4‏/5‏/2011

دعم المازوت للفقراء ممكن



يزيد توزيع المازوت مع بداية فصل الشتاء ليقارب 5 ملايين ليتر يومياً (أرشيف ــ مروان بو حيدر)

خلال السنوات الماضية، لجأت الحكومة الى دعم المازوت في فترات محددة، وذلك بحجّة رفع عبء ارتفاع سعر هذه المادة عن الفقراء... إلا أن فترة الدعم كانت تعدّ فرصة ذهبية للشركات والتجار، إذ يجري تخزين المازوت لبيعه بعد رفع الدعم، من دون أن يفيد المستهدفون منه، ونتيجة ذلك ألغت الحكومة الحالية هذا العام دعم المازوت، معتمدة الحل الأسهل، بدلاً من البحث في خيارات توصل الدعم الى من يحتاج إليه...

رشا أبو زكي

مع هبوب أولى عواصف الشتاء، سيطر البرد على بيوت الفقراء في جميع القرى والبلدات اللبنانية، فقد وصل سعر صفيحة المازوت الى مستويات قياسية تعدّت الـ 23 ألف ليرة! إذ يشير سكان القرى الى أنهم يحتاجون الى صفيحة مازوت يومياً ليتّقوا البرد القارس، إلا أن انخفاض القدرة الشرائية في مقابل ارتفاع أسعار جميع السلع، وامتدادها الى صفيحة المازوت جعل من الصقيع صديقهم اليومي. فلا مدفأة تعمل

، ولا «وجاق» يتوهج، ولا بديل في ظروف كهذه عن مازوت الشتاء... وإن كان دعم المازوت قد اتخذ منحى سلبياً في السنوات الماضية بسبب هيمنة الشركات والتجار على السوق عبر استغلال الدعم لتخزين المازوت سعياً الى بيعه بعد رفع الدعم واكتساب أرباح خيالية، فإن الاعتداد بعدم دعم المازوت لا يعدّ ذا منفعة، وخصوصاً لدى الفقراء ومن يحتاجون فعلاً الى الدعم... عدد من المعنيين والخبراء الاقتصاديون أكدوا أن الحل لا يكون بإلغاء الدعم، بل بإيجاد آلية لتوزيع الدعم على الفقراء، ومنها الاعتماد على قاعدة البيانات الإحصائية لعدد الأسر الفقيرة في لبنان، بحيث يجري توزيع الدعم إما مادياً أو عبر بونات من خلال البلديات...
فقد أعلن أكثر من وزير في الحكومة أن لا0 دعم هذا العام على المازوت، وذلك بعدما عملت الحكومة منذ 3 سنوات خلت على دعم هذه المادة، باستثناء بداية العام الجاري حيث أوقف قرار الدعم بقرار من وزير الطاقة والمياه جبران باسيل بعدما ارتفعت الشكوى من سيطرة الشركات على المازوت المدعوم وتخزينه... وتشير مصادر عاملة في القطاع النفطي الى أن مصافي النفط تبيع 4 ملايين ليتر من المازوت يومياً مباشرة من باحة المصفاة، إضافة الى 700 ألف ليتر يومياً تباع الى شركات توزيع النفط، ويزيد توزيع المازوت مع بداية فصل الشتاء ليقارب الـ 5 ملايين ليتر يومياً. وتلفت المصادر الى أن سعر المازوت سيستمر في الارتفاع بحيث سيزيد 900 ليرة حتى يوم رأس السنة، ليصبح سعر الصفيحة 23 ألفاً و900 ليرة، كذلك من المتوقع أن يستمر الارتفاع مع بداية العام المقبل.
وتؤكد المصادر أن آلية دعم المازوت التي اعتمدتها الحكومة خلال السنوات الثلاث الماضية لم تكن سوى طريقة لزيادة أرباح عدد من شركات توزيع المحروقات، إضافة الى تأمين عمل لعدد كبير من الشركات الوهمية التي أنشئت لكي تعمل فقط خلال فترة الدعم، بحيث تشتري كميات كبيرة وتخزنها لتبيعها بعد انتهاء فترة الدعم... وفي حالة كهذه، ما هي الآلية التي من الممكن أن تعتمدها الحكومة لدعم من يحتاج فعلاً الى الدعم؟
1- يلفت المصدر العامل في المجال النفطي الى أن بإمكان الحكومة أن تحدد حاجة كل منطقة للمازوت المدعوم، عبر دراسات متخصصة، وبحيث تخصّص محطات وقود لا تعطي المازوت المدعوم إلا لمن ترد أسماؤهم في لائحة المشمولين بالدعم، ويوضح أن مخاتير القرى يعرفون جيداً الأسر الفقيرة في مناطقهم، وبالتالي يمكن التعاون معهم في هذا الإطار.
2- يرى الخبير الاقتصادي غسان ديبة أن دعم المازوت يجب أن يدخل ضمن سياسة عامة لاستهداف الفقراء، بحيث يمكن الرجوع الى القاعدة البيانية الموجودة في الإحصاء المركزي وفي وزارة الشؤون الاجتماعية، التي تحدد عدد الأسر الفقيرة وتوزعها وأماكن تمركزها، وبعد ذلك يجري توزيع بونات خاصة بالدعم على الأسر التي تقع تحت تصنيف «أسر فقيرة» أو «تحت خط الفقر المدقع»، ويلفت الى أن نظام البونات معمول به في عدد كبير من الدول، ومنها الولايات المتحدة الأميركية، وهو ليس بأمر عسير، إذ إن قاعدة البيانات موجودة وآلية التنفيذ ليست معقدة، على أن تدخل هذه الآلية ضمن خطة اجتماعية شاملة تهدف الى تأمين الحاجات الأساسية للفقراء تحت خط الفقر المدقع.
3- يقول المستشار الإقليمي للاسكوا أديب نعمة إنه لا يجب حصر الدعم بالمازوت، إذ لا بد من تحقيق تصور اجتماعي شامل في لبنان لتقليص عدد الفقراء، «فتجزئة القضايا لا توصل الى نتيجة»... وفي الإطار نفسه، يقول خبير اجتماعي إن السكان الذين يقعون تحت خط الفقر المدقع يمثّلون حوالى 5 في المئة من إجمالي عدد السكان في لبنان، أي حوالى 50 ألف عائلة (باعتبار أن كل عائلة تتألف من 4 أشخاص)، وليس كل هؤلاء يحتاجون الى دعم في مادة المازوت، إذ إن حوالى نصفهم يعيشون على الساحل اللبناني، بحيث لا يبقى إلا ما بين 20 ألفاً إلى 25 ألف عائلة تتوزع على جرود السلسلة الغربية وجرود عكار والضنية وبشري وجرد البترون وجرد كسروان، وصولاً الى الجنوب والبقاع... وبالتالي يمكن التنسيق ما بين الوزارات المعنية والبلديات لتحديد الأسر الأشد فقراً، كما يدخل في التصنيف العائلات التي ترأسها نساء غير عاملات، والعجائز، وبذلك يمكن حينها البحث عن آلية الدعم التي من المنطقي أن تكون مباشرة، إما عبر البونات أو عبر المعونات التي تحقق المتطلبات الأساسية للعيش. ويلفت الخبير الى أن مشروعاً كهذا يحتاج الى باحثين اجتماعيين في جميع المناطق، إذ لا يكفي القيام بالدراسات من دون متابعتها بخطوات عملية.
4- الخبير الاقتصادي غالب بومصلح لا يرى أن الحكومة اللبنانية لديها نية أصلاً في الدعم، إذ إن المنظمات الدولية تفرض على لبنان شروطها الاقتصادية، ومنها إلغاء كل أشكال الدعم للمواطنين. ومن جهة أخرى، فإن كل المحاولات التي لحظت دعم مواد أساسية للمواطنين انتهت في جيوب بعض النافذين السياسيين والشركات الاحتكارية والتجار، ويلفت الى أن الحل الوحيد في هذا الإطار هو الدعم المباشر للعائلات الفقيرة، إذ من العروف أن كل عائلة تحتاج الى ثلاثة براميل من المازوت في فصل الشتاء، ويمكن إعطاء العائلات الفقيرة مساهمة مالية عبر البلديات أو المحافظات، مشيراً الى أن سوريا طبقت نظام البونات في السابق، وكانت التجربة ناجحة جداً، ثم ألغيت البونات واستبدلت بالمساعدات المادية المباشرة، الى أن ألغي الدعم نهائياً. ويضيف «أعتقد أن في لبنان أزمة أساسية، وليس هناك تردد لدى السلطة الحاكمة، فهي لا تريد الدعم».


6 في المئة

هي نسبة الأرباح الصافية للدولة من كل صفيحة مازوت، تضاف إليها الضريبة على القيمة المضافة 10 في المئة، وبذلك تصبح اقتطاعات الدولة من كل صفيحة نحو 2091 ليرة وفق آخر جدول لتركيب الأسعار، بحيث بلغ سعر الصفيحة 23 ألف ليرة.


دراسات... ولا خطط

ترافق دعم المازوت خلال السنوات الثلاث الماضية مع أزمة تتزامن مع فترة الدعم، هي اختفاء كميات المازوت من السوق بصورة سحرية، ليتبين في ما بعد أن عدداً من الشركات، ومنها شركات وهمية، هي المستفيد الأول من الدعم. واللافت في هذا الإطار أنه على الرغم من أن الأزمة كانت تتكرر سنوياً، إلا أن أي حكومة لم تعمل على الغوص في أسبابها لمنع تكرارها، لا بل دُرست خلال العام الماضي آلية توزيع للمازوت المدعوم على محطة واحدة في كل محافظة، بحيث يُحصر التوزيع بنقطة مركزية وموجّهة، إلا أن الغريب أن النقاش لم يصل إلى حدود الإقرار.

العدد ١٢٩٣ الخميس ١٦ كانون الأول ٢٠١٠

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق