4‏/5‏/2011

«المستشفى العسكري» الجديد يفلت من قبضة السنيورة



خلال دورية للجيش اللبناني (أرشيف ــ هيثم الموسوي )

بقي مشروع المستشفى العسكري الجديد أسيراً في قبضة فؤاد السنيورة وفريقه لمدة 7 سنوات متواصلة، ولم يُفرج عن مشروع تشييده إلا بعدما قررت قيادة الجيش اللجوء إلى المصارف لتوفير التمويل المطلوب

رشا أبو زكي

بقي فؤاد السنيورة يعرقل إنشاء مستشفى عسكري جديد طوال 7 سنوات ماضية، كان يشغل فيها منصب وزير المال، ثم رئيس الحكومة؛ فوزارة الدفاع الوطني تحاول منذ عام 2003 إقناع السنيورة والحكومات المتعاقبة بجدوى إقامة هذا المشروع، إذ إن المستشفى الحالي لم يعد قادراً على استيعاب المستفيدين من الطبابة العسكرية، ما يرتب ديوناً متراكمة على المستشفى نتيجة تحويل العسكريين إلى مستشفيات خاصة أخرى ويهدد أمنهم وسلامتهم...

أما الغريب في الأمر، فهو أن حجة السنيورة للرفض كانت تقوم على عدم جدوى إنشاء المستشفى في ظل وجود المستشفيات الخاصة الكثيرة، إلا أن هذه الحجة سرعان ما تهاوت بعدما قررت قيادة الجيش تشييد المستشفى بواسطة قروض مصرفية! عندها فقط وافقت وزيرة المال ريا الحسن على طلب وزارة الدفاع، فأدرجت في مشروع موازنة عام 2010 مادّة تسمح بذلك، هي المادّة 127!

معاناة الموافقة

يعود مشروع إنشاء المستشفى العسكري الجديد إلى سنوات ماضية طويلة. ففي 5 آب من عام 2003 أُحيل كتاب من وزير الدفاع الوطني محمود حمود على مجلس الوزراء يطلب الموافقة على إنشاء مستشفى عسكري مركزي حديث، نظراً إلى أن المستشفى العسكري القائم غير قادر ببنائه القديم ومساحته الضيقة على تلبية حاجات المستفيدين ومتطلباتهم، ما يدفع الإدارة الطبية العسكرية إلى توجيههم للمستشفيات المدنية الخاصة، وهذا ما رتب أعباءً وديوناً متراكمة، بلغت نحو 90 مليار ليرة بين عام 1996 وعام 1998، وقد بلغ عدد المستفيدين من المعالجة والاستشفاء، الذين منحهم قانون الدفاع المدني حق المعالجة نحو 300 ألف مستفيد، مقترحاً بناء مستشفى يستوعب 350 سريراً.
إلا أن وزير المال (حينها) فؤاد السنيورة رأى أنه لا سبب للموافقة على الطلب، وذلك حرصاً منه على عدم الإضرار بمكاسب المستشفيات الخاصة التي تستفيد من ضعف الدولة ومؤسساتها الصحيّة.
إلا أن وزارة الدفاع لم تستسلم، وكررت في عامي 2004 و2005 طلبها، وحاولت إقناع وزير المال دون جدوى، فطلب المجلس العسكري في عام 2009 من رئيس جهاز إسكان العسكريين المتطوعين المباشرة بإعداد خطة مكتوبة ومفصلة لآلية اقتراض الأموال من المصارف، وقرنها بنماذج عن الاتفاقات التي ستعقد مع المصارف لإنشاء المستشفى العسكري. وفي 5 شباط من عام 2010 أُلفت لجنة مهمتها اتخاذ التدابير اللازمة والضرورية لإنشاء وتشييد مستشفى عسكري مركزي، عندها سارعت وزيرة المال ريا الحسن إلى الموافقة على المشروع، وكذلك مجلس الوزراء، الذي أحاله على مجلس النواب لإقراره.
هذا الأمر يكشف عن مدى تواطؤ الفريق الحاكم على الدولة ووظيفتها ودورها، ومدى ارتباطه بالمافيات المتحكّمة بالقرار، إذ فجأة أصبح المستشفى العسكري مجدياً بمجرد أن أصبحت المصارف مستفيدة من الفوائد التي ستتكبّدها الخزينة من جرّاء منحها قروضاً لفترة أربع سنوات تبلغ نحو 75 مليون دولار أميركي.
وقد أبدت 12 شركة محلية وأجنبية استعدادها لتقديم دراسة محلية لإنشاء مستشفى عسكري وتمويل المشروع وتنفيذه، على أن تُسدَّد الكلفة لاحقاً على سنوات عدة، وتقدمت ثلاث منها (شركة تابت، شركة ميبكس، وشركة التعفف السعودية) بدراساتها التي تتضمن دفاتر الشروط الفنية وجداول الكميات والمواصفات الفنية والماكيت. ويملك الجيش المكان الملائم في وسط العاصمة ـــــ منطقة بدارو (ثكنتا الطرابلسي وغازي الطويل)، على أن يستوعب المستشفى 350 سريراً.

حجج السنيورة

وترى قيادة الجيش أن تشييد مستشفى جديد يمثّل حاجة ملحّة، نظراً إلى تدنّي قيمة الاعتماد المالي المخصص للاستشفاء العسكريين، البالغ 45 مليار ليرة؛ فهذا الاعتماد غير كاف لتغطية نفقات الاستشفاء في المستشفيات المدنية، إلا أن السنيورة لم يجد جدوى في إنشاء المستشفى، متذرعاً بأن «كلفة الفاتورة الصحية في لبنان مرتفعة ومردودية الإنفاق على الصحة العامة متدنية»، وهو لم يجد تفسيراً لهذه المعادلة المأزومة سوى أن الدولة فاشلة وعليها أن تتخلى عن واجباتها للقطاع الخاص، مشيراً إلى أن إنشاء المستشفى سيرفع كلفة الاستشفاء على نحو غير مبرر، ما يمثّل عبئاً على القطاعين العام والخاص، وهو ما يفرض منع أي مشاريع تهدف إلى توسعة مراكز الاستشفاء العامّة أو إنشاء مؤسسات استشفائية عامّة جديدة أو تجهيزها بمعدات طبية حديثة، وذلك منعاً للازدواجية من جهة وللحفاظ على مستوى معقول لكلفة الخدمة المؤداة. وبقي السنيورة ضمن إطار التحريض نفسه، مشيراً إلى أن هناك خللاً في توزيع مؤسسات القطاع الصحي، إذ يفترض بالدولة المعنية مباشرة بموضوع الإنماء المتوازن مناطقياً على مختلف الصعد، أن تتصدى لمسألة هذا الخلل الناتج أساساً من تمركز معظم الأطباء والمراكز الاستشفائية والصحية في المدن، وخاصة في بيروت، ما أدى ويؤدي إلى زيادات ملحوظة في حجم بدلات الخدمات الطبية بالنظر إلى مستوى أسعار العقارات فيها ولتوافر أعداد أكثر بكثير من حاجة العاصمة إلى الخدمات الاستشفائية من أطباء وممرضين ومستشفيات وتجهيزات تخصصية تفوق بكثير المعايير المتعارف عليها نسبة إلى عدد السكان أو عدد المستفيدين من تلك الخدمات. أما بيت القصيد في تبريرات السنيورة فكان العبارة الآتية: «بالنظر إلى وضع الخزينة العامة والكلفة المرتقبة للمستشفى موضوع البحث، يجب عدم التوقف أمام طريقة التسديد الميسرة المقترحة ومدته، ما دامت هذه الكلفة ستمثّل في المحصلة عبئاً مالياً جديداً يتعذر على الخزينة أن تتحمله»!

العدد ١٣٢١ السبت ٢٢ كانون الثاني ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق