15‏/10‏/2010

لا ماء لا كهرباء لا دواء


في الصيف حر شديد وفي الشتاء برد قارس (هيثم الموسوي)في الصيف حر شديد وفي الشتاء برد قارس (هيثم الموسوي)
الفقر المشترك بين المذاهب يتسع لأسر تعيش «من قلّة الموت»
«إنه فقط رغيف خبز قد انتزع من الربطة»، يقول وزير الاقتصاد محمد الصفدي. «ضريبة البنزين أساسية لإطفاء جزء من خدمة الدين العام»، تقول وزيرة المال ريا الحسن. «إن لبنان مقبل على فترة شحّ في المياه وعتمة كهربائية»، يقول وزير الطاقة والمياه جبران باسيل. «متمسك بالبطاقة الصحية» (بدلاً من مشروع الضمان الشامل)، يقول وزير الصحة محمد خليفة... لكن ماذا يقول الفقراء؟ هل هناك من يسمع صوتهم؟

رشا أبو زكي
الفقر له وجه واحد، والظلم له وجه واحد، أما جنون الإهمال الحكومي للمواطنين فله أوجه عدة، «لا ماء لا كهرباء لا دواء»، هذه العبارة تتكرر في كل منطقة من لبنان، أياً كان اللون الطاغي على «موزاييكها» الطائفي أو الطبقي... تتكرر لازمةً في كل حي حتى لو جثمت الأبنية المزخرفة على خناق النواطير، وعند كل خط تماس قديم ومستقبلي يبنى من أجساد الفقراء أنفسهم. هذه العبارة يسمعها المسؤولون بالطبع، حتى لو كانت منازلهم «مشعشعة» بكهرباء لا يدفعون فواتيرها، وغارقة في مياه لا تكفي لتنظيف الفساد عن أياديهم، وحتى لو كانت «كروشهم» العارمة ليس لها علاج في كل مستشفيات لبنان الموصودة أمام آلام الفقراء ووجعهم المزمن.
الإحساس بالاضطهاد يجمع الفقراء، لكن مفارقة وحيدة تفصلهم، إذ إن خيالهم يأخذهم الى ما يبثه التلفاز من تشويهات يسقطها على جمهور الطوائف، فعند سؤال فقير من مذهب معين عن الذي يفرقه عن فقير من مذهب آخر يكون الجواب المباشر «الفقرا عندن غير»... «غير»؟ كيف؟ ففقراء الشيعة يرون أن الفقراء في «المنطقة الشرقية» لا يعانون الجوع مثلهم، وفقراء السنة والمسيحيين يرون أن حزب الله «مكنة أموال» بحيث إن لا فقير شيعياً في لبنان، وفقراء السنة مأخوذون بفكرة أن الحرمان لا يسكن سوى بيوتهم، لكونهم يرون أنهم الوحيدون المتروكون من زعمائهم... إلا أن كل حي في بيروت ينطق عكس المقال!

ببطء نحو الفقر المدقع

أقساط المدرسة والمعهد تصل الى 300 دولار شهرياً، «وحين لا ندفع يمنعون الأولاد من الدخول»

عصفور ضلّ طريقه الى شارع الطمليس في بيروت، يقفز على الأرض بخفة، ليرتعب بعدها من سيارة قررت أن تقطع عليه نزهته الصباحية، يحط على باب منزل أشبه بالمغارة، لا شمس هنا، لا هواء، لا إمكانية لأن يراقب سكان المنزل حتى العصفور الذي غط قربه، فباب المنزل شبه ملتصق بحائط المبنى الضخم الذي يحاذيه، وفي المنزل مقطوع الأنفاس هذا، تعيش عائلة من 6 أفراد.
غرفتان ومطبخ، هذه مكوّنات المنزل، الأسرّة متلاصقة إلى حد التداخل، المطبخ لا يتسع إلا لشخص واحد، أما الانتقال من غرفة إلى أخرى، فعبر ممر إجباري مسقوف بالاترنيت، «أنا من صنع هذا الممر» يقول محمود بيضون الذي جاء من بنت جبيل الى بيروت منذ أكثر من 30 عاماً، «فقد كان الممر رملياً في السابق، وقد وضعت العديد من السدود على السقف لمنع الجراذين من التطفل على عائلتي».
ومحمود يعمل بالألمنيوم منذ فترة طويلة، يعمل لحسابه الخاص، «دخلي في الشهر 800 ألف ليرة، وأحياناً تمر أشهر من دون أن أجني ولا أي ليرة»، ابنة محمود الكبيرة تزوجت، فيما ابنته الوسطى تتعلم في معهد قريب من المنزل، ليبقى مع طفلين يتعلمان في مدرسة في المنطقة، أقساط المدرسة والمعهد تصل إلى 300 دولار شهرياً، «وحين لا ندفع يمنعون أولادي من الدخول الى المدرسة»، يقول بيضون، والمدرسة الرسمية ليست بديلاً، بعدما أدى نقل الطفلين الى إحدى المدارس الى «سقوطهما» سنتين متتاليتين، فكان الخيار إما أن يتركا علمهما وإما إعادتهما الى المدرسة التي اعتادوها.
تتدلى من السقف، الذي تأكله الرطوبة، لمبة تكشف عن فقر اجتاح حتى الأثاث، فلم يبق منه سوى بعض الكراسي. واللمبة الصغيرة هي المخلّص الأوحد للعائلة من العيش في الظلام المطبق حتى في عز النهار، إلا أن هذا المخلّص يخضع للتقنين القسري، «ولا بديل» يقول بيضون، فالاشتراك بالمولد الكهربائي أزمة، بحيث يصل سعر الـ5 أمبير الى 50 دولاراً شهرياً، وبالتالي تضطر العائلة الى الاعتماد على الضوء الخافت للأشعة المنسابة من الباب الرئيسي للمنزل.
أما المياه فأزمة الأزمات، إذ تغيب عن المنزل أياماً، وحين تأتي، تحاول العائلة تخزين أكبر قدر منها تحسباً لأيام القطع، لكنها غالباً ما لا تفلح، فيصبح المنزل بلا قطرة مياه، مع انعدام أي إمكانية لشراء المياه، لكون الـ«5 براميل بـ25 ألف ليرة»، وفق بيضون. فهذه المرحلة التي نعيشها حالياً، أسوأ بكثير من كل المراحل السابقة، حتى من مراحل الحرب الأهلية، ففي السابق كنا نمر بظروف صعبة، ولكن حالياً تمر أيام وأحياناً أشهر كاملة ولا يكون هنالك رغيف خبز في المنزل، فتضطر العائلة إاى اللجوء للأقارب لتناول وجبة الغذاء، كما حصل في رمضان الماضي!
وبسبب عمله وتنقله لتركيب الألمنيوم في المنازل، يملك بيضون سيارة، لكنها غالباً ما تبقى أمام المنزل ليستعين بسيارات أصدقائه «فسعر تنكة البنزين يوازي مصروف منزلي، وفي أغلب الأوقات أفضّل أن تبقى السيارة مقطوعة من البنزين لتوفير المال الكافي لإطعام أولادي»، وهكذا فإن كثرة المصاريف أدت الى تراكم الديون على بيضون، «فأصبحت اليوم توازي نحو 1800 دولار»، وفيما أولاده يلجأون للمستوصفات، فإن بيضون يعاني المرض، «وكلفة دواء السيلان ودواء الضغط هي 50 ألف ليرة، ومن الضروري أن أشتريها كل 15 يوماً، إلا أن أشهراً عديدة تمر علي من دون دواء»، وبيضون ليس مضموناً لأنه ليس أجيراً، ولأن التغطية الصحية في لبنان استنسابية، وبالتالي فإن وزارة الصحة هي ملجأه الوحيد، لكن معظم المستشفيات ترفض استقبال مرضى الوزارة، فقد كان بيضون بحاجة الى عملية طارئة العام الماضي، فرفض مستشفى المقاصد استقباله لكونه لا يملك 500 ألف ليرة عليه أن يدفعها قبل أن يجري العملية، وبالطبع لجأ بيضون الى أحد الأحزاب، ليدخله الى مستشفى الزهراء... فالأحزاب، كما يقول بيضون، حلّت محل الدولة، ومن دون «واسطة» يموت الفقراء على باب المستشفى.

الموت على باب مستشفى

العائلة مرغمة على تحمّل تقلّب الطقس في ظل غياب الكهرباء

على مرمى سنبلة من منزل بيضون، تعيش عائلة كبيرة، أم وأب و7 أولاد، كلهم في غرفتين لا تدخل إليهما الشمس إطلاقاً، الرطوبة تجعل من لون الغرفة أكثر عتمة، أو ربما لشدة احتقان الأنفاس يتخيل اليك أن الظلمة تأكل ما بقي من بياض في عيون سكان المنزل. وعلى حائط لا لون له، صورة لشاب أربعيني، إنه الأخ الأصغر لزوج أمية كساسير، توفي بعدما رفض أحد مستشفيات المنطقة استقباله لكونه لا يملك 500 ألف ليرة يدفعها للطوارئ... وحال عائلة كساسير في هذا الموضوع تحديداً لا يمكن وصفه حتى بالسيئ، إذ إن زوجها مريض بالسكّري وتضخّم في شرايين القلب، وهو غير مضمون ويعمل في بيع النراجيل، ولديها طفلان يعانيان أمراضاً صعبة، الأول مريض بالقلب، والثاني يعاني «هزة حيط»، وكلاهما يحتاجان الى عناية خاصة، إلا أنهما وبسبب الفقر يتعالجان في المستوصفات شبه المجانية «وفي مستشفى حيفا» المخصص للاجئين الفلسطينيين، والوالدان يصرّان على أن يكون أولادهم متعلمين، إلا أن المدرسة الرسمية أساءت الى الطفلين، فكانا يتعرضان للضرب على يد الاساتذة، وبالتالي قرر الوالدان أن ينقلا الطفلين الى مدرسة خاصة، «وها هي المدرسة تغلّي قسطها هذا العام نحو 500 ألف ليرة»، تقول أميّة، أما أولادها الآخرون، فيتوزعون على المهنيات والمعاهد...
أميّة تصرف على عائلتها الكبيرة 10 آلاف ليرة يومياً فقط، تشتري بهذا المبلغ ربطة خبز وبعض المأكولات الخفيفة «فأنا أحتاج الى 30 ألف ليرة حدّاً أدنى لكي أعد طبخة»، وحين تنقطع المياه، يصبح الوضع كارثياً، إذ لا امكانية لشراء المياه، ولا امكانية للعيش من دون هذه المادة، فتكون مساعدة الأقارب هي المنجد الوحيد، أما في غياب الكهرباء فيكون الوضع لا يطاق، في الصيف حر شديد وفي الشتاء برد قارس، وتكون العائلة مرغمة على تحمّل تقلّب الطقس «كمن يعيش في الصحراء».
أميّة تعرّف عن نفسها بأنها «ابنة بيروت»، والكلام عن الوضع المعيشي ينكأ جرحها، لتضرب ذاكرتها الأوضاع الأمنية والسياسية، «فأنا أخاف جداً من المشاكل، أخاف على زوجي وأولادي كثيراً، أخاف من أن يصابوا بالأذى، ففي هذا البلد إن لم تمت جوعاً، تمت من الرصاص»... تأخذ نفساً متقطعاً وتضيف «الدولة لا تنظر الى الشعب الفقير، بلد لا أمان فيه، لا نعرف إذا كنا سنعيش في اليوم التالي أم نموت».

عن مرضى الضمان: «يعين الله»

لست بحاجة حتى الى سيارة، تقطع شارعاً واحداً، تتوجه الى مبنى شاهق فتراه ينام بثقله على غرفة وداد إسحاق نعمة، المنزل هنا مضاء قليلاً، لكنه بعيد عن عين الشمس، الأثاث كافٍ لكي يستطيع أفراد المنزل أن يجلسوا معاً، ووداد تعيش مع زوجها وابنها منذ فترة طويلة في هذا المنزل، «يوم إيه ويوم لأ»، هكذا تأتي المياه هنا، وحين يصبح المنزل بلا هذه المادة، فلا خيار سوى التحمّل وانتظار اليوم التالي، فكلفة «سيتيرن المي» مرتفعة جداً بالنسبة الى زوج يعمل ناطوراً وزوجة تعمل في تنظيف الكنيسة. وبالتالي لم تحاول وداد أن تشتري المياه حتى اليوم... وتنقطع الكهرباء «ولا نشترك بالموتور»، والسبب هو نفسه لا يتغيّر، وعلى الرغم من كل ذلك، تحب وداد لبنان «مرت علينا حروب في هذا المنزل وبقينا، فأنا لا أحب السفر، لا أحب أن أبتعد عن هذه الأرض». ابن وداد شاب ترك مدرسته صغيراً إذ وجد وظيفة، إلا أن بلد البطالة لفظه كما يلفظ كل شبابه، بقي عاماً كاملاً من دون أي عمل، فتعلّم صناعة المجوهرات، وها هو يعمل من منزله ليستطيع تأمين مصروفه، وإن بقي شيء فلمساعدة الأهل. وداد منتسبة الى الضمان «لكن المستشفيات لا تعترف في الكثير من الأحيان بمرضى الضمان»، وحين يمرض أحد أفراد العائلة؟ تجيب وداد: «يعين الله».
وداد دائمة الابتسام، لكن خلف وجهها البشوش ألماً، «فالمدخول قليل جداً، والغلاء كبير جداً»، وفي لعبة التوازن، يرجح الميزان دوماً الى الفقر، «لكننا لا نزال على قيد الحياة، نعيش بقدر ما نستطيع أن نصرف، ونصرف بالقدر الذي يجعلنا أحياء»... إذ تصرف وداد 500 ألف ليرة شهرياً على المنزل، وهذا المبلغ يجب أن يوفّر الحاجيات كلها، من طعام وشراب وثياب ومصروف يومي، أما إذا وقع المرض، فتحل المشكلة، «فأسعار الأدوية مرتفعة، وغالباً ما نستغني عن الدواء ونصبر على المرض».



1000 غرام

أصبح وزن ربطة الخبز، بحيث نقصت رغيفاً، وقد توجه اتحاد الشباب الديموقراطي في اعتصامه إلى وزير الاقتصاد والتجارة، وقال: «قبل أن تصف بالفساد من يدافع عن الفقراء ورغيفهم، نطلب منك أن تفتح لنا راحتيك، حيث سنجد بينهما من دون شك، رغيفنا المسلوب».



اعتصام «نريد رغيفنا المسلوب»

تحت إجراءات أمنية جديدة، نفذ اتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني اعتصامه الثالث أمس تحت عنوان «نريد رغيفنا أيها السارقون». وألقى إحسان دبوق كلمة باسم المعتصمين جاء فيها: «يا وزير التجارة، نحن نعرف أن قرار دعم المطاحن الذي حصلت عليه من مجلس الوزراء كان مقيّداً بشرط، هو إبقاء سعر ربطة الخبز ووزنها على ما هو عليه، حصلت على القرار، دعمت مافياتك، ورفعت سعر الخبز! أليس هناك من يحاسب؟». وأضاف: «ترى أيها الوزير أن من يشنّ حرباً على سرقة رغيف الخبز هو متآمر على الدولة. هل هذه مزحة؟ هل تحاول أن تضلل الرأي العام كما فعلت في بيانك الذي ادعيت فيه أنك أبقيت سعر الخبز على ما هو عليه، في حين أنك رفعته؟».


عدد الاثنين ١١ تشرين الأول ٢٠١٠ | شارك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق