه بمبادئ دستورية وقانونية مهمّة وواجبة تتّصل بسنوية الموازنة، وشمولها كلّ النفقات والإيرادات مهما كانت، ومن أيّ مصادر أتت.
«الأخبار» كانت قد أشارت إلى مخالفة المشروع للأحكام الدستورية، وتطرّقت إلى الانتهاكات الحاصلة في السنوات الخمس الماضية لمبدأ الإنفاق والجباية على أساس القاعدة الاثني عشرية... وهي مخالفات وانتهاكات سردتها الدراسة سرداً مفصّلاً، إذ إنّ الحكومات اللبنانية تنفق من دون أيّ قاعدة مالية منذ 5 سنوات كاملة، لم تصدر خلالها أيّ موازنة، وترتفع الأصوات حالياً لاستكمال حلقة المخالفات الدستورية التي اعتُمدت سابقاً، تحت مبرّر «الوقت»، وتحت التهويل بضرورة إقرار الموازنة «لتسيير أمور الناس»، علماً أنّ «الوقت» لم يحظَ باهتمام عندما تأخّرت وزيرة المال في إعداد الموازنة 6 أشهر عن الموعد الدستوري لتقديمها إلى الحكومة... ربما السبب هو رغبة البعض في إمرار المشروع المطروح كما هو من دون أيّ تدقيق أو نقاش، منعاً للإصلاح.

المخالفة... دستورية!

تسأل دراسة النائب كنعان عن مدى قانونية إقرار موازنة غير شاملة كل بنود النفقات، وإلى أيّ مدى تتمادى وزارة المال في مخالفتها الواردة في موازنة عام 2010.
إذ تنص المادة 83 من الدستور على ما يأتي «كل سنة، في بدء عقد تشرين الأول، تقدّم الحكومة لمجلس النواب موازنة، شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة، ويُقترع على الموازنة بنداً بنداً»، ونصّت المادة الثانية من قانون المحاسبة العمومية على أن: «الموازنة صكّ تشريعي تقدّر فيه نفقات الدولة ووارداتها عن سنة مقبلة، وتجاز بموجبه الجباية والإنفاق». وبالتالي يجب أن يتضمّن قانون الموازنة العامة والموازنات الملحقة جميع نفقات الدولة ووارداتها... إلّا أنّ جميع قوانين الموازنة الصادرة لغاية عام 2005، استبعدت عن أرقام الموازنة القروض كواردات وما ينفَق من أصلها في سنة الموازنة كنفقات. وسلفات الخزينة كواردات ونفقات. والهبات المقدمة إلى الدولة قبلت خلافاً لأحكام المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية، وفُتحت لها حسابات خاصة في مصرف لبنان خلافاً لأحكام القانون رقم 49/87 الصادر بتاريخ 21/11/1987.
وبحسب دراسة كنعان جرى أيضاً استبعاد نفقات تقوم بها إدارات أو مؤسسات أو هيئات لمصلحة الدولة، لا لمصلحتها الخاصة، كمجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة وسواها. وهذا الاستبعاد غير الدستوري وغير القانوني انسحب كذلك على أرقام موازنة عام 2010، فجاءت خالية من جميع هذه النفقات والإيرادات!

المخالفات في سلفات الخزينة

وتكشف دراسة كنعان عن وجود المخالفات بوضوح ودقة، في القروض وسلفات الخزينة والهبات.
ففي ما خص احتساب القروض كواردات للموازنة ونفقات من أصلها:
ـــــ نصت المادة السادسة من مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2010 على ما يأتي:
«تفتح للقروض حسابات خزينة خاصة تقيّد لها القيمة المقبوضة من أصل هذه القروض، وتقيّد عليها القيم التي تدفع تسديداً للأقساط والسندات المستحقة».
الأمر الذي يعني أن القروض ما زالت تُحتسب خارج الموازنة إيراداً وإنفاقاً.
ـــــ أما تسديد القروض عند استحقاقها (أصلاً وفوائد ونفقات متمّمة) فيجري من أصل الموازنة سنداً لأحكام المادة السابعة من مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2010 التي تنص على ما يأتي: «يجاز للحكومة، بمراسيم تُتخذ في مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح وزير المالية، أن تفتح، عند الاقتضاء، اعتمادات إضافية في الموازنة العامة والموازنات الملحقة لأجل تسديد أقساط القروض التي تستحق (أصلاً وفوائد ونفقات متمّمة)، وأن تحدّد مصادر تغطيتها».
وهنا تتساءل الدراسة عن الحاجة إلى إدراج نص هذه المادة في مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2010، في الوقت الذي أدرجت فيه الفقرة 1 من المادة الخامسة من القانون ذاته التي تنص على ما يأتي: «يجاز للحكومة، ضمن حدود العجز الفعلي المحقق في تنفيذ الموازنة والخزينة ومجموع الاعتمادات المدورة إلى عام 2010 والاعتمادات الإضافية، إصدار سندات خزينة بالعملة اللبنانية لآجال طويلة ومتوسطة وقصيرة، وذلك بقرارات تصدر عن وزير المالية».
فالنفقات الناتجة من تسديد القروض (أصلاً وفوائد ونفقات متمّمة) تُدرج في الموازنة وتكوّن جزءاً من عجز الموازنة. وقد أفرد لها الباب رقم 26 من تبويب الموازنة العامة المتعلق بالديون الواجبة الأداء، وخصص اعتماد بقيمة 6.557 مليارات ليرة لبنانية لتغطيتها. وما دام نص الفقرة 1 من المادة الخامسة من مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2010 قد أجاز إصدار سندات خزينة لتغطية عجز الموازنة،
وما دامت أقساط القروض المستحقة والفوائد والنفقات المتمّمة المترتبة عليها معروفة مسبقاً من جانب الحكومة (وزارة المال) لتعلّقها بشروط القروض المعنية،
فإن إدراج نص المادة السابعة في مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2010 يفقد مبرّره، الأمر الذي يقتضي الإفصاح عن هذه الغاية بصراحة ووضوح، وإلّا فسيكون الأمر مجرد ازدواجية في إجازة الاستقراض لا مبرّر لها.
من الطبيعي أن يتعذّر على الحكومة ووزارة المال أن ترتقب أثناء إعداد مشروع الموازنة، أو خلال مناقشته في مجلس الوزراء أو حتى خلال مناقشته وإقراره في مجلس النواب ما سيصار إلى إنفاقه بواسطة سلفات الخزينة من نفقات طارئة لا يمكن تغطيتها من أصل الاعتماد الملحوظ لهذه الغاية في باب احتياطي الموازنة، إلّا أن دراسة كنعان تشير إلى أن كتاب وزيرة المال رقم 1755/12 تاريخ 14 نيسان 2010 ارتقب سلفتي خزينة، واحدة لمصالح المياه بقيمة 45 مليار ليرة لبنانية، وأخرى لدعم المازوت بقيمة 61 مليار ليرة لبنانية، لا تستوفي أيّ منهما شروط منح سلفات الخزينة المبيّنة في المادة 203 وما بعدها من قانون المحاسبة العمومية.
وهنا من الضروري في المقابل أن تلتزم الحكومة بأحكام قانون المحاسبة العمومية، التي تحدد أصول منح سلفات الخزينة، وكذلك أن تلتزم بشروط منح سلفات الخزينة وكيفية منح السلفات والإبلاغ عنها، وملاحقة تسديد السلفات ضمن المهل المحددة، وخاصةً إطلاع المجلس النيابي على وضعية سلفات الخزينة في نهاية كل سنة.
وعليه تدعو الدراسة إلى أن تعمد الحكومة إلى تصحيح الأخطاء الحاصلة سابقاً في منح سلفات الخزينة، فترصد الاعتمادات اللازمة لتسديد سلفات الخزينة التي حدّدت طريقة تسديدها باعتماد يُرصد في الموازنة، وتقترح الحلول القانونية المناسبة لتسديد السلفات التي يتعذّر تسديدها بصورة نهائية، وتسترد أرصدة السلفات الممنوحة لغير الجهات المجاز تسليفها. إضافةً إلى أن تلتزم الحكومة بعدم مخالفة الأحكام التي ترعى أصول منح سلفات الخزينة تحت طائلة المراقبة فالمساءلة والمحاسبة. وأن تطلع الحكومة المجلس النيابي كل شهر على الإجراءات المتخذة من جانبها في هذا المجال.

في الهبات كذلك!

جميع قوانين الموازنة الصادرة لغاية العام 2005، استبعدت عن أرقام الموازنة القروض كواردات وما ينفق من أصلها في سنة الموازنة كنفقات. وسلفات الخزينة كواردات ونفقات

ترى الدراسة أنه من الطبيعي أن لا تستطيع الحكومة ووزارة المال معرفة ما يمكن أن يردها من هبات خلال سنة الموازنة، لأن تحديد قيمة الهبة وتوقيت تقديمها مرتبطان بإرادة الواهب من جهة، وبتوافر ظروف معيّنة تحثّ الواهب على منحها.
إلا أنه من الضروري في المقابل أن تلتزم الحكومة بأحكام المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية، التي تحدد أصول قبول الهبات المقدمة إلى الدولة وقيدها وإنفاقها عندما تنص على ما يأتي: «تقبل بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء الأموال التي يقدمها للدولة الأشخاص المعنويون والحقيقيون، وتقيّد في قسم الواردات من الموازنة. وإذا كانت لها وجهة إنفاق معينة، فُتحت لها بالطريقة نفسها اعتمادات بقيمتها في قسم النفقات».
ـــــ حيث يستفاد: أنّ الهبات إيرادات موازنة ويجب أن تقيّد في قسم الواردات من الموازنة، وتخصّص لتغطية عجز الموازنة، أي قصور الإيرادات المحصّلة عن تغطية النفقات المصروفة، ما لم تكن لها وجهة إنفاق معينة وفقاً لإرادة الواهب، فيفتح لها اعتماد في قسم النفقات من الموازنة، وتخصّص حصراً لتغطية هذا الاعتماد. وأن صلاحية قبول الهبات المقدمة إلى الدولة منوطة حصراً بمجلس الوزراء دون سواه.

إقفال الحسابات

وعليه تدعو الدراسة إلى أن تعمد الحكومة إلى تصحيح الأخطاء الحاصلة سابقاً في قبول الهبات وفتح حسابات خاصة بها في مصرف لبنان، وذلك بإقفال هذه الحسابات وتحويل أرصدتها إلى حساب الخزينة العامة المفتوح لدى مصرف لبنان أيضاً، وإصدار مراسيم فتح اعتمادات بقيمة رصيد كل سلفة لها وجهة إنفاق معيّنة وفقاً لإرادة الواهب. وأن تطلع الحكومة المجلس النيابي شهرياً على الإجراءات المتخذة من جانبها في مجال تصحيح الأخطاء الحاصلة سابقاً.



1.457 مليار

هو حجم الإنفاق من أصل الاعتمادات الملحوظة للإدارات والمؤسسات والهيئات في مشروع الموازنة العامة لعام 2010، التي يأتي من الخزينة ومن خارج الموازنة العامة، وهو يشمل مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة ومجلس الإنماء والإعمار!



أين تفاصيل المشاريع؟

تقوم إدارات عامة ذات طابع خاص ومؤقت (كمجلس الجنوب) ومؤسسات عامة (كمجلس الإنماء والإعمار)، وهيئات مستقلة (كالهيئة العليا للإغاثة) بتنفيذ نفقات هي في الأصل من صلاحية إدارات الدولة وتنفَّذ لمصلحة الدولة، إلا أن النفقات التي تقوم بها هذه المؤسسات غير محتسبة في الموازنة، كما لا يجري تفصيل المشاريع التي تنفّذها هذه المؤسسات والهيئات! على الرغم من أن ملكية الطرقات والمدارس الرسمية والمنشآت المائية والكهربائية التي تنفّذها هذه الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات والهيئات تعود إلى الدولة لا إلى مَن أنشأها.


عدد الخميس ٢٠ أيار ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق