15‏/10‏/2010

نحاس في مواجهة «الإرث البشع»

الموازنة ليست أرقاماً بل رؤية اجتماعية واقتصادية ومالية

نحاس خلال المحاضرة (هيثم الموسوي)نحاس خلال المحاضرة (هيثم الموسوي)يستعدّ وزير الاتصالات شربل نحّاس لخوض المزيد من المناقشات في مجلس الوزراء لتصويب مشروع موازنة عام 2010، وهو لذلك يكرر أن تحت إبطه ملفاً واحداً: تغيير نمط تكريس الموازنة كأرقام، نحو تحقيق موازنة قائمة على الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والتنموية التي تعهّدت بتحقيقها الحكومة في بيانها الوزاري

رشا أبو زكي
«إنه الإرث البشع الذي ساد خلال 30 سنة ماضية في إدارة لبنان اقتصادياً ومالياً، وهذا الإرث لن يستمر...»، بهذا الوضوح أكد وزير الاتصالات شربل نحاس ملامح النقاش الذي سيسود في جلسات مجلس الوزراء التي ستعود إلى استكمال مناقشة مشروع الموازنة، بدءاً من مطلع الأسبوع المقبل. فالنمط الاقتصادي الذي تمجده التصريحات الدعائية التي يطلقها بعض الوزراء في مجلس الوزراء ستصبح على المشرحة، والانطلاق في مناقشة موازنة عام 2010 سيكون من المؤشرات الاقتصادية والمالية الغريبة التي يحاول فريق أمن الحكومة إخفاء حقيقتها عبر تمجيدها، فيما هي ـــــ وفق نحاس ـــــ تحتاج إلى لجان مختصة لمناقشة ظواهرها... والمحاضرة التي قدمها نحاس بدعوة من اللجنة الاقتصادية في التيار الوطني الحر، في مسرح مدرسة «الساينت كوير» ـــــ سيوفي، أظهرت شكلاً من المعاناة التي يواجهها فريق «الإرث البشع» في جلسات مجلس الوزراء، معاناة تترجمها المواجهة بين خبير اقتصادي يرى أن فصل القضايا الاجتماعية والاقتصادية عن مناقشة الموازنة، مسألة في منتهى الخطورة، وفريق «المحاسبجية» الذي يصر على عدم وجود علاقة بين الموازنة وما تعلنه الحكومة من أولويات وأهداف تنسجم مع أولويات وأهداف المواطنين!
«كلا، ليس لدينا أي التزام في خفض الدين العام إلى الناتج المحلي، ولا في زيادة الفائض الأولي، وكل مَن يقول غير ذلك يخالف البيان الوزاري»، هذا ما أكده نحاس، شارحاً أن زيادة الفائض الأولي هي الصافي بين ما تأخذه الدولة من الناس من دون مقابل، لخدمة عدد قليل من الدائنين، وبين ما تنفقه على أمور كثيرة بعضها يصيب المواطنين وبعضها لا يصيب إلا مصالح البعض.
ورأى أن لبنان قائم حالياً على اعتبارين: الأول هو وجود حكومة الوحدة الوطنية «على علّاتها»، فهي تضم الجميع، ما يفترض أن يكون النقاش عميقاً وجدياً، لكن ما يحدث هو «فركشة» ما يُتَّفَق عليه بعد الخروج من جلسات الحكومة. فليست «بسيطة»، وفق نحاس، «تطيير» قانون الانتخابات البلدية، وليست «بسيطة» الاتفاق بين وزارة المال ووزارة الاتصالات على مواضيع تتعلق بعلاقة الوزارة بهيئة أوجيرو، وفجأة بسحر ساحر، «تطير» ثلاثة أسطر من الموازنة كانت تشير إلى هذا الموضوع، إذ إن هذه السلوكيات ليست «شطارة»، لا بل هي تكسر الثقة وتدفع إلى الاستنتاج أنه يُغامَر بأشياء كبيرة جداً، لكن بوسائل صغيرة جداً.
أما الاعتبار الثاني، فهو مقولة يرددها البعض، وتقول: «نحن عائمون بالأموال»، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه الأموال تحديداً ندفع عليها كميات هائلة من الفوائد، ونوظّفها في الخارج، وفي ظل ذلك لا يمكن أبداً المطالبة بزيادة الضرائب، إلا إذا كان الهدف هو مراكمة الأموال لزيادة دفع الفوائد عليها!
«ليس من الهيّن أن ننسى السنوات الماضية»، هكذا ينتقل نحاس إلى مقاربة موضوع موازنة عام 2010، فالموازنة دستورياً، هي قانون يشمل كامل إيرادات الدولة ونفقاتها، وهنا، كيف من الممكن إمرار عبارة في الموازنة تقول إنه «توجد نفقات مرتقبة من خارج الموازنة»، ويجيب ساخراً: «إذا كانت مرتقبة، فهي من المفترض أن تكون ضمن الموازنة»!

لا قطع حسابات، بل الكشف عن كل حسابات الإدارة المالية

ويشرح نحاس الوهن الحاصل في الإدارة المالية والاقتصادية للبلاد، مستعيناً بالمؤشرات المالية الصادرة عن وزارة المال نفسها عن عامي 2008 و2009، فهي تشير إلى أن الودائع ارتفعت 42 في المئة، وزاد الاستيراد 38 في المئة، وفي الوقت نفسه ارتفع الناتج المحلي بالقيمة الاسمية 40 في المئة. مؤشرات متقاربة كهذه، تستدعي ـــــ وفق نحاس ـــــ الإسراع في تأليف لجنة مهمتها دراسة ظاهرة كهذه، إذ عندما ترتفع الأسعار المحلية 18 في المئة خلال سنتين، فيما الأسعار العالمية شهدت ثباتاً، فهذا يعني أن ما ينتجه الاقتصاد اللبناني لم يعد قابلاً للتصدير، ما يدل بديهياً على أن المواطنين نقلوا أعمالهم إلى قطاعات لا يمكن استيرادها أو تصديرها، ولا منافسة لها من الخارج. والأكيد، أن لبنان لا يصدّر مطاعم ولا شركات أمنية، ولأن هذه القطاعات غير معرّضة للمنافسة، فهي محكومة بسوق ضعيفة، وتوسّعها إلى خارج السوق المحلية حظوظه قليلة جداً. من هنا، فإن هذه القطاعات تعتمد على يد عاملة غير مؤهّلة وافدة من الدول المجاورة، وعائلاتها حكماً تعيش خارج لبنان، أي لا يمكن العامل اللبناني المنافسة في سوق عمل كهذه، فيكون الحل الوحيد أن يهاجر إلى الخارج، ليأتي بالتحويلات، إذ تبين أن عدد القوى العاملة تراجع ما بين 2004 و2007، لا بل إن نصف اللبنانيين ما بين 18 و35 عاماً هاجروا إلى الخارج!
أما من بقوا منهم فلن يجدوا أمامهم سوى الوظيفة العامة، وهنا أيضاً تتداخل الضغوط والمحسوبيات، ليدفع الشباب إلى الهجرة أيضاً، وهكذا يصبح لبنان منتجاً فقط لشباب جاهزين للتصدير!
وانتقد نحاس خلق جزر في القطاع العام، كما يحدث في «أوجيرو»، أو خلق شركات يطلق عليها صفة «الخاصة»، وهي ليست كذلك، مشيراً إلى أن الموضوع اسمه «فك التشابك في مهمات الإدارة العامة»، وخصوصاً حين تنشأ إدارات موازية في الإدارات العامة نفسها مثل مكاتب الـ UNDP التي تتحدث عن إصلاح القطاع العام، وإذا جرى التدقيق بموظفيها يتبين أنهم تابعون إلى بعض الجهات النافذة، لتكون نهايتهم موظفين في مؤسسات الأمم المتحدة.
وبحسب نحاس، فإن لبنان اليوم أمام ظرف هو عبارة عن تحدٍّ وفرصة، فإمّا الاستمرار في الواقع الحالي، أو القول إن هذا النمط الاقتصادي هو نفسه الذي كان سائداً في السنين الثلاثين الماضية، وعلينا الخروج من هذه الحالة، والنظر إلى الموازنة من هذا المنطلق. فالموازنة تفترض معرفة من أين تؤخذ الإيرادات وأين تدفع النفقات، لكونها لها مفاعيل مباشرة على المواطنين والمؤسسات وتؤثر على الادخار والخدمات وعلى الأسعار. ورأى أن مَن تأخر 5 أشهر لا يستطيع التذرّع بالوقت لمنع الحكومة من مواجهة تحديات موجودة في الموازنة وعمرها أكثر من 30 عاماً. وأضاف: «لقد قلنا إن هذا الإرث البشع للفترة الماضية من غير المقبول أن يستمر، وبالتالي يجب الكشف عن كل حسابات الإدارة المالية، ويجب تبويب موازنة عام 2010 وإخراج جميع البنود التي ليس لها علاقة بالموازنة.



100 مليون دولار

هو ما أنفقه وزير الاتصالات السابق جبران باسيل لتوسيع شبكات الخلوي، في مقابل خفض الأسعار. ويشير نحاس إلى أن هذه الحركة الصغيرة أنتجت مفاعيل كبيرة، فارتفع عدد المشتركين بنسبة مئة في المئة خلال عام.



إنهم مكتسبو مهارات الحرب!

بين عامي 1973 و1975، ارتفعت أسعار النفط ارتفاعاً كبيراً، بالتزامن مع بدء الحرب الأهلية في لبنان. وكان هذا الارتفاع أساسياً لتمويل حرب دامت أكثر من 25 سنة متواصلة. وخلال هذه الأعوام نشأت الميليشيات وسيطرت على كل المرافق، وانتشرت ظاهرة الجامعات الخاصة لتصدير الشباب، وبدأ البعض باكتساب مهارات في الإدارة المالية، وبالتالي فإن السياسة الاقتصادية والاجتماعية والمالية المتبعة اليوم، وفق وزير الاتصالات شربل نحاس، ليست غباءً ولا صدفة، بل مهارات مكتسبة!


عدد السبت ٢٩ أيار ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق