4‏/5‏/2011

مراقبو «حماية المستهلك» يستطلعون الأسعار في رواق الوزارة!

في أحد أروقة وزارة الاقتصاد والتجارة، بين الثامنة والنصف والتاسعة والنصف، «عجقة» سببها مراقبو مديرية حماية المستهلك، والضجة لا تمنع العين من الالتقاء بمراقبين يحتلّون زوايا الرواق وهم مشغولون بملء جدول أسعار السلع الغذائية، بدلاً من الحصول على الأسعار من السوبرماركت!

رشا أبو زكي
حتى الآن، وعلى الرغم من صدور القرار رقم 277/1 في الجريدة الرسمية، لا تزال الأرباح بلا هوامش، علماً أن قرار تحديدها أشار في أسبابه الموجبة إلى أنه جاء تعبيراً عن «حرص وزارة الاقتصاد والتجارة على حماية المستهلك والحفاظ على الأمن الغذائي والاجتماعي»، إلّا أن مديريات الوزارة لم تتلقّ تعميماً يشير الى آلية العمل بتحديد نسب الأرباح التجارية. وبالتالي لا يزال الحاكم هو الاحتكار والغلاء، والمحكوم باق بلا دولة تحميه!
وبانتظار تطبيق القرار، تتلهّى مديرية حماية المستهلك بنشر أسعار السلّة الاستهلاكية عبر عرض أسعار 40 سلعة من السوبرماركت والمحال التجارية، إلا أن هذا التلهّي ينطوي على فضيحة، إذ إن عدداً من المراقبين يفترشون أرض الوزارة ويملأون جدول الأسعار «على ذوقهم»، ومن يحاسبهم إذا كان مدير المصلحة شخصياً قد أعلن في اجتماع داخلي أنه لا يكترث بالقواعد العلمية للإحصاء؟ في عام 2006، ألغى وزير الاقتصاد والتجارة (السابق) سامي حداد قرار تحديد هوامش الأرباح، معززاً بذلك جشع التجار، ليتماهى مع سياسة اقتصادية واجتماعية أعلنت العداء لمصالح المواطنين، وفي عام 2008 عند تأليف حكومة ما بعد اتفاق الدوحة، أصدر وزير الاقتصاد محمد الصفدي قراراً يقضي بإعادة العمل بالمرسوم الاشتراعي المتعلق بهوامش الربح، إلا أنه أوقف العمل به قبل أن يبدأ بموجب دعوى تقدم بها بعض التجار لدى مجلس شورى الدولة... لكن، بعدما ارتفعت الأسعار هستيرياً أخيراً، ألّف مجلس الوزراء لجنة لدراسة أكلاف السلع وتحديد هوامش أرباحها، وفي 28 تشرين الأول الماضي نشر القرار رقم 277/1 في الجريدة الرسمية الذي حدد هوامش أرباح التجار بين 5 و15%... لكن ما الذي حصل؟
بالطبع، بدأ التجار والمحتكرون ثورتهم على القرار، متسلحين بعبارة «اقتصاد لبنان حر»، وفي المقابل، لم يخرج الصفدي بأي تعميم لمديريات الوزارة يفيد ببدء العمل بتحديد هوامش الأرباح، لا بل إنه حتى الآن، وبحسب ما تؤكد المصادر، لم تطلب الوزارة من مديرية الجمارك لوائح أسعار السلع، انطلاقاً من أن هامش الربح يحدَّد عبر مقارنة سعر الكلفة الذي يظهر في بيانات الجمارك وسعر المبيع في السوق ... والقرار الذي لا يعجب السلطة الأولى في لبنان وهي سلطة المحتكرين، دخل الى زواريب التسوية، فعقد رئيس الحكومة اجتماعاً مع كل من الصفدي ورئيس مديرية حماية المستهلك فؤاد فليفل للاتفاق على آلية التفافية على القرار، فتطوع فليفل أمام الحريري والصفدي بتنفيذ المشروع، وهو تسليط الضوء على ما يعرف بمؤشر السلّة الاستهلاكية، التي تقوم على مقارنة عدد من السلع في بعض السوبرماركت والمحال، وبالطبع، مؤشر كهذا لا علاقة له بتحديد هوامش الأرباح، حيث لا يقارن سعر المبيع بسعر الكلفة. وهنا، ماذا حصل؟
بدأت وزارة الاقتصاد بإصدار جدول أسبوعي بأسعار السوبرماركت والمحال، الأول صدر في 15 تشرين الثاني الجاري، والثاني في 24، وأرفق كل جدول بعبارة «التزاماً منها بتقديم كل المعلومات الدقيقة للمواطن اللبناني، تنشر الوزارة سعر 23 سلعة غذائية أساسية في عدد من السوبرماركت مع الإشارة إلى السعر الأرخص».

لا تعميم من الصفدي لمديريّات الوزارة ببدء العمل بهوامش الأرباح

إلّا أن الدقّة المذكورة لم تكن سوى سراب، ففي الأسبوع الأول للعمل، خرج 300 مراقب الى السوق للحصول على أسعار نحو 40 صنفاً من نحو 90 سوبرماركت ومحلّاً صغيراً ومتوسطاً، وعادوا الى الوزارة بأرقامهم، فكانت المشكلة الأولى: كيف يمكن إدخال كل هذه الأرقام بيوم واحد الى النظام الإلكتروني للوزارة؟ أما المشكلة الثانية فهي: كيف يمكن مقارنة سعر الحليب مثلاً بين محل وسوبرماركت، أو بين سوبرماركت وأخرى إن كان المراقبون قد أتوا بأسعار لأكثر من صنف من الحليب؟ ولحل مشكلة كهذه، عقد اجتماع حضره رئيس مديرية المستهلك فؤاد فليلفل، الذي قال بصريح العبارة «لا تهمني دقة الأرقام، أريد فقط خلق المنافسة بين المحال والسوبرماركت»!
وعمّت الفوضى أرقام حماية المستهلك، فأصبح جزء من المراقبين، بدلاً من الخروج الى الأسواق، يملأون الجداول في رواق وزارة الاقتصاد، لتصبح مقارنة الأسعار ضرباً من الجنون.
وكانت «الأخبار» قد نشرت يوم الأربعاء الماضي تقريراً اعتمد على مقارنة جداول الأسعار خلال الأسبوعين الذين نشرت فيهما الوزارة بياناتها، وهو ما أحدث هرجاً ومرجاً في الوزارة، إذ تبين في المقال ارتفاع أسعار 25 سلعة غذائيّة في أسبوع، ما يتعارض مع هدف الصفدي تجنّب إبراز رفع الأسعار، فإذا بالأخير يقرر إلغاء القاعدة الإحصائية للسلّة الاستهلاكية التي عمل بها خلال الأسبوعين الماضيين، بحيث تُراقب الأسعار في اثنين من السوبرماركت ومحلين صغيرين، على أن يقوم مبدأ المقارنة على الوصول الى المعدل الوسطي بين سعر الصنف نفسه المعروض في سوبرماركت معروف بغلاء أسعاره وآخر معروف بانخفاض أسعاره!



300 مراقباً

هو عدد المراقبين في مديرية حماية المستهلك، بعدما كان عددهم لا يتعدى الـ40 مراقباً، وقد تمت زيادة العدد نظراً لحاجة الوزارة الى سد الشغور في الملاك الدائم، وتذرّعها بأن ضعف المديرية ناتج من النقص في عديد المراقبين لديها




من 300 إلى 40 صنفاً
مؤشر السلّة الاستهلاكية كان يعتمد على جولة يقوم بها المراقبون كل شهر على الأسواق منذ عام 2001، فأصبح يعتمد على جولات يومية للمراقبين تصدر عنها بيانات أسبوعية، وقد خرج الصفدي باقتراح مراقبة 300 صنف من السلع، إلا أن صعوبة إدراج الأصناف في الصحف، أدت الى خفض عدد الأصناف المراقَبة الى 40، بحيث يصار إلى اختيار مكوّنات صحن الفتوش مثلاً، إضافة الى سلع غذائية أساسية للمواطنين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق