15‏/10‏/2010

بعد الكهرباء... أزمة مياه خطيرة



باسيل يحذر من «فترة صعبة»... والخبراء يؤكدون أنها ليست مرحلية

العودة إلى  الـ  «غالون» (أرشيف)العودة إلى الـ «غالون» (أرشيف)يعاني اللبنانيون مشكلة في المياه منذ فترة طويلة، تارة في ندرتها في الصيف، وطوراً في التلوث الذي يصيب المياه الجوفية ومياه الينابيع نتيجة السياسة المائية السيئة. ومنذ فترة طويلة، يسمع اللبنانيون بخطط عن إنشاء سدود لحل هذه المشكلة... المشكلة أصبحت أزمة سيعيشها المواطنون خلال الشهرين المقبلين... والحل المرحلي موجود في يد الحكومة

رشا أبو زكي
أزمة مياه في لبنان حتى مجيء فصل الشتاء! إنه إنذار رسمي، مصدره وزارة الطاقة والمياه نفسها. فقد وصل اللبنانيون إلى زمن يقولون فيه، من دون أي تردد: «لا ميّ في، ولا كهربا في، وين الدولة؟»!... وإن كانت الطبيعة والتغيير المناخي وتراجع تساقط الثلوج من العوامل التي أدّت إلى انخفاض كمية المياه الجوفية المخزنة إلى أكثر من الثلث مقارنة بالعام الماضي، فإن تقاعس الحكومات المتعاقبة عن إنشاء السدود التي تُمكّن لبنان من تخزين مياه الأمطار والحدّ من انسيابها نحو البحر، سيؤدي إلى أزمة مياه جدّية طوال الشهرين المقبلين، ما سيؤثر مباشرة على العديد من القطاعات الحيوية، وخصوصاً الزراعة. أما السبب، فأصبح معروفاً، وهو السعي إلى خصخصة القطاع بعد تحويله إلى خردة. ومن الآن إلى حين بدء إنشاء السدود، ستشعل الحكومة سيجارتها وتتأمل تصحّر لبنان، وموت المواطنين عطشاً... وجوعاً!

تذكير بـ«الفترة الصعبة»

فقد حذّر وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، خلال مؤتمر صحافي أمس، المواطنين من الفترة الصعبة التي يمر بها لبنان نتيجة شحّ المياه، «ونحن في ذروة الحاجة إليها، التي ستتصاعد أكثر في تشرين الأول المقبل، وذلك حتى تهطل الأمطار فيرتفع مستوى المياه الجوفية لدينا». وقال: «أعتقد أن ما حصل هذا العام من قلة في المياه هو جرس إنذار حقيقي، ولا يمكن توافر المياه في لبنان إلا عبر الطرق الطبيعية، إذ ليس لدينا إمكانات لتحلية مياه البحر، وعلى هذا الأساس نقول إن لدينا فترة شهرين، فيهما صعوبة، لكن علينا تخطيهما، كما سبق ومررنا في موضوع الكهرباء بصعوبة، وقد بدأت بالانحسار الآن. لكننا ننبه في موضوع المياه حتى يكون هناك وعي من المواطنين، والحكومة خصوصاً، لكيفية التعاطي مع مشكلة المياه كي تتحول من مشكلة إلى حل وتعود ثروة حقيقية لهذا البلد».
إلا أن «الفترة الصعبة» هذه لن تكون مرحلية، بحسب بعض الخبراء، إذ يشهد لبنان منذ سنوات تراجعاً في نسبة المتساقطات وتوزعها على مدار العام، وصلت إلى حدود الخطر خلال السنتين الماضيتين. ويشير مصدر في وزارة الطاقة إلى أن نسبة هطل الأمطار وصلت إلى معدل 825 ملم هذا العام، وانحصرت بفترة واحدة ولم تتوزع زمنياً. أما المشكلة الأكبر، فهي تراجع نسبة الثلوج المتساقطة وذوبانها خلال فترة قصيرة بسبب ارتفاع درجات الحرارة، إذ كانت تبقى الثلوج عادة لفترة شهر إلى شهرين قبل أن تتحول إلى مياه، إلا أنها تبخرت هذا العام في 15 يوماً فقط! وبالتالي تراجعت كمية المياه الجوفية إلى نسب كبيرة وصلت إلى ثلث الكمية التي كانت تخزّن العام الماضي. ويلفت المصدر إلى أن تراجع مستوى المياه الجوفية يحصل كل عام منذ فترة طويلة، إلا أن هذا العام سيشعر المواطنون بهذه الأزمة بسبب تطورها.
أما المدير التنفيذي لجمعية آندي ـــــ أكت وائل حميدان فشدد لـ«الأخبار» على أن الدراسات التي أقيمت عن المياه في لبنان بيّنت تراجعاً كبيرة في نسبة الثلوج التي تهطل سنوياً، وكذلك انخفاضاً في كثافتها، ما يعني أن كمية المياه التي تترافق مع تساقط الثلوج أصبحت أقل، «وهذا ما توقعه العلماء منذ سنوات بسبب تغيّر المناخ». وأوضح أن المشكلة لا تنحصر بالثلوج، بل تمتد إلى عملية توزع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، إذ شهد لبنان خلال هذا الصيف درجات حرارة استثنائية جداً، لا بل من المتوقع أن يُصنّف شهرا حزيران وتموز من هذا العام بأنهما أكثر فترة شهدتها الكرة الأرضية في ارتفاع درجات الحرارة منذ بدء قياس هذه الدرجات! ويوضح حميدان أن نسبة هطل الأمطار هذا العام ليست قليلة، إلا أن توزعها جاء بطريقة تمنع تخزينها في المياه الجوفية، إذ حصل هطل الأمطار بكثافة في شهر واحد، وهو من منتصف كانون الثاني حتى منتصف شباط، لا بل إن عملية التوزيع لم تكن متناسقة حتى خلال هذا الشهر، بحيث هطلت الأمطار بطريقة غير متناسقة خلال أيام الشهر، ما أدى إلى صعوبة في تخزينها في الأرض، وهكذا ازدادت عملية الانجراف وتحولت المياه نحو البحر.
وأشار حميدان إلى أن هذا كله سيؤثر على الثروة المائية، وما يخيف أكثر أنّ هذا العام ليس سوى البداية في ما يتعلق بتأثر لبنان بالتغيّر المناخي، إذ إن الحرارة ستستمر في الارتفاع عاماً بعد عام، وسترتفع نسبة تبخر المياه القليلة التي ستهطل، وفي المقابل سيرتفع الطلب على المياه بسبب الحر، ما سيوصلنا إلى صحراء حقيقية قبل منتصف القرن الحالي، بحيث لن تنحصر التأثيرات بندرة المياه، بل ستمتد إلى الزراعة والأمن الغذائي، وسيشهد لبنان ارتفاعاً جنونياً في أسعار المياه والغذاء في آن، وسيكون الفقراء أكثر المتضررين.

هل استوت «طبخة» السدود؟

وفي جزء من الحلول المحلية للأزمة، تبرز قضية السدود، وهي مشروع بدأ عام 1999، وكان من المفترض أن يباشر به عام 2004، ولا يزال حتى الآن في الأدراج. وقال باسيل إن مجلس الوزراء وافق في جلسته الأخيرة على عملية تلزيم السدود مجدداً، التي كانت متوقفة، وذلك بعد إرسال خطة التلزيمات من وزارة الطاقة إلى مجلس الوزراء منذ نحو ثلاثة أشهر، مشيراً إلى أنه أمر أساسي للبدء بالعمل، لكنه غير كاف إذا لم تُوَفّر الأموال المطلوبة للبدء بتنفيذ الحد الأدنى من السدود المطلوب قيامها في لبنان لتوفير المياه للبنانيين.
ولفت باسيل إلى أنه توافر قسم قليل جداً من الاعتمادات في الموازنة السابقة، وسبق أن اتُّفق في الحكومة الماضية على أن تلحظ موازنة 2011 ما لم يتوافر تمويله، «وبوصولنا إلى موازنة عام 2011، حصل تفاهم على أن تدخل الاعتمادات ضمن الموازنة، ونأمل أن نجد هذا الأمر قد تحقق في هذه الموازنة التي رفعت إلى مجلس الوزراء، فتكون الأموال الموجودة لتنفيذ السدود بالحد الأدنى موجودة»، مشدداً على أنّ من الممكن أن تسير عملية إنشاء السدود بالتوازي على جميع الأراضي اللبنانية، وليس بالضرورة الانتظار من انتهاء سد للبدء بآخر. ولا شيء يمنع جغرافياً أو تنفيذياً من إنشاء نحو 50 سداً مثلاً، في الوقت نفسه، لا بل هناك حاجة وضرورة، أقله للبدء بعدد من السدود».
ودعا «كل الشركات الجدية، التي تتمتع بالخبرة وغير المصنفة في الوزارة أكانت محلية أم عالمية، إلى أن تتقدم بالطلب لكي تصنف»، لافتاً إلى أنه «جرت المناقصة بشأن قسم من السدود على نحو غير جيد في ظل التلاعبات والاتفاقات التي حصلت، وترجمت بأسعار وصلت إلى ضعف كلفة السد الحقيقية، ما دفعنا إلى رفضها.
وما قد اتفق عليه في مجلس الوزراء يسمح لنا بمعادلات الأسعار وتحريكها فنكون في صدد معالجة هذا الشق كما نكون قد أنجزنا خطوة أولى في مشروع البدء ببناء السدود بانتظار التمويل اللازم».
وفيما لفت المصدر إلى أن الحل للمشكلة هو المباشرة ببناء السدود التي تغطي حاجة لبنان إلى المياه، وهي وفق خطة السدود تشمل 42 سداً لم ينفذ منها حتى الآن سوى سد شبروح، أشار حميدان إلى أن إنشاء السدود في لبنان يساعد على تخزين المياه مرحلياً، إلا أن الأزمة ستبقى قائمة، «وللأسف الطريقة الوحيدة للحل هي عمل عالمي على وقف تغيير المناخ، فلبنان لا يستطيع أن ينجو وحده، إذ عليه أن يخوض معركة شرسة في الأمم المتحدة ضد الدول التي تساعد في التغيير المناخي، وإلا فإن الأمن القومي في لبنان سيكون مهدداً ما لم تُخفَض انبعاثات الغازات الدفيئة في العالم مثل ثاني أوكسيد الكربون».

تأثير الأزمة ليس مائياً فقط!

وتأثير أزمة المياه هذه لا ينحصر في مياه الشفة، بل يمتد إلى استخدامات المياه لدى الأسر اللبنانية، بحيث تشير الدراسات إلى أن 70% من مصادر المياه والشبكات في لبنان معرَّضة للتلوث الجرثومي، وتزيد نسبة التلوث هذه بمعدل 10% في موسم الجفاف، وقد بدأت مظاهر تأثير الجفاف على مصادر المياه تظهر في ارتفاع نسبة الأمراض والأوبئة التي تنتشر في لبنان، وخصوصاً في المناطق الفقيرة. لا بل إن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن إنفاق المواطنين على شراء حاجاتهم من المياه، سواء للشرب أو الحاجات المنزلية، يبلغ نحو 1 في المئة من الدخل القومي القائم، أي ما يوازي نحو 306 ملايين دولار قابلة للازدياد مع نمو الناتج
المحلي.
أما التأثير الأكبر فسيكون على القطاع الزراعي والأمن الغذائي في لبنان. إذ وصلت المساحة المرويّة عام 2008 إلى 100.000 هكتار بحسب إحصاءات منظَّمة الفاو ووزارة الزراعة، وقد ارتفعت هذه

تبقى الثلوج عادة لفترة شهر إلى شهرين قبل أن تتحول إلى مياه، إلا أنها تبخرت هذا العام في 15 يوماً فقط!

المساحة، ومن المتوقّع أن تصل عام 2050 إلى 280.000 هكتار. ويلفت الخبير في قطاع المياه محمد فواز إلى أنّ من البديهي أن يؤدي نقص المياه إلى جفاف الأرض وإلى القضاء على المواسم الزراعية، تماماً كما سيؤثر نقص مياه الشرب على جسد الإنسان، لافتاً إلى أن بوادر الأزمة بدأت تظهر في الشوف مثلاً، حيث تسقط حبوب الزيتون تحت الأشجار بسبب الجفاف، وكذلك في الجنوب حيث يبست شتول الخضار قبل أن تنضج.
وكذلك يشرح رئيس جمعية المزارعين أنطوان حويك، أن الظاهرة اللافتة تمثلت هذا الصيف بتراجع نسبة المياه في الينابيع أكثر من 30 في المئة، فيما عدد كبير من الينابيع شهدت جفافاً مطلقاً، ما أدى إلى تراجع ريّ الأراضي الزراعية في عدد كبير من المناطق، ولا سيما الجبلية. أما المياه الجوفية، فقد تراجعت كثيراً بنسب متفاوتة مناطقياً. فمنذ 20 سنة، كان المزارع يستطيع الحصول على المياه من عمق 10 أمتار، لكن الآن هذا نادر جداً، إذ غالباً ما يصل عمق الآبار إلى 40 متراً وأحياناً إلى 100 متر. ويشرح أن بعض المناطق لم تستطع هذا العام زراعة الخضر ولا الأشجار المثمرة، وخاصة في مناطق الشوف.
وإذا استمرت حالة الجفاف هذه فستتحول المشكلة إلى أزمة حقيقية، وخصوصاً في المناطق التي ليس فيها آبار جوفية، لافتاً إلى أن هذا الواقع سيؤدي إلى انخفاض حجم الإنتاج وارتفاع الأسعار. ويشير حويك إلى أن الحل الوحيد المستقبلي للقطاع الزراعي هو إقامة السدود لتوفير مياه الري. أما حالياً فالمزارعون يتحملون الواقع في غياب أية تعويضات تعوضهم خسائرهم، لافتاً إلى أن تراجع الإنتاج الزراعي سيصيب مباشرة الصناعات الغذائية.



20%

هي معدلات جباية فواتير المياه في البقاع، فيما ترتفع هذه النسبة إلى 70% في بيروت وجبل لبنان. أما الجنوب فله وضع خاص وفق مصدر في وزارة الطاقة، بحيث إن حرب تموز قضت على تمديدات المياه، وبالتالي ثمة قسم كبير من الجنوبيين لم يشتركوا حتى الآن.



استراتيجية المياه في نهاية 2010

كشف وزير الطاقة والمياه جبران باسيل عن وضع آلية للآبار تحفظ من جهة المياه الجوفية في لبنان وتعطي الإمكان من جهة ثانية لحفر الآبار لمن ليس لديهم مياه، وذلك ضمن حالات خاصة جداً، حيث لا تتوافر فيها المياه إطلاقاً «وبذلك نكون قد حددنا عدد طلبات الآبار التي لا يعرفها أحد في لبنان، وأجرينا مسحاً للمياه الجوفية للحفاظ عليها». ولفت إلى أن «هذه الأمور هي جزء من استراتيجية المياه التي تُعَدّ لإطلاقها في آخر عام 2010»، آملاً أن «تكون هذه آخر سنة عطش للبنان، عبر تعويض ما حرمتنا إياه الطبيعة من خلال الوزارة ودعم الحكومة للمشاريع».


عدد الخميس ٩ أيلول ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق