4‏/5‏/2011

«لقد قتلوا أهل بيروت»


قلب «العم عمر» توقف مرتين من قهر «سوليدير»


طمأنه فؤاد السنيورة في عام 2004 وأعطاه رقماً خاطئاً! (بلال جاويش)
ليس العم عمر لبابيدي الضحية الوحيدة لشركة سوليدير، ولن يكون الأخير طبعاً. هو نموذج من الآلاف من سكان بيروت الذين استولت الشركة على أملاكهم. اشترتها ببضعة آلاف من الدولارات، لتبيعها الآن لأثرياء العرب والأجانب واللبنانيين بملايين الدولارات... قلب العم عمر توقف مرتين، ليحوّل محله البديل في الحمراء إلى مركز اعتصام دائم
رشا أبو زكي
محل صغير في زقاق ضيق متفرّع من شارع الحمراء لا يختلف عن غيره كثيراً. ثياب رجالية معروضة على الواجهة، ووجه بائع شاحب من «قلة البيع»، حركة زبائن قليلة، قطة شقراء تجول بحرّية على الرصيف، ولافتات «تدرز» الواجهة الزجاجية... مشهد أصبح لفرط انتشاره مملاً؟
مهلاً، اللافتات التي لا تلفت العابرين لأول وهلة تحمل قصّة تشبه قصص الكثيرين في هذا البلد: «تصفية عامّة بسبب كبر السن»، عبارة تحمل دلالات كثيرة. لكن قبل أن تمضي في سبيلك، تنتبه إلى عبارة أخرى بالقرب منها: «أعيدوا لنا أملاكنا المغتصبة في وسط بيروت». لا شك في أن حاجبك سيرتفع استغراباً، تقول في سرّك: «ما بالها سوليدير تلاحقني حتى إلى محل الثياب؟». وكلبنانية «حشرية» نقلت سؤالي إلى أذن البائع العجوز الشاحب مباشرة، فجاء الجواب صارخاً: «لقد سرقوني يا ابنتي، وعلى عينك يا تاجر». ينقلب المشهد بسرعة. لقد أصبحت في حضرة أحد ضحايا «سوليدير» المكتومين، يقيم في مركز اعتصامه الدائم: محلّه الذي لم يبق له غيره! «هل تعلمين أن ضريح الرئيس رفيق الحريري قائم على عقار فقدت حقوقي عنوة به؟»، ستضطرب طبعاً أمام سؤال العم عمر لبابيدي؛ فأنا حقاً لا أعلم. أجلس على كرسي بجانبه، فيمسك العم رأسه بكلتا يديه، يطرق في الأرض لثوانٍ، يناولني الوثائق، فتظهر الأسماء نفسها التي لا تخرج عن دائرة التوقعات. أسماء اشتركت في الجريمة أو علمت بها: رفيق الحريري، وليد عيدو، سعيد ميرزا، وسام الحسن، فؤاد السنيورة... إنهم أبطال فصول الحكاية كلها.
كان العم لبابيدي أحد أصحاب الأملاك في وسط بيروت؛ فقد كان يمتلك محلاً اسمه «ميندور» للثياب في العقار الرقم 851 قرب ساحة الشهداء. بدأت الحرب الأهلية، فسافر لبابيدي إلى الخليج ليعود في عام 1992، وكان الجيش السوري لا يزال يسيطر على المنطقة حينها. وجد العم محله في مكانه، فاشترى محلاً آخر في العقار الرقم 846 بسعر 100 ألف دولار، وقام بترتيب المحلين بعدما تأكد أن كليهما لا يدخلان ضمن «خطة إعمار وسط بيروت» لشركة سوليدير. أجرى كل ما يلزم من إصلاحات، وغادر إلى الخليج مجدداً لتصفية أعماله المتعلقة بتجارة الثياب... بعد 6 أشهر، عاد العم عمر إلى لبنان، فعلم أن الفندق الذي يملكه في سوق سرسق قد دخل ضمن مشروع سوليدير، لا بل خمّنه القاضي (النائب الراحل) وليد عيدو بـ80 ألف دولار، ونقل ملكيته إلى سوليدير بالتعاون مع القاضي سعيد ميرزا، على الرغم من أن مساحة الفندق 900 متر... فإذا به يسارع في النزول إلى ساحة الشهداء. وقف أمام المحال التي من المفترض أنه يملكها، توقف قلبه بعدما وجدها قد سوّيت أرضاً! «من اتخذ قرار هدمها؟ لم تكن ضمن مخطط إعادة الإعمار! هي أصلاً لم تتأثر بالحرب ولا تحتاج إلا إلى ترميم! كيف دمّروها بعدما أكدوا لي أنها ليست للهدم؟ ماذا سأفعل بعدما صفّيت أعمالي خارج لبنان؟». العبارات تتسابق على لسان العم عمر، يتعب من الغضب، يُشعرك كأنك معه الآن، في عام 1992 أمام سراب كان في الأصل باب رزق.
بعدما سأل واستفهم، علم العم أن شركة «أوجيه» التابعة للرئيس الحريري هي من أصدر قرار الهدم. ذهب إلى المحامي (النائب الأسبق) أوغست باخوس، فنصحه برفع دعوى على سوليدير، إلا أن العم لم يفعل، بل ذهب مباشرة إلى الحريري «لأنه كان يستقبل أبناء بيروت»، فوعده الأخير بالآتي: «إما أن يأخذ محلاً من المبنى الجديد الذي سيُشيَّد مكان المبنى الذي هدّم، وإما أن يأخذ تعويضاً بقيمة المحل»، وكان ثمن المحل حينها أكثر من مليون دولار؛ لأنه من طبقتين... وسأله الحريري خلال اللقاء: «كيف وضعك بطريق الجديدة؟»، فكان أن فتح العم عمر منزله في الطريق الجديدة مركزاً انتخابياً، «وصوّرت على نفقتي 5 آلاف تيشرت لدعم الحريري بأكثر من 20 ألف دولار»... وبطيبة قلب، وولاء للرئيس الحريري، وبطلب من الأخير، تنازل العم عمر عن حقوقه في العقار الرقم 298 لمصلحة سوليدير، وأوكل إلى هشام جارودي أن ينوب عنه لإتمام معاملات التنازل عن الحقوق في العقار المذكور، حاصلاً في المقابل على أسهم في شركة سوليدير (وهذا العقار، هو الذي وضع فيه جثمان الرئيس الحريري في عام 2005).
وهكذا انتهت الانتخابات، واتصل نائب رئيس مجلس إدارة سوليدير حينها ماهر بيضون بالعم عمر، وبعدها ذهب معه إلى منطقة وسط بيروت، وعرض عليه أكثر من محل، وكان الاختيار، وطلب بيضون من العم أن يصبر قليلاً لأنه يريد قوننة ملكيته للمحل، وخلال فترة الانتظار، ذهب العم عمر إلى النائب ميشال فرعون، وسأله عن حقيقة الوعد الذي قطعه بيضون، فأجرى فرعون اتصالاً ببيضون، فجاء الرد إيجاباً بأن الحريري قدم للبابيدي محلاً في وسط بيروت... إلا أن الوعود كلها ذهبت هدراً «وكنت دائماً أتصل بالحريري فيقول لي: بكرا وبعده».
«آآآه»، يتنهد العم عمر، تثقل التجاعيد وجهه، يحمل رأسه بكلتا يديه مجدداً، ويعود إلى صمته. فقد طال الوعد كثيراً. وفي عام 2004، دُعي الحريري إلى غداء أقامته جمعية «أسر بيروت» برئاسة يحيى الهبري. حينها، جاء الرئيس السابق فؤاد السنيورة ممثلاً عن الحريري. طبعاً لمعت عينا العم عمر، فتقدم من السنيورة ببطء كمن يتأبط الأمل، وشرح له القصة، فجاوبه السنيورة: «معك حق، وهيدا رقمي حكيني لنحل القصة»، يخرج العم من دفتر قديم قصاصة ورق وعليها اسم السنيورة بخط يده ورقم هاتف هو: 01642720. اتصل العم بالرقم، فكانت الصدمة: الرقم غلط! بعد شهرين، استطاع الوصول إلى أحد الموظفين في مكتب السنيورة، اتصل به، شرح قضيته، وتحدث له عن قصاصة الورق، فما كان جواب الموظف سوى «انقع الورقة واشرب ميتها»!
العذاب استمر، فنزل العم عمر إلى وسط بيروت ليرى ماذا حل بالمساحة التي كان يجب أن يكون ضمنها محله، وجد أبنية، محال، موظفين، عمالاً، ولم يكن هو هناك، قلبه توقف، أصيب بذبحة خطرة «من القهر يا عمو». نقل إلى المستشفى، وبعدما ذهب إلى المنزل، جاءه عدد من الأشخاص من الحريري، جددوا وعودهم... واختفوا. وفي عام 2006، وهن قلبه مجدداً، توجه إلى مستشفى الجامعة الأميركية فرفضوا إدخاله من دون دفع مبلغ مسبق، فاتصل بالنائب أمين شري الذي وجهه إلى مستشفى الرسول الأعظم. للمرة الثالثة لا تخرج الكلمات من فم العم عمر، يصمت، ويشدد على كتابة العبارة الآتية في التقرير: «لقد قتلوا أهل بيروت».

100 ألف
هو عدد أصحاب الحقوق في وسط بيروت التجاري، الذين سُلبت أملاكهم وأُجبروا على حمل أسهم في شركة سوليدير لم تدرّ عليهم ولو جزءاً صغيراً مما خسروه من عقارات وأبنية ومحال، علماً بأن التنازل عن العقارت كان جبرياً لا طوعياً.

عجقة وثائق
وثائق كثيرة في جعبة عمر لبابيدي تظهر حقه المغتصب. رسالة من النائب ميشال فرعون إلى ماهر بيضون، جاء فيها: «عطفاً على مكالمتنا الهاتفية، وكما وعدتم بالاهتمام بموضوعه لإيجاد محل تجاري له في وسط بيروت، أتمنى الاهتمام مجدداً بملف عمر لبابيدي حسب الاتفاق»، موقعة في 19 أيار 2005. وبرقية أقدم موقّعة من «المديرية العامة للمراسم والعلاقات العامة في مجلس الوزراء: وسام الحسن» فيها رسالة من الرئيس رفيق الحريري إلى لبابيدي تتضمن شكراً على تهنئة الأخير للحريري بمنحه وسام شرف من الرئيس الفرنسي جاك شيراك... ووثائق تظهر ملكية لبابيدي لعقاراته وتنازله عن أخرى.
العدد ١٣١٧ الثلاثاء ١٨ كانون الثاني ٢٠١١
http://www.al-akhbar.com/node/2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق